التسامي فوق ظلال الكراهية

Écrit par

dans


أحمد بلحاج آية وارهام
مدخل

في عالمٍ تتصارع فيه الظلالُ مع الأنوار، والهوى مع العقل، والبغضاء مع المحبّة، يقف العارفُ الصوفيّ كجبلٍ راسخٍ لا تزلزله عواصفُ الحقد، ولا تطفئ شمسَ قلبه سُحُبُ الكراهية أو دخانُ الغضب. ليس هو من أولئك الذين يحبّون بحسب المصلحة، أو يوالون بحسب المنفعة، بل هو ذلك الإنسان الذي قد خلع ثوبَ النفس الأمّارة بالسوء، ولبس لباسَ الروح المطمئنة التي تنفّست عبيرَ القرب الإلهيّ، فصارت نفسه مرآةً صافيةً تعكس أنوارَ الوجود الإلهيّ بلا تشويشٍ من نزغات الهوى أو دخانِ الغضب أو وهنِ البغضاء.

والعارف-وهوأعرفُ الناس بسرّ الوجود وحقيقة التجلّي-يدرك أن كلّ نفسٍ تحمل قدراً من النور، حتى وإن غطاها سوادُ المعصية أو ضبابُ الغفلة. فهو لا ينظر إلى الفعل، بل إلى الفاعل المخلوق، ويعلم أن الخلق كلّه ظلٌّ للحقّ، وأن الظلّ لا يستحقّ البغض لمجرّد أنه ظلّ. بل إنّه، في رحمته، يرى في عدوّه مرآةً لنفسه، وفي كارهه معلّماً يكشف له هفواته.

وليس العارفُ من يحبّ فقط، بل هو من لا يستطيع أن يكره؛ لأن الكراهية نقصٌ في الوجود، وانطفاءٌ في نور القلب، وانحرافٌ عن جادة الكمال الذي لا يتمّ إلا بفيض المحبة التي هي صفةُ الحقّ الأعظم. فالمحبة ليست حالةً عابرةً من حالات النفس، بل هي جوهرُ الوجود ذاته، كما قال الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي: «المحبة هي البحر الذي خُلق منه كلّ شيء».

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

ومن هذا البحر انبثقت الأنفاس، وتنفّست الأرواح، واهتزّت القلوب.

والعارفُ الصوفي لا يجهل أن كلّ ما يجري في هذا الكون إنما هو تجلٍّ من تجليات الإرادة الإلهية، فلا يقع في ملكوت الأرض والسماء إلا ما أراده الحقّ سبحانه. ومن عرف ذلك، كيف يحقد على عبدٍ أُمر أن يمشي في طريقٍ قد يبدو للناظر ظاهراً معوجاً، وهو في باطنه مستقيمٌ بمقتضى الحكمة الإلهية؟ بل كيف يبغض من جُعل سبباً لامتحانه، أو ابتلاءٍ يرفع به درجته في مقام القرب؟

إنّ هذا الموضوع ليس مجرّد كلامٍ أدبيّ، بل هو نداءٌ من أعماق الروح إلى الروح، ليوقظ القلوب الغافية، وينير الدروب المعتمة، ويعيد للإنسان إنسانيّته التي لا تكتمل إلا بالمحبة، تلك الإنسانية التي تذوب فيها الحدود بين الذات والآخر، وتتلاشى فيها الكراهية أمام سطوع نور اليقين.

تأمّل في الكون: هل ترى فيه شيئاً يكره غيره؟ الشمسُ لا تكره القمر، بل يتعاقبان في حبّ. البحرُ لا يكره الشاطئ، بل يلتقيان في وئام. الشجرةُ لا تكره الثمرة، بل تمنحها الحياة. حتى الذئبُ والغنم-في نظام الوجود-ليس بينهما كراهيةٌ حقيقية، بل توازنٌ إلهيّ. فكيف بالإنسان-وهو أكرم المخلوقات-أن يملأ قلبه بالكراهية؟!

الكراهية إذن شذوذٌ عن نظام الوجود، وانحرافٌ عن فطرة الكون. أما المحبة، فهي النظامُ ذاته، والفطرةُ نفسها. والعارفُ الصوفيّ، وقد رأى هذا النظام، لا يمكنه أن يخرج عنه. فهو كالنجم في سمائه: يسير في فلك المحبة، لا يحيد عنه طرفةَ عين.

وإذا تأمّلتَ في سرّ هذا الكون، وجدتَه كله مبنيّاً على المحبة. فالشمسُ تحبّ الأرض فتُشرق عليها، والمطرُ يحبّ الزرعَ فينزل عليه، والقلبُ يحبّ النورَ فيطلب الحقّ. حتى الذرةُ في أعماق المادة تدور حول نواةٍ بفعل جاذبيةٍ هي-في عالم الروح-صورةٌ من صور المحبة. فكلّ وجودٍ قائمٌ على التعلّق، وكلّ تعلّقٍ هو نوعٌ من المحبة.

أما الكراهية، فهي حالةُ انفصالٍ وانقطاع، كأن ترى اليدَ تكره القدم، أو العينَ تبغض الأذن! ومن يفعل ذلك، فقد جهل وحدة الجسد الإنسانيّ، بل وحدة الوجود كله. والعارفُ الصوفيّ، وقد رأى الكون كله جسداً واحداً للحقّ، لا يملك أن يكره جزءاً منه، لأنّه إن فعل، فقد كره نفسه، وكره خالقه.

وهكذا، فإنّ هذا البحث ليس مجرّد كلماتٍ تُقال، بل هو دعوةٌ إلى العودة إلى الأصل، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهي المحبة. فلنطأ الدربَ مع العارفين، ولننظر كيف تساموا فوق ظلال الكراهية، وحلّقوا في سماء المحبة التي لا تعرف حدوداً ولا شروطاً.

أولا: الكراهية نقصٌ وجوديّ ١. الكراهية وانقطاع سلسلة الوجود

الكراهية ليست حالةً نفسية عابرة، بل هي انقطاعٌ في سلسلة الوجود، وتشقّقٌ في نسيج الروح. فالإنسان الكامل—كما يقول ابن عربي—هو الذي يتّسع قلبه لكلّ الموجودات، لأنه يرى فيها آياتِ الحقّ وتجلياته. أما من يكره، فقد أغلق باباً من أبواب الفهم، وسدّ نافذةً من نوافذ الرؤية. والكراهية، في جوهرها، رفضٌ للواقع كما أراده الله، ومعارضةٌ خفيّةٌ لتدبيره. وهي إذن نوعٌ من الجهل بالحقيقة، وجهلٌ بأسماء الله الحسنى التي تتضمّن الرحمة والعدل والحكمة جميعاً.

