وادي المخازن

Écrit par

dans


رمضان مصباح

هما مدينتان..

الأولى

لم تختر أن تركب الهلع، وإنما وجدت نفسها محمولةً فوق أكتافه، في استعادة ملحمية لفيلم “كينغ كونغ”، المداهم للمدينة كبرج يسير، يطأ العمران والإنسان.

هذا الفيض الذي سيجرف كل شيء قَصْريٍّ في طريقه، هو بالضبط المغذي الساقي. فماذا حدث، حتى ينقلب خرابًا طوفانيًا، لن يَذَر بشرًا ولا حجرًا ولا شجرًا؟

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

اليومَ هلَعٌ وغدًا وَلَعٌ؛ ليس الوقتُ للسؤال، انفِروا خِفافًا. وفي الأفق أرتالٌ من الجيش، قادمةٌ صوب المدينة. الأمر جِدٌّ؛ تمامًا كما حصل ذات زمان، إذ داهم النصارى الشمال، فتحركت العساكر والقبائل، على قلب سيفٍ واحد.

وكان الاستدراج إلى وادي المخازن بالضبط؛ حيث كُتبت الملاحم ورُسِّمت البطولات لوحاتِ هيبةٍ، في شواهق الجبال، وعلى صدور الأبطال قرونًا:

هذا ترابٌ مُحرَّم على الأعداء، ومن دنا قُبِرَ فيه.

ألا يكون هذا هو الجوابُ، لو سألنا الفيضَ لِمَ فاض، والسَّدَّ لِمَ تهدد ألا يَسُدَّ؟:

يقول: لأعْرِكَ مِراسَكم من جديد، حتى لا تُنسى الأمجاد، وتَلِينَ الإراداتُ، وتَضْمُرَ العضلاتُ، وتصبح الوطنية طَلَلاً يرتاده الشعراءُ فقط.

يا رجلَ الأرْجلِ في الماء، وأرجُلِك في التاريخ؛ انْفِرْ مع النافرين.

لا والله، لن أهربَ من العِزِّ والصَّولَة؛ والجيشُ العَرْمَرِمُ قادمٌ لمعركة وادي المخازن الأخرى.

لَأَنْ أموتَ فيها خيرٌ من العيشِ هاربًا، غافِلاً عن تاريخه.

ما بالطعام وحده يعيشُ الإنسان.

ورغم عِناد التاريخ، وإصراره على البقاء، غَلَبَتِ الجغرافيا، فأفرغت المدينة كلَّها؛ في حدث لم تَعْهَدْه المملكة من قبل، وربَّما حتى العالم.

رحل التاريخُ، لكنه أَقْسَمَ أن يظل قريبًا في الأحواز للنُّصرة. رحل امتثالًا لجنرالات في كامل عتادهم الحربي؛ ولقوات مسلحة ودرك وأمن..

دعونا نخُضْ حربنا المائية، وثِقوا أن النتائج لن تَقِلَّ عن تلكم المعركة؛ حيث لم تغرقْ إلا فُلولُ المُغيرين الهاربين.

الثانية

حين استوت خارج خرائط الخطر المُحِدِق؛ والأفضل داخل مناوراتِ وادي المخازن، التي حُدِّدَ لها هدفُ قَصْفِ النسيان، والهَوَن، والتلاشي؛ تنادَتِ للبهجة المغربية، العابرة للتاريخ؛ تلكم التي وإن تحققت قَبَليًّا؛ لم تكن تكتمل إلا حينما ينادي منادي السلطان:

البَدارَ البَدار، العدو قادمٌ إلى الدار.

وقتَها ترتسم الخارطة مُتراصَّةَ الجِبال، ويرى الناسُ أشجارًا تسير، كما عبَّرت زرقاء اليمامة مُحذِّرةً قبيلها.

بهجةُ اليوم بقوات مسلحة ملكية تُعفي القبائل من النفير؛ لكنها لا تُعفي المواطنين من شحْذِ كلِّ نِصال الوطنية، استعدادًا لكل المَكاره.

وزرعِ كلِّ بذور الطبيعة استعدادًا للمناشِط.

انتظمت المُهَجُ مهرجاناتٍ وجدانية، تراقب هذا الوادي التاريخي المنبَع؛ وهذا السد الذي كان دائما هنا، حتى قبل استوائه مِعمارًا.

سَدُّ الوطن في وجه أعدائه؛ أما باقي السدودُ فتفاصيل غذائية خُطِّطَ لها من ملك حكيم.

وما أروع أن تشتغلَ بتاريخ بطولي، وجيشُك يُدبِّرُ الواقع المائي والجُغرافي؛ وهناك في الجنوب، القتالي.

العودُ أحْمدُ:

ثم نودي أنْ قد انجلى الماء، كما الغبار قديما؛ عن الانتصار الثاني في معركة وادي المخازن.

وُفِّقَتِ القوات المسلحة الملكية، وكل قوى الدولة –المدنية والعسكرية– في إقناع السدِّ بأن يظل يَسُدُّ.

لم يقتنع إلا بعد أن تأكد أن المغاربة جميعًا، شعبًا وملكًا– كما الماضي– على قلب سيفٍ واحد؛ من رامَهم رامَ دمارَه؛ شرقًا وغربًا، شمالاً وجنوبًا.

وهم على آخرِهم، لمن توسل خيرَهم.

وتعود مدينة القصر الكبير، ليس إلى سالف عهدها؛ بل إلى حاضر جديد بعُنفوان متجدد، قادر على الصمود والتضحية والصبر.

وعلى الوطنية كما يحرسها، ويُشدِّد عليها وادي المخازن.

وهل سُمِّيَ اعتباطًا بوادي المخازن؟

أما سائر المواطنين في المملكة، فقد جددوا، من خلال معركة وادي المخازن الثانية، عهدهم بالملكية التاريخية؛ وقد اكتشفوا مدى حُنوِّها وحِرصها على أرواحهم.

كما جددوا عهدهم مع قوات مسلحة ودرك وأمن ووقاية مدنية وصحة.. مكتشفين فيها أفرادًا من عائلاتهم؛ يحزنون لحزنهم ويفرحون لفرحهم.

وكأن الله أهدى لهذا الشعب، كل هذا الفيض الوجداني، ليُطهره من شوائب عَلِقَت به؛ من نواحٍ شتَّى؛ حتى الكروية.

وأُقسِمُ لكم أن دموعي سالت، وأنا أرى أول قطار عودة يتوقف بمحطة المدينة.

وما أبكاني فولاذ القطار، وإنما كل شحناته الوجدانية.

ولكل مغربية ومغربي أن يفخر بمغربيته؛ ولله الحمد.

إقرأ الخبر من مصدره