0
مع حلول شهر رمضان، تدخل الحياة اليومية في المغرب مرحلة مختلفة تتغير خلالها عادات العيش وإيقاع المدن والأحياء والأسواق، حيث تتبدل مواعيد النشاط والحركة وتُعاد صياغة العلاقات الاجتماعية على وقع الصيام والعبادات الجماعية.
وتشهد المدن تراجعاً في وتيرة الحركة نهاراً، مقابل نشاط متصاعد قبيل موعد الإفطار، إذ تتحول الأسواق إلى فضاءات مكتظة بالمتبضعين الذين يقتنون مستلزمات المائدة الرمضانية، قبل أن تهدأ الحركة تدريجياً مع اقتراب أذان المغرب.
وتفوح من الأزقة والأحياء روائح الأطباق التقليدية التي تميز المائدة المغربية، وعلى رأسها حساء الحريرة إلى جانب التمر و”الشباكية” و”سلو”، وهي مكونات راسخة في الذاكرة الجماعية، تتوارثها الأجيال مع إضافات عصرية تعكس تطور العادات الغذائية.
وتحافظ الملابس التقليدية على حضورها خلال الشهر الفضيل، حيث يرتدي كثير من المغاربة الجلباب والقفطان في المناسبات العائلية والزيارات وصلاة التراويح، في مشهد يعكس ارتباطاً بالهوية الثقافية والروحية.
ويمتد البعد الاجتماعي للمائدة الرمضانية إلى خارج البيوت، من خلال تنظيم موائد إفطار جماعية في الأحياء الشعبية، وتوزيع مساعدات غذائية على الأسر المحتاجة، إضافة إلى مبادرات لإفطار المسافرين وعابري السبيل، ما يعكس حضور قيم التضامن والتكافل داخل المجتمع.
ومع حلول الليل تستعيد المدن حيويتها، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين لأداء صلاة التراويح، خاصة في المعالم الدينية الكبرى مثل مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء ومسجد حسان بالرباط، حيث تصطف جموع المصلين في أجواء روحانية جماعية.
وتعرف المساجد خلال الشهر الفضيل تنوعاً في الأنشطة الدينية، من مسابقات قرآنية وأمسيات للذكر والسماع والمديح، إلى حملات للتبرع بالدم، في حين يحرص المصلون على التنقل بين المساجد للاستماع إلى أصوات قراء مختلفين.
ويحافظ المغرب على تقاليد دينية مميزة، من بينها تلاوة الحزب الراتب برواية ورش عن نافع، وهو تقليد متجذر يسهم في صون الهوية الروحية المشتركة. كما تستمر بعض المدن العتيقة في إحياء شخصية “النفّار” الذي يجوب الأزقة قبيل الفجر لإيقاظ السكان إلى السحور.
ويميل سحور المغاربة إلى البساطة، حيث يضم الشاي وخبزاً وزيت الزيتون ومنتجات خفيفة، في لحظة هادئة تسبق بداية يوم جديد من الصيام.
ويجمع رمضان الأجيال داخل العائلات المغربية، حيث تستحضر الذاكرة الجماعية عادات قديمة مرتبطة بتبادل الأطباق والزيارات الجماعية، رغم التحولات الاجتماعية التي شهدتها المدن وأنماط العيش.
كما يحتفظ الشهر الفضيل بملامح ترفيهية، إذ تنشط السهرات العائلية واللقاءات في المقاهي بعد التراويح، إلى جانب دوريات كرة القدم الرمضانية في الأحياء الشعبية، وبرامج ثقافية وفنية تنظمها جمعيات ومؤسسات لإحياء التراث الفني والديني.
ويمثل رمضان في المغرب موسماً اجتماعياً وروحياً متكاملاً تتجدد خلاله الروابط الإنسانية وتبرز قيم التضامن والتسامح، في لوحة تجمع بين العبادات والتقاليد والذاكرة الجماعية.