« رُوتِينِي » التَّربوي

Écrit par

dans


عزيز بويغف

لعل أَهَمَّ ما ميَّز العِقد الأخيرَ حُضور منصات التواصل الاجتماعي بشكل لافت، وقد عرفت هذه الأخيرة تحوُّلات عميقة، جعلت منها فضاء رحبا للتأثير، وتشكيل الوعي الجمعي، وصناعة الرأي العام، وخلق عالم حي دينامي تتفاعل فيه الأفكار والتصورات على اختلاف أشكالها ومرجعياتها.

بذلك، نكتشف أن حضور الأفراد ضمن هذا العالم، لم يعد تَرَفًا أو تسلية أو بحثا عن تواصل بريء، بل أضحى مرآة للهوية الاجتماعية والثقافية والفكرية والمِهْنِيَّةِ. ورجال ونساء التربية والتعليم، في هذا الإطار، باعتبارهم صفوة المجتمع، الحاملين لرسالة المعرفة والتنوير، لا يمكن أن يكون حضورهم بمعزل عن هذا العالم الجديد، لكننا نلاحظ، أن هذا الحضور للأسف، انحرف عن مراميه النبيلة، ورسالته التربوية الهادفة، ليستحيل عند البعض واجهة سلبية، يتم عبرها استعراض الجسد، ونشر الأفكار المبتذلة، والبحث عن “البوز” بأي ثمن، حتى ولو كان على حساب قدسية الرسالة التي يحملها الأستاذ، والأثر التربوي الخَلَّاق الذي يجب أن يُرَسِّخَهُ لدى النشء. إننا إذن أمام مأساة بلا ضفاف، أساءت للجسم التربوي، وأفقدت رجال ونساء التعليم هيبتهم وصورتهم السامية التي ناضل من أجلها الرعيل الأول، وقدم تضحيات جسيمة في سبيل تحصينها من كل الشوائب.

لقد كانت مهنة التعليم ومازالت رسالة نبيلة خالدة، تقوم في كُنْهِهَا، على الاحتفاء بالقيم والدفاع عنها والانتصار لها، وإقناع النشء بأن فضيلة الأخلاق وسُمُوَّهَا ركيزة أساسية من ركائز المدرسة، قبل تلقين المعرفة، وتقاسم المعلومة. إن الأستاذ ليس ناقلا صامتا للمعرفة، بل إنه مثل أعلى ونموذج رمزي يعكس حضوره دِلَالَاتٍ تربوية وأخلاقية. إلا أننا نلاحظ أن بعض الممارسات المنافية للأخلاق، وبعض السلوكات المَرَضِيَّة المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي أفرغت رمزية الأستاذ من معانيها ودلالاتها، وجعلت منه صورة مشروخة لإنسان فاقد للبوصلة، مهزوز نفسيا وفكريا، ومعطوب أخلاقيا، فَبَدَلَ أن يستثمر التحول الرقمي الهائل ويجعله بؤرة تنوير وحقلَ أفكار، أضحى هَمُّهُ استعراض الجسد وتَوَسُّلَ “اللَّايكات” والهرولة خلف نِسَبِ المُشاهدة بحثا عن المال والرِّبح السريع، ولو على حساب نُبْلِ المهنة ورسالتها.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

ومن المؤكد أن عالم المنصات الرقمية أفرز ثقافة جديدة تأسست على الصورة والفلسفة البصرية والإدهاش السريع، مما دفع كثيرا من نساء ورجال التعليم إلى اقتحام أغوار هذا العالم الموبوء، والانخراط في جانبه السلبي، حتى وإن كان ذلك على حساب كرامتهم وطبيعة مِهنتهم، وواجب التحفظ الذي يجب أن يتحلوا به. وهنا يستحيل “الجسد”، عند البعض، جسرا “لِصَيْدِ” المشاهدين وإغرائهم وجذبهم إلى تفاصيله التي تحمل في الغالب إيحاءات جنسية، لنصبح أمام نِخاسة رقمية، تغتال القيم وسمو الروح، وتعكس تناقضا عميقا بين رسالة الأستاذ التي قِوامُها الوقار والرَّزانة، ودناءة مَنْ يُصِرُّ على الإساءة لها وإفراغها من مراميها العظيمة.

إن تَمَثُّلَ المجتمع لصورة الأستاذ تَمَثُّلٌ تحكمه عدة اعتبارات بوصفه نموذجا للتربية الحسنة والأخلاق الفاضلة، فهو مربي الأجيال والحامل لمشعل المعرفة والتنوير. إنه ليس فردا معزولا عن المجتمع وهمومه، بل بؤرة تعليم وتلقين وتأمل وشك وتفلسف، وعندما يقدم نفسه في المنصات الرقمية كـ”مؤثر” وصانع محتوى سطحي يتضمن إيحاءات جسدية وخطابات تافهة مبتذلة، فإنه يسيء للجسم التربوي بأكمله، كما يُسهم في هدم القيم الأصيلة وإسقاط القدوة، ونسف ما بناه الرعيل الأول من رجال التعليم، الذين آمنوا بالتنوير وحتمية إنقاذ النشء من براثن الظلام والتقوقع على الذات وأوضار التخلف.