ويقول الشيخ الأكبر في “فصوص الحكم”: «من عرف الحقّ في كلّ شيء، أحبّ كلّ شيء». فالمعرفة الحقيقية تولّد المحبة، والجهل يولّد الكراهية. ومن هنا، فإن الكارهَ جاهلٌ، ولو كان عالماً بظاهر العلوم. أما العارف، فإنه لا يملك في نفسه مكاناً للكراهية، لأنه يرى في كلّ موجودٍ وجهاً من وجوه الله، فلا يكره الوجه، وإن اختلفت ملامحه.

٢. الكراهية كظلٍّ لا وجود له

في عالم التجلّيات، لا وجود حقيقيّ إلا للنور. أما الظلال—ومنها الكراهية—فهي عبارةٌ عن غيابٍ للنور، لا كيانٌ مستقلّ. يقول ابن عربي: «الشرّ محضُ العدم». والكراهية، في حقيقتها، عدمُ المحبة، وغيابُ الرؤية، وانطفاءُ اليقين. ومن يسكن في عالم الظلال، يحسبها واقعاً، بينما الواقع الحقيقيّ هو النور الذي لا يحجبه شيء.

والعارفُ الصوفيّ، وقد تذوّق نورَ المحبة، لا يعود يرى الظلال إلا كأوهامٍ عابرة. فهو لا يحارب الكاره، بل يشفقه، لأنه يراه أسيراً في سجنٍ من صنع نفسه. وكما أن الضوء لا يحارب الظلام، بل يبدده بمجرّد حضوره، كذلك العارف لا يردّ الكراهية بكراهيةٍ، بل يذيبها بنور المحبة.

٣. الكراهية ومعارضة التوحيد

التوحيد الحقيقيّ لا يقتصر على قول “لا إله إلا الله”، بل يمتدّ إلى رؤية وحدة الوجود في تنوّعه. فمن قال “لا إله إلا الله” بلسانه، ثم كره عبداً من عباد الله، فقد شقّ عصا التوحيد في قلبه. لأن التوحيد يقتضي رؤية الحقّ في كلّ شيء، فلا يبقى مجالٌ للعداوة أو البغضاء.

ويروى أن رجلاً قال لأبي سعيد الخراز: “كيف ترى من يعاديك؟” فقال: “أراه عبداً من عباد الله، أحبّه لحبّ الله له”. هذه هي درجةُ التوحيد العمليّ، حيث لا يبقى في القلب مكانٌ إلا للمحبة التي هي صفةُ الحقّ.

٤. الكراهية وانطفاء مرآة القلب

القلبُ عند العارفين مرآةٌ تعكس أنوارَ الحقّ. فإذا دخلته الكراهية، علته الصدأ، فلم يعد يعكس النور. يقول ابن عطاء الله: «صدأ القلب من أربع: من الأكل الحرام، ومن الكذب، ومن مجالسة الكذابين، ومن الغفلة». ويمكننا أن نضيف: ومن الكراهية. لأنّ الكراهية تغطي القلب بغيومٍ سوداء، فلا يرى إلا ما يكره، ولا يسمع إلا ما يؤذي.

والعارفُ يحافظ على صفاء قلبه كما يحافظ البصريّ على عينه. فهو لا يسمح للكراهية أن تدخل، لأنه يعلم أنّها سرقةٌ لنوره. وكلّما حاول أحدٌ أن يزرع بذور الكراهية في قلبه، اجتثّها بجذورها، وغرس مكانها بذور المحبة.

٥. الكراهية كعبادةٍ للنفس

من يكره، إنما يعبد نفسه. لأنه يجعل هواه مقياساً للخير والشرّ. فيقول: هذا يوافقني فأحبّه، وهذا يخالفني فأبغضه. وهذه هي عبادةُ الهوى التي حذر منها القرآن: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ». أما العارف، فإنه يجعل إرادة الله مقياسه، فيحبّ ما أحبّ الله، ويرضى بما قضى الله.

ويقول ذو النون المصري: «من أحبّ بغير أمر الله، فقد عبد غير الله». فالمحبة التي لا تستند إلى المعرفة الإلهية، هي هوى. والكراهية التي لا تستند إلى الحكمة الإلهية، هي جهل.

٦. الكراهية وضيق الأفق

الكارهُ ضيّق الأفق، لأنه لا يرى إلا وجهَ الحقيقة الذي يكرهه. أما العارف، فهو واسعُ الأفق، لأنه يرى وجوهَ الحقيقة كلّها. يقول ابن عربي: «لو علم المبغضُ ما في المحبوب من أسرار، لانقلب محبّاً». ولكنّ الكاره لا يريد أن يعلم، لأنه يريد أن يبقى في سجن كراهيته، ظانّاً أنه حرّ!

والعارفُ، على العكس، يطلب العلم عن كلّ شيء، حتى عن عدوّه، لأنه يعلم أنّ في كلّ نفسٍ سرّاً من أسرار الله. فمن طلب السرّ، أحبّ. ومن أحبّ، اتّسع قلبه حتى صار كالسماء، لا تضيق بشيء.

ويقول ابن عربي: «من عرف نفسه، أحبّ غيره. ومن جهل نفسه، كره غيره».

٧. وحدة الوجود والمحبة

في مذهب وحدة الوجود عند ابن عربي، كلّ الموجودات ظهورٌ لأسماء الله وصفاته. فلا وجودَ مستقلاًّ لأيّ موجود، بل كلّه تجلٍّ من تجليات الحقّ. ومن هذا المنظور، الكراهية محالٌ عقليّ وأخلاقيّ، لأنّها كراهيةٌ لوجهٍ من وجوه الله.

ويقول الشيخ الأكبر: «من عرف أنّ الموجودات كلّها ظهورٌ للحقّ، أحبّها كلّها». فالمحبة هنا ليست اختياراً، بل ضرورةٌ من ضرورات المعرفة. والكراهية جهلٌ بالمبدأ الأول للمعرفة الصوفية.

٨. الكراهية تعددٌ في الذات الإلهية

الكراهية تتضمّن-بطريقةٍ خفية-تعدّداً في الذات الإلهية. لأنّ الكارهَ يفترض أنّ هناك شيئاً خارجاً عن إرادة الله يستحقّ الكراهية. وهذا شركٌ خفيّ، لأنّه يجعل للوجود مصدرين: مصدرَ الخير الذي يحبّه، ومصدرَ الشرّ الذي يكرهه. أما التوحيدُ الحقيقيّ، فيرى المصدرَ واحداً، فيحبّ كلّ ما يصدر عنه.

٩. رؤية العارف لوحة الوجود

العارفُ الصوفيّ يرى الكون كلوحةٍ فنيةٍ عظيمة. فهل يكره الرسّامُ لوناً من ألوان لوحته؟! كذلك الله—الرسّام الأعظم—لا يكره شيئاً من خلقه. والعارفُ، وقد رأى اللوحة كلّها، لا يكره لوناً منها، لأنّه يعلم أنّ كلّ لونٍ ضروريّ لجمال اللوحة كلّها.

