هسبريس – أحمد الساسي
أثار “فيديو” لوزير الشؤون الخارجية الإسباني موجة غضب عارمة في صفوف جبهة “البوليساريو” الانفصالية وداعميها، بعدما تجاهل بشكل كامل ذكرها أو استقبال أي وفد يمثلها، في وقت خصص فيه لقاءات رسمية لأطراف نزاع الصحراء المغربية، بالتزامن مع انعقاد مشاورات مغلقة حول الملف تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية.
وأعلن الوزير الإسباني، في تصريحه من داخل مقر وزارة الخارجية بمدريد، أنه عقد، نهاية الأسبوع الماضي، لقاءات متتالية شملت، بالترتيب، ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية المغربي، ثم نظيريه الجزائري أحمد عطاف والموريتاني محمد سالم ولد مرزوق، قبل اجتماعه بستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، مؤكدا دعم بلاده الكامل للمسار الأممي، دون أن يورد أية إشارة إلى الكيان الانفصالي.
وفي هذا الصدد قال سعيد بوفريوى، أستاذ باحث في القانون العام، إن اللقاءات التي عقدها وزير الشؤون الخارجية الإسباني مع وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا، على هامش المشاورات المغلقة المتعلقة بقضية الصحراء المغربية، لا يمكن فصلها عن التحولات العميقة التي يعرفها تدبير هذا الملف على المستويين الإقليمي والدولي.
ولفت بوفريوى الانتباه، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن استثناء وفد جبهة “البوليساريو” من هذه اللقاءات يحمل دلالة سياسية واضحة، مفادها إقرار إسبانيا، بشكل غير مباشر، بأن الطرف الحقيقي والرئيسي في النزاع هو الجزائر، رغم استمرارها في إنكار هذه الصفة، مؤكدا أن أي حل واقعي وجدي للنزاع لا يمكن أن يتم دون إدماج الجزائر كطرف مباشر؛ فيما تبقى “البوليساريو” مجرد واجهة.
وفي السياق ذاته، يرى رئيس شعبة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة أن هذا التطور يرتبط أيضا بالحضور الأمريكي المتزايد في المنطقة، والذي يهدف إلى الدفع في اتجاه تطبيع العلاقات المغربية- الجزائرية، بما يخدم المصالح الأمريكية والدولية، خاصة في منطقتي الساحل والصحراء.
وأكد المتحدث أن هذا المسار لن يتحقق إلا من خلال الشروع الفعلي في حلحلة نزاع الصحراء، باعتباره المدخل الأساسي لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، مشيرا إلى أن الموقف الإسباني الجديد يأتي منسجما مع هذا التوجه، وبدعم أمريكي واضح، وضمن غطاء أممي يراعي مقتضيات الشرعية الدولية ذات الصلة بالملف.
واستدرك المحلل أن تضافر مجموعة من المؤشرات الوطنية والإقليمية والدولية يسمح بالقول إن طي ملف النزاع حول الصحراء المغربية بات مسألة وقت، مشددا على أن المفاوضات المباشرة المرتقبة خلال الأشهر القليلة المقبلة بين الأطراف الحقيقية للنزاع قد تشكل فرصة حاسمة للدخول في جوهر الحل، رغم ما يكتنفها من تعقيدات وحساسيات بالغة.
من جهته، اعتبر رمضان مسعود، رئيس الجمعية الصحراوية للدفاع عن حقوق الإنسان بمدريد، أن استثناء جبهة “البوليساريو” من اللقاءات التي عقدها وزير الشؤون الخارجية الإسباني مع أطراف نزاع الصحراء المغربية يعكس تحولا عمليا في التعاطي الإسباني مع هذا الملف، قائما على منطق الواقعية السياسية واحترام الأطر الرسمية المعتمدة دوليا.
وأضاف مسعود، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا التجاهل العلني للـ”بوليساريو” يؤكد تراجع موقعها داخل مسار التسوية، في ظل إدراك متزايد لدى العواصم المؤثرة بأن النزاع لا يمكن معالجته خارج إشراك الدول المعنية مباشرة، وعلى رأسها الجزائر، باعتبارها الطرف المحوري في هذا الملف.
وتابع المتحدث ذاته بأن المقاربة الإسبانية الجديدة تأتي منسجمة مع الدينامية الدولية الراهنة، خاصة في ظل الحضور الأمريكي المتصاعد الداعم لحلول واقعية وقابلة للتنفيذ، بما يخدم الاستقرار الإقليمي في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، ويحد من التوترات التي طال أمدها بسبب استمرار النزاع المفتعل.
وخلص عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية إلى أن تضافر هذه المعطيات السياسية والدبلوماسية يشير إلى أن مسار تسوية نزاع الصحراء المغربية بات يدخل مرحلة أكثر جدية، تقصي الأطراف غير ذات الصفة وتفتح المجال أمام مفاوضات مباشرة بين الفاعلين الحقيقيين، في أفق التوصل إلى حل نهائي يضمن السيادة المغربية والاستقرار الإقليمي بالمنطقة.