والجدير بالذكر أن السلوك السلبي لبعض نساء ورجال التعليم أربك العلاقات التربوية داخل الفصول، إذ أسقط هيبة الأستاذ، كما أسقط رمزية المربي أمام ميوعة البعض وقلة حيائهم وهرولتهم وراء وَهْمِ “المُوضة” بدعوى مسايرة العصر، ضدا في الرسالة السامية للتربية وَقِيَمِهَا الخالدة. فَأمام السُّلوكات المنحرفة التي أساءت لحرمة الأقسام، ولجوء البعض إلى استعراض الجسد وتوظيفه في الإغراء للرفع من نِسَبِ المشاهدات، وصولا إلى استغلال المتعلمين والمتعلمات في منصات التواصل، وانتهاك خصوصيتهم، وحقهم في تعليم منتج فعال يبني الرأسمال البشري، انهارت كثير من مقومات المدرسة المغربية، وتم التشكيك في أدوارها الطلائعية وقدرتها على بناء الوعي، وخدمة الفكر النقدي، والقدرة على الملاحظة والتفكيك وإعمال العقل.

ومن المؤكد أن البعض قد يعتبر هذه الممارسات حرية شخصية لا يمكن أن تكون مثار نقاش وجدال، لكننا نرى أن الإشكال يكمن في ضرورة ضبط حدود الحرية الشخصية من جهة، والمسؤولية المهنية وطبيعة قطاع التربية والتعليم من جهة أخرى. إن مهنة التربية والتعليم بالنظر إلى جوهرها وخصوصيتها، تفرض على المنتمي إليها التحلي بواجب التحفظ، وضبط سلوكه خارج المؤسسة وداخلها، لأنه، شئنا أم أبينا، نموذج يُقتدى، ومرجع في الاحترام والأخلاق والفعل التربوي الهادف. إن الحرية كقيمة إنسانية سامية، لا تعني الانفلات من عِقال الضوابط الأخلاقية، بل تفرض وعيا رصينا بالدور الاجتماعي الذي يؤديه الأستاذ. والأستاذ نفسه، بما يعنيه حضوره في المجتمع من سلطة معرفية وثقافية وفكرية، مطالب بمراعاة وجوده في الفضاء الرقمي، وما يشكله من تأثير على المتعلمين. إنه مدعو إلى محاولة الملاءمة بين متطلباته الشخصية، وصون كرامة المهنة التي ينتمي إليها، والرسالة التي يحملها.

ونشير إلى أنه بدلا من الاستثمار السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي، يمكن لهذه المنصات أن تتحول إلى فضاء لتقاسم المعرفة التربوية الهادفة، كنشر الدروس، وتقديم مقاطع لدعم المتعلمين، والتعريف بمؤلفات تخدم الفكر وتحث النشء على المطالعة وسبر أغوار المعارف الرصينة، مثل الفلسفة والتاريخ والآداب وغيرها، وأيضا تقاسم تجارب صفية ناجحة، أو فتح كُوًى للنقاش الإيجابي الهادف الذي من شأنه تعزيز الفكر النقدي الواعي، المؤمن بالقيم الأصيلة كالتسامح والتعايش والتفاعل الخلَّاق. فالوسائل الرقمية تتيح إمكانات هائلة للتواصل، لكنها تحتاج إلى حسن استثمار وتوجيه حتى تخدم المعرفة عوض أن تهدمها.

إن وضع ضوابط لاقتحام المجال الرقمي أضحى ضرورة مُلحة. إن المؤسسات التربوية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، باقتراح مواثيق أخلاقية تؤطر حضور الأستاذ في المنصات الرقمية، بل وتقديم تكوينات في التربية الإعلامية والرقمية، حتى لا تعم الفوضى هذا الفضاء، وحتى لا يظن البعض أن الحرية الفردية تعني الانفلات من حدود المنطق والعقل، وجعل منصات التواصل الاجتماعي فضاء لعرض الأجساد، والاحتفاء باللباس الفاضح، والكلام النابي، وقلة الحياء، بشكل يسيء لصورة التعليم ويفقده قداسته وروحه ورسالته.

تأسيسا على ما سبق، نرى أن انزلاق بعض الأساتذة إلى مستوى جعل صورتهم وجسدهم محتوى رقميا بغية الإثارة واستجداء الإعجاب، لا يمكن أن يكون مجرد مسألة عابرة، بل هو تطبيع فَجٌّ مع التفاهة والإفلاس الأخلاقي. إننا بصدد أزمة عميقة مرتبطة بتمثل البعض لانتمائه المهني في زمن المنصات. إن الرهان اليوم ليس حظر الحضور الرقمي، إنما إعادة تكييفه مع مستجدات العصر ليكون خادما للعملية التعليمية التعلمية لا مسيئا لها، وللرسالة التي تحمل. فالأستاذ، يجب أن يكون نموذجا لمشروع تربوي ومعرفي هادف، لَا مَسْخًا يهدم أكثر مما يبني، و”يؤثر” -بمنطق منصات الوهم- أكثر مما يناضل، ويكافح في سبيل مقاومة التسطيح ومجابهة الاغتيال الرمزي للمعرفة المُمَانِعة.

-أستاذ باحث

إقرأ الخبر من مصدره