ثانياً: الحقد سجنٌ للروح ١. الحقد: ثقلٌ على القلب

الحقد ليس سجناً للآخر، بل هو سجنٌ للحاقد نفسه. فمن حقد، حبس قلبه في زنزانةٍ من الظلام، وحرم نفسه من نسيم المحبة الذي يهبُ من رياض القرب الإلهي. والعارفُ الصوفي، وقد ذاق حلاوةَ الصفح وعذوبةَ العفو، يعلم أن الحقد ثقيلٌ على القلب كالرصاص، بينما العفو خفيفٌ كالريشة يحمله النسيم إلى عرش الرحمن.

ويقول الجنيد—شيخ الطائفة—: “من عفا عفا الله عنه، ومن سامح سُمّح له في ملكوت السموات”. فالعارف لا يسامح ليُظهر فضلاً، بل لأنه لا يجد في نفسه شيئاً يُسامح عليه؛ فقد ذاب حقده في بحر المعرفة، وانمحى أثره في نور اليقين. وكلّما أراد أحدٌ أن يدفعه عن طريقه، أو يزرع الشوك في دربه، ازداد يقيناً بأن هذا الدفع إنما هو دفعٌ من الله ليقرّبه أكثر، وهذه الشوكة إنما هي إبرةٌ تخيط له ثوباً من الصبر والرضى.

٢. قصة أبي يزيد والكلب

يروى أن أبا يزيد البسطامي مرّ يوماً بكلبٍ عطشان، فملأ خفّه بالماء وسقاه. فقال له رجلٌ: “أتُحسن إلى كلبٍ نجس؟” فقال أبو يزيد: “رأيتُ فيه عطشاً، ولم أرَ نجساً”. هذه الرؤية هي رؤية العارف: لا يرى العيوب، بل يرى الحاجة. ومن رأى الحاجة، أحبّ. ومن أحبّ، أنار.

٣. الحقد كمرضٍ روحيّ

الحقد مرضٌ يأكل القلب كما تأكل النار الحطب. وهو لا يضرّ المحقود، بل يضرّ الحاقِد أكثر. يقول الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين”: “الحقد سمٌّ قاتلٌ للروح، لا يظهر أثره إلا بعد حين، فإذا ظهر، كان كالداء المستعصي”. أما العارف، فإنه يداوي قلبه قبل أن يمرض، بدواء المحبة والصفح. فهو لا ينتظر أن يؤذى ليغفر، بل يغفر قبل أن يؤذى، لأنه يعلم أن الغفران سترٌ من الله، لا مجرد فعلٍ بشريّ.

٤. الحقد وانطفاء نور البصيرة

الحقد لا يعمي العينين فحسب، بل يعمي البصيرة. فمن حقد، لم يعد يرى الحكمة في البلوى، ولا الخير في العدوّ. أما العارف، فإنه يرى في كلّ بلاءٍ نعمةً، وفي كلّ عدوٍّ معلّماً. يقول الإمام الغزالي: «الحقد يُذهب نورَ البصيرة، كما يُذهب الدخانُ نورَ المصباح».

٥. قصة الشبلي والطير

يروى أن الشبلي كان يُطعم طيراً كلّ يوم. فلمّا مرض، جاء الطيرُ يزوره. فقال الناس: “عجبٌ! طيرٌ يزور إنساناً!” فقال الشبلي: “ما عجبٌ! إنّي أحببته لله، فأحبّني لله”. هذه هي المحبة الصافية التي لا تعرف الحقد. ولو أنّ الطيرَ آذاه، لما زاده ذلك إلا حباً، لأنه يعلم أنّ الطيرَ عبدٌ مأمور.

٦. الحقد كمرضٍ اجتماعيّ

الحقد لا يقتصر على الفرد، بل يصبح مرضاً اجتماعيّاً إذا انتشر. فالمجتمع الذي يسوده الحقد، يصبح كالجسد المريض الذي لا يقوى على مقاومة الداء. أما المجتمع الذي تسوده المحبة، فيصبح كالجسد الصحّي الذي يشفى من كلّ علّة. والعارفُ الصوفيّ، إذ يطهّر قلبه من الحقد، إنما يساهم في شفاء المجتمع كلّه، لأنّ القلوب تتصل كالأنهار، فما ينزل في نهرٍ يسري في غيره.

ثالثاً: المحبة كمال الوجود ١. المحبة: جوهر الوجود

المحبة ليست مجرد شعورٍ عاطفيّ، بل هي أصلُ الكمال الإنسانيّ وغايةُ السير والسلوك. يقول الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي: «المحبة هي البحر الذي خُلق منه كلّ شيء». فهي ليست خصلةً من خصال النفس، بل هي جوهرُ الوجود ذاته. ومن كمل، أي وصل إلى حقيقة كماله الإنسانيّ، لم يعد يملك في نفسه مكاناً للكراهية، لأن الكمال لا يحتمل النقص، والمحبة لا تقبل الضدّ.

ويقول رومي: «أنت لست قطرةً في المحيط، بل أنت المحيط في قطرة». ومن أدرك أنه المحيط، كيف يضيق صدرُه بكراهيةٍ أو حقد؟ بل كيف لا يفيض على كلّ من حوله بنور المحبة، حتى لو رموه بالحجارة؟

٢. المحبة كعبادةٍ وجودية

العارفُ الصوفي لا يحبّ ليُثاب، بل يحبّ لأنه لا يستطيع أن لا يحبّ. المحبة عنده ليست عملاً اختيارياً، بل حالةً وجوديةً لا إراديّة، كتنفّس الروح. فهو يحبّ في كلّ عبدٍ نورَ العبودية، وفي كلّ كائنٍ سرّ الوجود. ولذلك، لا يفرق بين صديقٍ وعدوّ في محبّته؛ فالصديقُ يمنحه فرصةَ الوفاء، والعدوُّ يمنحه فرصةَ التضحية. وكلاهما، في عين العارف، نعمةٌ من نعم الله.

٣. درجات المحبة عند العارفين

للعارفين درجاتٌ في المحبة: فمنهم من يحبّ الله في الخلق، ومنهم من يحبّ الخلق في الله، ومنهم—وهم الأقلّون—من يحبّ الله لله، فلا يرى غيره. وهذا هو مقام “الفناء في المحبوب”، حيث لا يبقى للمحبّ وجودٌ مستقلّ، بل يذوب في ذات المحبوب. يقول الحلاج: «أنا من أهوى، ومن أهوى أنا». وليس هذا كفراً، بل توحيدٌ صرف، لأن المحبّ قد فنى عن نفسه، وبقي بالمحبوب.

والعارفُ الذي بلغ هذه الدرجة، لا يعود يملك إرادةً تعارض إرادة الله، ولا نفساً تبغض من أحبّه الله أو أبغضه. فهو راضٍ بقضاء الله، سعيدٌ بفعله، محبٌّ لكلّ ما يجري في ملكوته.

