يشهد مخزون المغرب من المحروقات تراجعاً مقلقاً يوماً بعد يوم، ما أدى إلى خروج عدد متزايد من محطات الوقود عن الخدمة في مختلف المدن، وسط حالة من القلق المتصاعد في صفوف المواطنين من احتمال نفاد هذه المادة الحيوية. هذا الوضع أعاد إلى الواجهة انتقادات واسعة لأداء الحكومة، خاصة فيما يتعلق بضعف المراقبة وعدم إلزام شركات المحروقات باحترام القانون الذي يفرض توفير مخزون احتياطي يغطي 60 يوماً على الأقل من الاستهلاك الوطني.
ورغم محاولة وزارة الانتقال الطاقي، من خلال بلاغ صدر يوم الخميس الماضي، طمأنة الرأي العام بشأن استقرار تموين السوق الوطنية بالمحروقات، إلا أن المعطيات الميدانية تعكس صورة مغايرة. فقد تزايدت حالات توقف محطات الوقود، بالتوازي مع استمرار سوء الأحوال الجوية، التي حالت دون رسو سفن محملة بالمحروقات في عدد من الموانئ الوطنية، ما زاد من حدة المخاوف لدى المواطنين والفاعلين الاقتصاديين على حد سواء.
وزادت هذه المخاوف بعد تداول معطيات رسمية، من بينها وثيقة مرتبطة بالملاحة الجوية دعت الطائرات القادمة إلى المغرب إلى التزود بكميات كافية من الوقود قبل الوصول، بسبب نقص هذه المادة داخل البلاد. وهو ما اعتبره متابعون مؤشراً إضافياً على هشاشة الوضع، وعلى أن الأزمة تتجاوز مجرد اضطراب ظرفي في التزويد.
و شهدت محطات الوقود خلال الأيام الأخيرة إقبالاً غير مسبوق من المواطنين، الذين سارعوا إلى ملء خزانات سياراتهم والتزود بكميات إضافية تحسباً لسيناريو نفاد المحروقات. هذا السلوك الاحترازي ضاعف الطلب بشكل مفاجئ، وساهم بدوره في تقليص العرض المتوفر، ما خلق حلقة مفرغة زادت من تعقيد الأزمة.
و جاء في بلاغ وزارة الانتقال الطاقي، الذي كان يفترض أن يبدد المخاوف، اعتُبر في المقابل إقراراً رسمياً بأن مخزون المحروقات الحالي لا يغطي المدة القانونية المحددة في 60 يوماً. فحسب المعطيات التي كشفت عنها الوزارة، لا يتجاوز حجم المخزون الوطني 617 ألف طن، وهو ما يغطي، في المتوسط، أقل من 20 يوماً من الاستهلاك، وهي مدة مرشحة للتقلص أكثر في ظل الارتفاع الحاد في الطلب.
و أعاد هذا الوضع طرح تساؤلات جدية حول مدى احترام شركات المحروقات للقانون، وحول دور الجهات المسؤولة في مراقبة تطبيقه. فالقانون واضح في إلزامية توفير مخزون احتياطي يعادل استهلاك شهرين، غير أن التنبيهات المتكررة بشأن هذا الخلل، وفق فاعلين سياسيين ونقابيين، لم تُترجم إلى إجراءات زجرية أو تصحيحية فعالة.
و انعكس القلق المتصاعد أيضاً داخل قبة البرلمان، حيث وجه عدد من النواب والمستشارين أسئلة كتابية وشفوية إلى الحكومة، محذرين من تداعيات هذا النقص على الأمن الطاقي الوطني. وفي هذا السياق، نبه المستشار خليهن الكرش إلى خطورة الوضع، داعياً الوزارة الوصية إلى اتخاذ تدابير عاجلة لحماية المستهلك من تقلبات الأسعار وضمان عدم تكرار مثل هذه الأزمات.
من جهتها، وجهت النائبة البرلمانية فاطمة التامني سؤالين متتاليين إلى وزيرة الانتقال الطاقي، أشارت فيهما إلى أن المخزون المعلن عنه لا يغطي سوى 18 يوماً من الاستهلاك، وليس 60 يوماً كما ينص عليه القانون. ودعت البرلمانية عن فيدرالية اليسار إلى تفعيل المساطر القانونية ضد الشركات المخالفة، والعمل على توفير مخزون فعلي لا يقل عن مليوني طن.
و أعادت الأزمة الحالية إلى الواجهة المطالب المتجددة بإعادة تشغيل شركة “سامير”، المصفاة الوحيدة بالمغرب، باعتبارها عنصراً أساسياً في تعزيز الأمن والسيادة الطاقية للبلاد. وهو مطلب تبنته أصوات برلمانية ونقابية، معتبرة أن استمرار تعطيل الشركة فاقم هشاشة سوق المحروقات.
وفي هذا السياق، أكد الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، أن السوق المغربية تعيش منذ نحو عشر سنوات اختلالاً بنيوياً، نتيجة توقف مصفاة المحمدية والدخول في مسار التصفية القضائية. واعتبر أن ما يقع اليوم يؤكد صحة التحذيرات السابقة من مخاطر الاعتماد الكامل على الاستيراد دون توفر طاقات تخزين وتكرير كافية.
وأضاف اليماني أن مجلس المنافسة سبق أن أقر بوجود مخالفات تتعلق بالتفاهم حول أسعار المحروقات، معتبراً أن أزمة المخزون الحالية تكشف عمق الاختلالات، وتفرض استخلاص الدروس عبر حسم ملف “سامير” واستغلال قدراتها التكريرية والتخزينية قبل فوات الأوان.
وتعزو وزارة الانتقال الطاقي سبب الاضطراب الحالي أساساً إلى التقلبات الجوية وعلو أمواج البحر، التي منعت رسو السفن النفطية في الموانئ. وحسب معطيات رسمية، فإن أزيد من مليون طن من المواد البترولية توجد حالياً على متن سفن تنتظر التفريغ، ما يجعل انفراج الأزمة رهيناً بتحسن الأحوال الجوية خلال الأيام المقبلة.