حين اجتمع القرار في يد واحدة… وغاب الإنجاز عن مراكش (صور)

Écrit par

dans

الخط : A- A+

مراكش… حين تجتمع السلطة كلها ولا يحضر الإنجاز

في السياسة، قد يُقبل عذر قلة الإمكانيات، قد يُفهم عذر تشتّت القرار، قد يُناقَش أثر المعارضة أو تعقيدات المساطر، لكن في حالة مراكش اليوم، لا عذر قائماً، لأن كل مفاتيح السلطة، محلياً وجهوياً ومركزياً، تكاد تكون في يد جهة واحدة: حزب الأصالة والمعاصرة.

العمدة تنتمي إلى الحزب نفسه، رئيس الجهة من الحزب نفسه، رئيس مجلس العمالة من الحزب نفسه، رؤساء أغلب الجماعات المحيطة من الحزب نفسه، ثلاث مقاطعات داخل الجماعة من الحزب نفسه، نواب رئيسة المجلس يتولون القطاعات الحساسة: الأشغال، النقل، الموظفون، التعمير، المداخيل… كلها داخل الدائرة الحزبية ذاتها.

بل أكثر من ذلك: العمدة نفسها وزيرة للتعمير وإعداد التراب الوطني، أي أن القطاع الذي يشكّل جوهر الاختلالات المطروحة في المدينة يوجد نظرياً تحت إشرافها السياسي المباشر وطنياً ومحلياً، وإن كانت التصريحات تتحدث عن قرب من دوائر القرار، وعن انسجام مع السلطة المركزية، وعن مرحلة “لا يُرفض فيها شيء”، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحاً: إذا لم يتحقق النجاح الآن، فمتى؟

سلطة كاملة… مسؤولية كاملة

حين تتوحد السلطة، تنتفي الأعذار، لا يمكن الحديث عن “بلوكاج”، لا يمكن التذرع بوزارة ترفض أو إدارة تعرقل، لا يمكن إلقاء اللوم على أغلبية مفككة أو تحالف هش. المشهد الحزبي في مراكش يكاد يكون منسجماً بالكامل لصالح طرف واحد.

هذا الوضع كان يفترض أن يصنع نموذجاً في النجاعة، أن تصبح مراكش ورشاً منسقاً، سريع الإيقاع، واضح الرؤية. لكن ما يراه المواطن هو العكس:

أوراش مفتوحة بلا تنسيق زمني واضح.

حفر وتشققات في الشوارع الرئيسية والفرعية.

غبار وأتربة تملأ الأحياء.

اختناق مروري دائم.

ضعف في الإنارة ليلاً في مناطق متعددة.

تراجع في جمالية الفضاء العام.

مدينة تُسوَّق عالمياً، لكنها في تفاصيلها اليومية تُرهق ساكنتها.

من يدبر فعلياً؟

النقطة التي يتداولها كثيرون في الشارع السياسي لا تقل خطورة: الحديث عن تركّز القرار داخل الديوان، وعن دور محوري لمديرة الديوان ومستشارين نافذين في تحريك الإدارة والموظفين، مقابل نواب يحمل بعضهم تفويضات شكلية للتوقيع أكثر مما هي صلاحيات فعلية للتقرير.

إذا صحّ هذا الانطباع، فنحن أمام إشكال حكامة حقيقي، لأن المجلس الجماعي مؤسسة منتخبة، قائمة على توزيع المسؤوليات والرقابة المتبادلة، لا على مركزية غير معلنة للقرار. حين يشعر المنتخبون أنفسهم أنهم خارج دائرة الفعل الحقيقي، تتعطل آليات الديمقراطية المحلية من الداخل.

الإعلام… من سلطة رقابة إلى أداة تلميع؟

في السياق ذاته، يطرح سؤال العلاقة مع الإعلام، حين يكون الحزب نفسه ممثَّلاً في مواقع حكومية متعددة، وحين تتكاثر الصور والخرجات الاحتفالية والتغطيات الإيجابية، مقابل غياب نقد عميق ومستمر، يصبح الانطباع السائد أن الصورة تتقدم على الواقع.

التصفيق داخل القاعات، الزغاريد عند الزيارات، الهتافات في المناسبات… كلها مظاهر قد تصنع وهماً بالإنجاز، لكن الشارع لا يُقاس بالصورة، بل بما يعيشه الناس يومياً وهم يتنقلون بين الأتربة والحفر.

ساحة جامع الفنا… الرمز الذي يتألم

إذا كانت المدن تُختزل في رموزها، فإن ساحة جامع الفنا هي قلب مراكش النابض،الساحة التي كانت عنوان الفرجة والفنون الشعبية والحياة، أصبحت في نظر كثيرين فضاءً مضطرباً، تتغير معالمه بالتجربة تلو الأخرى، وتخيم عليه حالة من الارتباك في التدبير.

الرمز حين يفقد بريقه، تفقد المدينة جزءاً من روحها.

المال موجود… فأين الأثر؟

الميزانيات مرصودة، الأرقام مُعلنة، البرامج مسطرة، العمدة نفسها في موقع يسمح لها بربط المحلي بالوطني، فحين تتوفر الإمكانيات والانسجام السياسي والغطاء المركزي، ولا يظهر التحسن الملموس، فإن السؤال لا يعود تقنياً بل سياسياً بامتياز.

الفشل حين يكون في سياق صعب قد يُفهم، أما حين يكون في سياق “مثالي” من حيث تجميع السلطة، فإنه يتحول إلى مسؤولية مضاعفة.

من المدينة إلى الطموح الوطني

الطموح لقيادة مرحلة وطنية كبرى يمرّ حتماً عبر امتحان التجربة المحلية، المدينة هي المختبر الحقيقي للخطاب السياسي، من لا ينجح في إدارة تفاصيل شارع، سيجد صعوبة في إدارة رهانات وطن بأكمله.

المغاربة لا يحاكمون النوايا، بل النتائج، ولا يقيسون الخطاب ببلاغته، بل بآثاره في حياتهم اليومية.

الخلاصة: لا شماعة بعد اليوم
في مراكش اليوم، لا ينقص الحزب الحاكم محلياً شيء:
الأغلبية العددية.
القطاعات الحساسة.
رئاسة الجهة والعمالة.
حضور حكومي وازن.
انسجام سياسي معلن.
إذاً، المسؤولية كاملة.

المدينة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى صناعة صورة سياسية أكبر من الواقع، تحتاج إلى تدبير ينعكس على الإسفلت قبل المنصة، وعلى الحي قبل القاعة، وعلى الإنارة قبل الإنشاد.

حين تجتمع كل السلطات في يد واحدة، يصبح النجاح واجباً لا خياراً.
وحين يغيب النجاح، لا يبقى سوى سؤال واحد يفرض نفسه على الرأي العام:

إذا لم تتحقق النتائج الآن… فمتى؟



إقرأ الخبر من مصدره