٤. المحبة كقوةٍ كونية

المحبة ليست مجرد شعورٍ إنسانيّ، بل هي قوةٌ كونيةٌ تحفظ النظام الكونيّ. فالكواكب تدور بمحبة، والذرات ترتبط بمحبة، والقلوب تتّصل بمحبة. يقول رومي: «ما دام في الكون محبةٌ، فسيبقى الكون قائماً. فإذا انطفأت المحبة، انهار الكون».

تخيل المحبةَ كالبحر العظيم: لا يضيق بشيءٍ يُلقى فيه، بل يحتويه ويطهّره. كذلك قلبُ العارف: لا يضيق بكراهيةٍ أو أذى، بل يحتويه ويطهّره بنور المحبة. والذرةُ التي ترمى في البحر، إن كانت نجسةً، تطهّرها ملوحته. كذلك النفسُ التي تمرّ على قلب العارف، إن كانت كارهةً، تطهّرها محبّته.

ويقول الرومي: «كن كالبحر، لا كالحوض الصغير الذي يعكّر صفوَه حجرٌ صغير». فالحوضُ الصغيرُ هو قلبُ الكاره، يعكّره أدنى أذى. أما البحرُ فهو قلبُ العارف، لا يعكّره شيء.

٥. درجات المحبة العملية

للعارفين درجاتٌ عمليةٌ في المحبة:

– درجةُ الصبر: حيث يتحمّل الأذى دون أن يكره.

– درجةُ الرضا: حيث يرضى بالأذى كقضاءٍ من الله.

– درجةُ الشكر: حيث يشكر على الأذى لأنه يقرّبه من الله.

– درجةُ المحبة: حيث يحبّ من آذاه لأنه يراه سبباً لقربه من الله.

ويقول أبو حفص الكبير: «من وصل إلى درجة أن يحبّ من آذاه، فقد وصل إلى حقيقة المحبة».

٦. المحبة والجمال

العارفُ يرى الجمال في كلّ شيء، لأنّه يرى جمالَ الحقّ المتجلّي في كلّ موجود. حتى في الموت، يرى جمالَ اللقاء. حتى في الفقر، يرى جمالَ الاختيار. حتى في العداوة، يرى جمالَ الامتحان. ومن رأى الجمال، أحبّ. ومن أحبّ، سما.

ويقول الحلاج: «ما رأيتُ شيئاً إلا ورأيتُ الله فيه».

رابعاً: الإرادة الإلهية والرضا بالقضاء ١. رؤية العارف للواقع

من أعظم ما يميّز العارف الصوفي تفويضُه أمرَه إلى الله، ورضاه بما يقضيه. فهو لا يرى في أفعال الخلق استقلالاً، بل يراها ظهوراً لأسماء الله في عالم الكثرة. ومن أراد أن يعارض فعلاً من أفعال الناس، فقد عارض إرادةً إلهيةً تجلّت في ذلك الفعل. والعارفُ، إذ يدرك ذلك، لا يثور على الواقع، بل يسبح في بحره، يأخذ مما يُعطى دون اعتراض، ويعطي دون منّة.

ويقول ابن عطاء الله السكندري في “الحكم”: «ما أخرجك من رضاك بالله قضاءً وقدراً، أدخلَك في سخطك عليه جهلاً وغفلةً». فالعارف لا يرضى بالقضاء لأنه ضعيف، بل لأنه قويٌّ بما يكفي ليتحمّل الألم دون أن يردّه.

٢. قصة أبي يزيد والمعادي

ويروى أن رجلاً جاء إلى أبي يزيد البسطامي وقال: “فلانٌ يعاديك ويشتريك بالسوء”. فقال أبو يزيد: “أين أنا حتى يعاديني؟ إن كان يعاديني، فليُعدِ أولئك الذين يظنّ أنهم أنا! أما أنا، فلا وجود لي حتى أُعادى”. هذه هي درجةُ الفناء في الإرادة الإلهية، حيث لا يبقى للنفس رأيٌ ولا هوى، بل كلّها تسليمٌ ورضا.

٣. الرضا كأعلى درجات العبودية

الرضا بالقضاء ليس استسلاماً، بل هو أعلى درجات العبودية. يقول ذو النون المصري: “الرضا بابُ الله الأعظم، ومفتاحُ كنوزه”. ومن دخل هذا الباب، رأى الكون كله نعمةً، حتى البلوى. لأنه يعلم أن البلوى نعمةٌ مقلوبة، كما أن النعمة قد تكون بلوى مغلفة.

والعارفُ لا يسأل الله أن يُبعد عنه البلاء، بل أن يُريه حكمته فيه. فهو لا يكره شيئاً أتاه من عند الله، لأن كراهته تعني نقصاً في إيمانه بحكمة الله.

٤. الرضا كفناءٍ في الإرادة

الرضا بالقضاء ليس مجرد قبولٍ سلبيّ، بل هو فناءٌ في الإرادة الإلهية. يقول الشيخ الأكبر: «من فنى في إرادة الله، صارت إرادته إرادة الله». فلا يبقى له رأيٌ ولا هوى، بل كلّه تسليمٌ. ومن هذه الدرجة، لا يمكن أن يوجد حقدٌ أو كراهية، لأنّ الحقد رأيٌ معارضٌ للقضاء.

٥. قصة الجنيد والمعادي

يروى أن رجلاً كان يؤذي الجنيد كلّ يوم. فلمّا مرض الرجل، ذهب الجنيد لعيادته، وخدمه أياماً. فلمّا شُفي الرجل، قال: “يا سيدي، كنتُ آذيك، فلماذا تصنع بي هذا؟” فقال الجنيد: “أراك عبداً من عباد الله، أحبّك لحبّ الله لك”. هذه هي درجة الرضا: حيث لا يرى العارف إلا العبودية المشتركة.

٦. الإرادة الإلهية كحكمةٍ مطلقة

العارفُ يعلم أنّ الإرادة الإلهية حكيمةٌ مطلقة، فلا يقع في الكون إلا ما فيه خيرٌ للوجود كلّه. حتى الشرّ-الظاهر-هو خيرٌ في باطنه، لأنه يكشف الخير، ويقوّي الإيمان، ويُظهر الصبر. ومن عرف ذلك، أحبّ كلّ ما يجري، لأنه يحبّ الحكمة التي خلفه.

٧. القضاء والقدر كحكمةٍ مطلقة

القضاءُ والقدر ليسا مجردَ أحداثٍ عمياء، بل هما تجلٍّ للحكمة الإلهية المطلقة. فالله لا يقضي شيئاً إلا وفيه خيرٌ للوجود كلّه. حتى الشرّالظاهر-هو خيرٌ في باطنه، لأنه يكشف الخير، ويقوّي الإيمان، ويُظهر الصبر.

٨. الرضا كمعرفةٍ بالحكمة

الرضا بالقضاء ليس استسلاماً أعمى، بل هو معرفةٌ بالحكمة التي خلف القضاء. فالعارفُ لا يرضى لأنه لا يفهم، بل يرضى لأنه يفهم أكثر من غيره. فهو يرى الخيطَ الذي يربط الأحداث كلّها، فيعلم أنّ كلّ غرزةٍ ضروريةٌ لجمال الثوب كلّه.

٩. قصة إبراهيم الخواص والذئب

يروى أن إبراهيم الخواص مرّ بذئبٍ يأكل خروفاً. فقال الناس: “اقتله!” فقال: “كيف أقتل عبداً ينفّذ أمرَ ربّه؟”. هذه هي درجةُ الرضا: حيث يرى العارفُ تنفيذَ الإرادة الإلهية حتى في أفعال الوحوش.

خامساً: الخروج من دائرة الإنسانية بالكراهية ١. الإنسان: كائنٌ محبٌّ بطبيعته

الإنسان، بطبعه، مدنيٌّ بطبعه، كما قال ابن خلدون، لكنه أيضاً محبٌّ بطبيعته الروحية. فإذا كره، فقد انحرف عن فطرته، وخرج من دائرة الإنسانية الحقيقية إلى دائرة الوحشية النفسية.

فالكراهية تجعل الإنسان يرى في أخيه الإنسان عدواً، وفي الوجود كله ساحةَ حربٍ لا ساحةَ عبادة. أما العارفُ، فإنه يرى في كلّ نفسٍ قبلةً يتوجه إليها بقلبه، وفي كلّ وجهٍ آيةً يتأملها.

ويقول القرآن الكريم: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ». فغايةُ الوجود الإنسانيّ هي الرحمة، والرحمة لا تتحقّق إلا بالمحبة. ومن يكره، فقد خرج من رحمة الله، لأن الله لا يحبّ الكارهين.

٢. الكراهية: كراهية الذات

ومن يكره العالم كله—كما ورد في السؤال—إنما يكره نفسه أولاً، لأنه يرفض جزءاً من ذاته التي هي من نسيج هذا العالم. والعارفُ، على العكس، يحبّ نفسه حباً صحيحاً لا نرجسيةً فيه، لأنه يحبّ فيها نورَ الله، فيحبّ لذلك كلّ ما يحمل ذلك النور، ولو تحت رمادِ الذنب أو غبارِ الخطأ.

٣. قصة الشبّلمي والعدوّ

يروى أن شبّلمي-أحد عباد الصوفية-كان يُهدَى إليه كلّ يوم طعامٍ من رجلٍ يُقال إنه عدوّه. فلمّا سُئل عن ذلك، قال: “ما رأيتُ فيه عدوّاً قطّ، بل رأيتُ فيه عبداً يُطعِمُ عبداً”. هذه هي رؤية العارف: لا يرى العداوة، بل يرى العبودية المشتركة. ومن رأى ذلك، سلم قلبه من الكراهية.

٤. الكراهية كمرضٍ وجوديّ

الكراهية مرضٌ وجوديّ لأنّها تنفي وجود الآخر. فمن يكره، يريد أن يمحو من يكره من الوجود. وهذا جهلٌ بحقيقة الوجود، لأنّ كلّ موجودٍ له حقّ الوجود من عند الله. أما العارف، فإنه يثبت وجود الآخر، لأنه يرى فيه وجهاً من وجوه الله.

٥. الإنسان الكامل والمحبة

الإنسان الكامل عند ابن عربي هو الذي يتّسع قلبه لكلّ الموجودات. فهو لا يكره شيئاً، لأنّه يرى في كلّ شيءٍ تجلّياً من تجليات الحقّ. يقول: «أدينُ بدينِ المحبةِ أنّى توجّهتْ ركائبهُ، فإنّ المحبةَ ديني وإيماني». وهذه هي غايةُ الإنسانية: أن تصل إلى درجةٍ لا تكره فيها شيئاً.

٦. الكراهية وانعدام الرحمة

الكراهية انعدامٌ للرحمة، والرحمة صفةُ الله الكبرى. فمن كره، فقد خرج من رحمة الله. يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء». والعارفُ الصوفيّ، وقد تخلّق بأخلاق الله، يرحم كلّ من في الأرض، حتى من آذاه، لأنه يعلم أنّ الرحمة تبدأ حيث تنتهي العدالة.

ويقول الجنيد: «العارف لا يرى لنفسه وجوداً يستقلّ به عن الله، فلا يبقى له ما يكره به غيره».

سادساً: التسامي كفعلٍ وجوديّ ١. التسامي: غوصٌ لا هروب

التسامي عند العارف ليس تكلّفاً أخلاقياً، بل هو حالةٌ وجوديةٌ تفرضها المعرفة. فمن عرف، ارتقى. ومن ارتقى، سما. والتسامي ليس هروباً من الواقع، بل غوصاً في أعماقه حتى الوصول إلى جوهره. فالعارف لا ينأى عن الناس لأنه يحتقرهم، بل ينأى عن أدران نفوسهم ليحبّهم أكثر. وهو لا يرفض الكراهية لأنه ضعيف، بل لأنه قويٌّ بما يكفي ليتحمّل الألم دون أن يردّه.

٢. التسامي كشهودٍ دائم

العارفُ الصوفيّ في حالةِ شهودٍ دائمٍ للحقّ في الخلق. فهو لا يرى فصلاً بين الخالق والمخلوق، بل يرى التجلّي في كلّ ذرة. ومن هذا المنظور، لا يمكن أن يوجد كراهية، لأن الكراهية تتطلّب فصلاً وتقابلاً، بينما العارف في حالة وحدةٍ لا تقابل فيها.

ويقول ابن عربي: «من شاهد الحقّ في كلّ شيء، أحبّ كلّ شيء». فالتسامي هو امتدادٌ طبيعيّ للمعرفة، وليس ممارسةً أخلاقيةً منفصلة عنها.

٣. التسامي والجمال الإلهيّ

العارفُ يرى الكون كله جميلاً، لأنّه مرآةُ الجمال الإلهيّ. حتى القبحُ—في نظره—ليس قبحاً حقيقيّاً، بل هو جمالٌ في مرتبةٍ أخرى من الوجود. ومن هنا، فإن الكراهية مستحيلةٌ في قلبه، لأنّه لا يرى ما يُكره. يقول رومي: «كلّ ما تراه قبيحاً، هو جميلٌ في عين من يفهم».

والتسامي، إذن، هو رؤية الجمال في كلّ شيء، حتى في الألم، حتى في العدوّ، حتى في الموت. لأنه يعلم أن كلّ ذلك من عند الله، والله جميلٌ يحبّ الجمال.

٤. التسامي كشهود الجمال

التسامي عند العارف هو شهود الجمال في كلّ شيء. حتى في الألم، يشهد جمالَ الصبر. حتى في الموت، يشهد جمالَ اللقاء. حتى في العداوة، يشهد جمالَ الامتحان. ومن شهد الجمال، أحبّ. ومن أحبّ، سما.

٥. التسامي والحرية الحقيقية

العارفُ الصوفيّ حرٌّ حقّاً، لأنه تحرّر من سجن الكراهية. فالكارهُ أسيرٌ لكراهيته، بينما العارفُ حرٌّ لأنه لا يملك كراهية. يقول رومي: «الحرية الحقيقية هي أن تتحرّر من نفسك». والنفس هنا هي النفس الأمّارة التي تأمر بالكراهية.

٦. التسامي كعبادةٍ دائمة

التسامي ليس موقفاً مؤقّتاً، بل هو عبادةٌ دائمة. فالعارفُ في كلّ لحظةٍ يتسامى فوق ظلال الكراهية، ويرتفع بنور المحبة. وهو لا ينتظر أن يؤذى ليغفر، بل يغفر قبل أن يؤذى. لا ينتظر أن يُعادى ليحبّ، بل يحبّ قبل أن يُعادى. لأنّ المحبة عنده حالةٌ وجوديةٌ دائمة، لا ردّ فعلٍ مؤقّت.

ويقول رومي: «أنت تبحث عن الحبّ في وجهٍ، وأنا أبحث عنه في كلّ الوجوه».

سابعاً: المحبة في مواجهة ظلام الكراهية. ١. المحبة سلاحُ العارف

في عالمٍ يسوده الصراع والكراهية، يكون سلاحُ العارف هو المحبة. فهو لا يحارب الكراهية بكراهيةٍ، بل يذيبها بنور المحبة، كما يذيب الضوءُ الظلام. يقول رومي: «المحبة سيفٌ لا يصدأ، ونورٌ لا يخبو». والعارفُ يحمل هذا السيفَ لا ليقطع، بل ليضيء.

٢. قصة الحلاج والمعذّبون

عندما أُخذ الحلاجُ إلى المحشر، وسُئل عن أولئك الذين عذّبوه، قال: «هم أولياءُ الله، لأنّهم نفّذوا أمرَه». هذه هي درجةُ المحبة التي لا تعرف الكراهية. فالحلاجُ لم يرَ في معذّبيه أعداءً، بل رأى فيهم أدواتِ الحقّ. ومن رأى ذلك، سلم قلبه من كلّ كراهية.

٣. المحبة كقوةٍ تحويلية

المحبة قوةٌ تحويليةٌ عظيمة. فهي لا تغيّر فقط قلبَ المحبّ، بل تغيّر قلبَ المحبوب أيضاً. فكم من عدوٍّ صار وليّاً بفضل محبةِ عارف! وكم من كارهٍ صار محبّاً بفضل صفحِ صدّيق! والعارفُ يعلم أنّ المحبةَ أقوى من كلّ سيف، وأعمق من كلّ حكمة.

٤. الظلام لا وجود له

الكراهية، كالظلام، ليس لها وجودٌ حقيقيّ. فهي مجرّد غيابٍ للنور. والعارفُ، وقد امتلأ قلبه بالنور، لا يرى الظلام إلا وهماً. فهو لا يخاف من الكارهين، لأنه يعلم أنّ كراهيتهما زائلةٌ كزوال الظلام عند طلوع الشمس.

٥. المحبة في العصر الحديث

في عصرنا هذا، حيث تنتشر الكراهية عبر الشاشات، ويُذكى الحقد عبر الكلمات، تكون حاجةُ الناس إلى المحبة أشدّ. والعارفُ الصوفيّ، في هذا العصر، ليس شخصاً من الماضي، بل هو الحلّ للمستقبل. لأنه يعلّمنا أنّ الخروج من دائرة الكراهية ممكنٌ، إذا عدنا إلى فطرتنا التي فطرنا الله عليها.

٦. دعوةٌ إلى المحبة

فليكن كلّ منّا عارفاً في دربه، صوفياً في قلبه. فلنطهّر قلوبنا من الحقد، ولنملاها بالمحبة. فإنّ في ذلك خلاصَنا من أنفسنا، وخلاصَ العالم من ظلامه. لأنّ المحبةَ هي النور الذي به نهتدي، وهي الحياة التي بها نحيا.

ثامناً: فناء العارف في بحر المحبة ١. الفناء كغياب للذات

الفناء عند العارفين ليس انعداماً، بل غياباً للذات في ذات المحبوب. يقول ابن عربي: «الفناء فناءُ الرؤية لا فناءُ الوجود». فالعارفُ لا يفنى عن الوجود، بل يفنى عن رؤية نفسه، فيرى كلّ شيءٍ من خلال عين الله. ومن هذه العين، لا يمكن أن توجد كراهية، لأنّ الكراهية تتطلّب ذاتاً مستقلّةً تحكم على الآخر.

٢. درجات الفناء

للفناء درجاتٌ عند العارفين:

– فناءُ الأفعال: حيث لا يرى لنفسه فعلاً مستقلاً.

– فناءُ الصفات: حيث لا يرى لنفسه صفةً مستقلّة.

– فناءُ الذات: حيث لا يرى لنفسه ذاتاً مستقلّة.

وفي كلّ درجةٍ، تزداد المحبة وتقلّ الكراهية، حتى تصل إلى درجةٍ لا تبقى فيها كراهيةٌ أبداً.

٣. قصة ذو النون والسمكة

يروى أن ذو النون المصري كان في البحر، فاختطفته سمكةٌ عظيمة. فلمّا كان في جوفها، نظر حوله، فرأى النورَ يشعّ من كلّ جانب. فقال: “لو كنتُ في البرّ، ما رأيتُ هذا النور!”. فخرج من جوف السمكة وقد فنى عن نفسه، وبقي بالله. هذه هي درجةُ الفناء: حيث يرى الجمال حتى في البلوى، والمحبة حتى في العداوة.

٤. الفناء والبقاء

بعد الفناء يأتي البقاء، ولكن بقاءٌ بالله لا بنفسه. يقول الشيخ الأكبر: «من فنى بصفات الله، بقى بصفات الله». فالعارفُ بعد الفناء، يتصف بصفات الله: يرحم كما يرحم الله، ويحبّ كما يحبّ الله، ويعفو كما يعفو الله. ومن اتصف بهذه الصفات، كيف يكره؟!

٥. الفناء كتحرّر من الكراهية

الكراهية سجنٌ للذات. والفناء تحرّرٌ من هذا السجن. فالعارفُ، وقد فنى عن نفسه، لم يعد له سجنٌ يُحبس فيه. فهو حرٌّ كالريح، منيرٌ كالشمس، واسعٌ كالبحر. والحرية الحقيقية هي التحرّر من الكراهية، لأنّ الكراهية هي أوثق قيدٍ يقيّد القلب.

٦. الفناء في العصر الحديث

في عصرنا هذا، حيث تضخّمت الأنا حتى صارت سجناً للإنسان، يكون الفناءُ هو الحلّ. لأنّ الفناء يكسّر قيود الأنا، ويفتح نوافذ القلب على رحابة الوجود. والعارفُ الصوفيّ، في هذا العصر، ليس شخصاً من الماضي، بل هو دليلُ المستقبل، لأنه يعلّمنا كيف نتحرّر من سجن أنفسنا.

تاسعاً: المحبة كطريقٍ إلى الحقيقة ١. المحبة طريقُ العارفين

الطرق إلى الله كثيرة، ولكنّ طريق المحبة أسرعها. يقول الجنيد: «سلك الناس طرقاً شتّى، فما وصلوا إلا من طريق المحبة». فالعقلُ يوصلك إلى باب الحقيقة، والعبادةُ تقرّبك من الباب، ولكنّ المحبةَ تدخلك البابَ بلا استئذان.

٢. المحبة كشفٌ لا استدلال

المعرفة العقلية تأتي بالاستدلال، ولكنّ معرفة العارفين تأتي بالكشف. والكشفُ لا يأتي إلا بالمحبة. يقول أبو يزيد: «لو عقلتَ الحقّ، لعرفته. ولو أحببته، لكشف لك». فالمحبةُ عينٌ أخرى ترى بها ما لا تراه العيون.

٣. قصة رابعة العدوية والكلب

كانت رابعة العدوية تمشي في السوق، فمرّت بكلبٍ عطشان. فوضعت قدحَ مائها أمامه. فقال الناس: “أتُحسنين إلى كلبٍ نجس؟” فقالت: “رأيتُ عطشاً، ولم أرَ نجساً”. هذه هي المحبة التي تكشف الحقيقة: لا ترى النجاسة، بل ترى الحاجة. ومن رأى الحاجة، أحبّ.

٤. المحبة تذويب الحجب

الحجب بين العبد وربّه كثيرة، ولكنّ المحبةَ تذيبها كلّها. فالحقد حجاب، والكراهية حجاب، والأنانية حجاب. والمحبةُ نارٌ مقدّسةٌ تحرق هذه الحجب، حتى يبقى العبدُ وجهًا لوجهٍ مع محبوبه.

٥. المحبة كحوارٍ دائم

العارفُ الصوفيّ في حوارٍ دائمٍ مع محبوبه. فلا يمرّ عليه وقتٌ إلا وهو يحدّث محبوبه أو يسمع منه. وهذا الحوار لا يحتاج كلمات، بل يحتاج قلباً خالياً من الكراهية. لأنّ الكراهية تشوش على هذا الحوار، كما يشوش الدخانُ على الرؤية.

٦. المحبة في الحياة اليومية

المحبة ليست فقط في العبادة، بل في الحياة اليومية كلّها. في المعاملة، في الكلام، في النظر، في السكوت. فالعارفُ يحبّ حتى في صمته، ويعفو حتى في نظره. لأنه جعل المحبةَ ديدنه، لا موقفاً مؤقّتاً.

عاشراً: الكراهية كحجابٍ عن الحقيقة ١. الحجاب الأول

الكراهية أولُ الحجب التي تحجب العبدَ عن رؤية الحقيقة. فمن كره، لم يعد يرى الحكمة في الأقدار، ولا الجمال في الموجودات. يقول ابن عطاء الله: «الحجابُ أن ترى الفعلَ من غير الله». والكارهُ يرى الفعلَ من غير الله، فيكره الفاعل.

٢. أنواع حجب الكراهية

للكراهية أنواعٌ من الحجب:

– حجابُ الجهل: حيث يجهل الكارهُ حكمةَ الفعل.

– حجابُ الهوى: حيث يجعل هواه مقياساً للخير والشرّ.

– حجابُ الأنا: حيث يرى نفسه مركزَ الكون، فيكره كلّ من يخرج عن هذا المركز.

والعارفُ يرفع هذه الحجبَ كلّها بنور المعرفة والمحبة.

٣. قصة الشبلي والمعادي

يروى أن رجلاً كان يؤذي الشبلي كلّ يوم. فلمّا مرض الرجل، ذهب الشبلي لخدمته. فلمّا شُفي، قال الرجل: “يا سيدي، كنتُ آذيك، فلماذا تصنع بي هذا؟” فقال الشبلي: “ما رأيتُ فيك مؤذياً، بل رأيتُ فيك عبداً من عباد الله”. هذه هي رفع الحجاب: حيث لا يرى العارفُ إلا العبودية المشتركة.

٤. الكراهية تشويش الرؤية

الكراهية تشوش رؤية القلب، كما يشوش الدخانُ رؤية العين. فمن كره، لم يعد يميّز بين الصديق والعدوّ، بين الناصح والغاشّ. أما العارف، فإنه يرى بعين البصيرة، فلا يخدعه الظاهر.

٥. رفع الحجاب بالمحبة

المحبةُ ترفع حجابَ الكراهية، لأنّها تفتح عينَ البصيرة. يقول رومي: «المحبة عينٌ ترى بها ما لا تراه العيون». فمن أحبّ، رأى الحقيقة. ومن رأى الحقيقة، أحبّ أكثر.

٦. الحجاب في العصر الحديث

في عصرنا هذا، حيث تكثر المعلومات ولكن تقلّ البصيرة، تكون الكراهيةُ أخطر الحجب. لأنّ الإنسان يظنّ أنّه يرى الحقيقة، وهو في الواقع يرى انعكاسَ كراهيته. والحلّ هو العودة إلى المحبة، لأنّها وحدها ترفع الحجاب.

حادي عشر: المحبة في مرآة السلوك الصوفي ١. السلوك كتطهير للقلب

السلوك الصوفي ليس مجرد طقوس، بل هو تطهيرٌ مستمرٌّ للقلب من أدران الكراهية والحقد. فالعارفُ يبدأ سلوكَه بالمجاهدة ضدّ نفسه الأمّارة، وينتهي بالمحبة التي لا تعرف حدوداً. يقول الجنيد: «المجاهدةُ تكسّر الأنا، والمحبةُ تبني القلب الجديد».

٢. مجالس الذكر كمذيب للكراهية

مجالس الذكر عند الصوفية ليست مجرد ترديدٍ لأسماء الله، بل هي اغتسالٌ بالنور الإلهيّ الذي يذيب الكراهية كما يذيب الشمسُ الجليد. ففي مجلس الذكر، يذوب الحاضرون في نور الاسم، فلا يبقى بينهم عداوةٌ ولا بغضاء. يقول الشيخ أبو الحسن الشاذلي: «من جلس في مجلس ذكرٍ خالص، خرج منه كالنحلة تحمل العسل، لا كالزنبور يحمل السمّ».

٣. الصحبة كمرآة للمحبة

الصحبة عند الصوفية مرآةٌ يرى فيها المرءُ حالَ قلبه. فإذا رأى في أخيه كراهيةً، عرف أنّ الكراهية في قلبه. وإذا رأى فيه محبةً، عرف أنّ المحبة في قلبه. يقول ذو النون: «الأخُ مرآةُ أخيه». والعارفُ يختار صحبتَه بعناية، لأنّ القلوب تتصل كالأنهار، فما ينزل في نهرٍ يسري في غيره.

٤. الخلوة كتعمّق في المحبة

الخلوة ليست هروباً من الناس، بل غوصاً في أعماق القلب ليخرج منه أنقى وأصفى. فالعارفُ يخلو مع ربّه ليتعلّم كيف يحبّ خلقَه. لأنه لا يمكن أن يحبّ الخلقَ من لم يحبّ الخالق. والخلوةُ تعلّمه أنّ المحبةَ حقيقةٌ وجوديةٌ، لا مجرّد شعورٍ عابر.

٥. السير والسلوك كتطوّر في المحبة

السير والسلوك عند الصوفية تطوّرٌ مستمرٌّ في درجات المحبة:

– من محبةِ النفس إلى محبةِ الخلق

– من محبةِ الخلق إلى محبةِ الحقّ

– من محبةِ الحقّ إلى الفناء في المحبوب

وفي كلّ درجة، تزداد المحبة وتقلّ الكراهية، حتى تصل إلى درجةٍ لا تبقى فيها كراهيةٌ أبداً.

٦. السلوك في العصر الحديثفي عصرنا هذا، حيث تفتتتت العلاقات وانتشرت الكراهية، يكون السلوكُ الصوفيّ أكثرَ حاجةً من أيّ وقتٍ مضى. لأنه يعلّمنا كيف نطهّر قلوبنا، ونصلح علاقاتنا، ونعود إلى فطرتنا التي فطرنا الله عليها. والعارفُ الصوفيّ، في هذا العصر، ليس شخصاً من الماضي، بل هو دليلُ المستقبل.

ثاني عشر: نور المحبة في مواجهة ظلام العصر ١. ظلام العصر الحديث

عصرنا هذا عصرُ الظلام الروحيّ، رغم كلّ الأنوار المادية. فالشاشاتُ تنير البيوت، ولكنّ القلوبَ في ظلام. والمعلوماتُ تتدفّق كالأنهار، ولكنّ البصيرةَ عمياء. والسببُ هو انتشار الكراهية التي تطفئ نورَ القلب.

٢. المحبة كحلٍّ للأزمات

كلّ أزمةٍ في عالمنا اليوم-سياسيةً كانت أو اجتماعيةً أو نفسية-جذرُها الكراهية. والحلّ الوحيد هو العودة إلى المحبة. فالمحبةُ تبني ما تهدمه الكراهية، وتشفّي ما يؤذيه الحقد، وتصلح ما يفسده البغض.

٣. دور العارف في العصر الحديث

العارفُ الصوفيّ في عصرنا ليس شخصاً منعزلاً في زاويته، بل هو طبيبُ القلوب، ومصلحُ العلاقات، ومرشدُ الضالّين. لأنه يملك الدواءَ الذي يحتاجه العصر: دواءَ المحبة الذي يشفي من كلّ داء.

٤. التربية على المحبة

التربيةُ على المحبة أولى من التربية على المعلومات. لأنّ الإنسانَ الذي يملك معلوماتٍ بلا محبة، خطيرٌ على نفسه وعلى غيره. أما الإنسانُ الذي يملك محبةً، فهو نافعٌ حتى لو قلّ علمُه. ويقول رومي: «علّموا أولادكم المحبة، فإنّها تفتح لهم أبوابَ الحكمة».

٥. المحبة في العلاقات الإنسانية

في العلاقات الإنسانية-الأسرية، الاجتماعية، المهنية-تكون المحبةُ أساسَ النجاح. فالزوجُ الذي يحبّ زوجتَه، يتحمّل منها ما لا يتحمّله غيره. والصديقُ الذي يحبّ صديقَه، يعفو عنه ما لا يعفو عنه غيره. والرئيسُ الذي يحبّ مرؤوسيه، يخدمهم ما لا يخدمهم غيره.

٦. نداءٌ إلى العارفين

يا عارفي العصر! عليكم أن ترفعوا رايةَ المحبة في وجه ظلام الكراهية. فأنتم حملةُ النور في زمن الظلام، وحراسُ الفطرة في زمن الانحراف. فانشروا المحبةَ حيثما حللتم، وعلّموها حيثما وقفتم، وكونوا أنتم الحلّ في زمن الأزمة.

خاتمة نور المحبة لا يُطفأ

في النهاية، يبقى العارف الصوفي شاهداً على أن المحبة أقوى من كلّ قوة، وأعمق من كلّ حكمة، وأصدق من كلّ قول. وهي التي تربط العبد بربّه، والإنسان بإنسانه، والكون بخالقه. والكراهية، بكلّ أشكالها، ليست سوى ظلٍّ عابرٍ لا وجود له الحقيقيّ، بينما المحبة هي النور الذي لا يفنى.

وإذا سألتَ العارفَ: كيف تصل إلى هذه الدرجة؟ قال لك: “ابدأ بأن تطفئ نار الحقد في قلبك، ولو كانت شرارةً صغيرة. ثم اغرس مكانها بذرةَ محبةٍ، ولو كانت صغيرة. ثم اسقها بماءِ الصفح، ونمّها بضوءِ اليقين. ثم اتركها لله، ينمّها حتى تصير شجرةً عظيمةً تظلّل بها نفسك والناس”.

إن العارفُ الصوفيّ، في نهاية المطاف، ليس معجزةً مستحيلة، بل هو إنسانٌ عاد إلى فطرته. فكلّ إنسانٍ قادرٌ على أن يكون عارفاً، إذا أراد أن يطهّر قلبه من الكراهية، ويعمره بالمحبة. فابدأ اليوم، ولا تؤجّل. لأنّ نور المحبة لا يُطفأ، إذا أوقَدتَه في قلبك.

فليُطفئ كلّ منّا نار الحقد في قلبه، وليُضئها بنور المحبة، فإن في ذلك رجوعاً إلى الأصل، ووصولاً إلى الكمال. ولنتذكّر قولَ الحلاج حين قال: «أنا من أهوى، ومن أهوى أناط،فليس هناك فصلٌ بين المحبّ والمحبوب في عين العارف، لأن المحبة قد ذابت في ذاتها، وبقي الحقّ وحده. والحقّ هو المحبّ، والمحبوب، والمحبة نفسها.

وغير خاف أنّ هذا النور- نور المحبة-لا يُطفأ، لأنه نورٌ إلهيّ. ومن اتّصل به، لم يعد يخشى ظلاماً، لأنّه صار من أهله. فكنْ من أهل النور، ولا تكن من أهل الظلال. وكنْ من أهل المحبة، ولا تكن من أهل الكراهية. فإنّك بذلك تعود إلى نفسك الحقيقية، التي خُلقت على فطرةِ المحبة، فتتمّ لك الإنسانية، وتُشرَقُ روحك بنورِ العرفان.

إقرأ الخبر من مصدره