العمراني يكتب: السياسة في غياب الجمهور!

Écrit par

dans

0

بقلم: عبد الرحمان العمراني*

وأنا أقرأ الخاتمة التي أنهى بها المفكر اليساري الأمريكي الشهير فريدريك جامسون Fredrik Jameson المؤلَّفَ الجماعيَّ الهام حول العلاقة بين السياسة والاستيتيقا، الصادر عن دار النشر فيرسو Verso بنيويورك سنة 1977 (وأعيد طبعه عدة مرات)، استوقفني كثيرًا تعبير “الجمهور الغائب” the absent public.

تعبير لخص به جامسون بشكل مكثف نقد الواقعيين (من لوكاتش إلى بريخت) لمعارضيهم الحداثيين على امتداد عقود، ابتداءً من عشرينيات القرن الماضي، وهم الذين كانوا قد جعلوا من النص المفتوح، واللوحة المفتوحة، ومن التجريد، أساسًا لرؤية استيتيقية مستقبلية جديدة، بمقتضاها يكون العمل الفني تعبيرًا عن نوازع العوالم الداخلية للفنانين والمبدعين أكثر من كونه صورة انعكاسية للعالم الخارجي.

الاستيتيقا القائمة على جعل النصوص أو اللوحات أو العروض المسرحية تعبيرًا عن الذوات الداخلية لأصحابها من المبدعين كانت، حسبما ذكر جامسون، قد وصلت ذروتها حينما أصبح التجريد قيمة جمالية في حد ذاته، فانقطعت الصلة بالجمهور وبالعالم الخارجي، ثم بالواقع، واقع الناس وواقع الأشياء المحيطة بهم.

وضمن هذا الذوق الاستيتيقي الحداثي كان من الطبيعي، بل والمحتم وفق جامسون، أن يغيب الجمهور وأن يُلغى أصلًا من دائرة اهتمام الفنانين والمبدعين، وأن تتحول عوالمهم إلى فضاءات مغلقة على ذاتها، وأن لا يتم الحوار، حينما يحصل، إلا بين نخبة المبدعين، لا يستطيع أن يقترب منه إلا من أوتي قدرًا لا بأس به من حكمة أو إلهام التجريد.

تعبير “الجمهور الغائب” الذي جرى توصيفه في مجال الاستيتيقا من طرف فريدريك جامسون أجده ينطبق تمامًا على المجال السياسي عندنا، فلقد أصبح تقلص جمهور السياسة، مقاسًا بتراجع أعداد المنخرطين في الشأن الحزبي والمواكبين والمهتمين بما يسمى اللعبة السياسية (بمعناها غير القدحي)، أحد السمات الفاصلة المميزة للوضع العام.

وهذا التقلص في جماهيرية السياسة وصل اليوم إلى مدى لم يعد فيه مفهوم العزوف كافيًا لتوصيفه، فبالأحرى تفسيره وبيان مسبباته ومنحنياته.

تبدو مجريات اللعبة السياسية أشبه ما تكون بمباراة مملة في كرة القدم، في ملعب كبير يتسع لعشرات الآلاف من المتفرجين، لكن رتابة إيقاع المباراة ومللها، وخواء الرهان المطروح، جعل المدرجات فارغة إلا من بعض المجموعات الصغيرة تتابع تحركات اللاعبين دون حماس أو اقتناع بما يقومون به داخل الملعب.

هو وضع أشبه ما يكون بحالة مباراة في غياب الجمهور، بكل ما ينتج عن ذلك من تداعيات على مستوى التقلص المهول في قيمة اللعب، والتراجع المريع في فائدة الاستمرار في متابعة مجرياته.

الحداثيون المناهضون للواقعيين في مجال الآداب والفنون، من الذين قارعهم على صعيد الفلسفة الاستيتيقية جورج لوكاتش وبرتولد بريخت، كانوا، على كل حال، قد بلوروا نظريات ورؤى جديدة في مجال الاستيتيقا، قدموها بشجاعة وبالمكتوب للقراء والمتتبعين، وكانت تلك النظريات والرؤى محور سجالات مفيدة في الساحة الفكرية والفنية، فتحت وعي النقاد على جدلية الذاتي والموضوعي، وعلى العلاقة المركبة والمعقدة بين الفردي والجماعي في عوالم الإبداع.

ترى ما الذي يقدمه المسؤولون عن جعل السياسة تُمارَس في غياب الجمهور عندنا من رؤى أو تصورات؟

الحداثيون المناهضون للنزعة الواقعية، الذين تحدث عنهم جامسون، أداروا ظهورهم للواقع الخارجي وللتقليد الأرسطي الكانطي في مجال الاستيتيقا، معوصين بذلك مهمة التلقي على الجمهور العريض، لكنهم في المقابل أنتجوا أعمالًا غاية في الثراء، لا يمكن الطعن في قيمتها الفنية أو الجمالية. ترى ما الذي قدمه للسياسة وريبيرتوار السياسة عندنا أولئك المسؤولون عن جعل السياسة تُمارَس في غياب الجمهور؟

سؤال يستحق في أقل الأحوال أن يُطرح، لأن المؤكد أن السياسة في بلادنا لن تستعيد عافيتها إذا هي لم تستعد جمهورها.

والمؤكد أيضًا، أمام حجم السؤال، أن الجواب والمعالجة هما أكثر من مجرد إدخال ترتيبات إدارية جديدة أو تنويعات على نفس المألوف من الممارسات والخرائط، أو كما يقال في اللغة الإعلامية لدى الأنجلوساكسونيين: مزيد من نفس الشيء more of the same.

* مقال سبق لي أن نشرته ورقيا سنوات بعد نهاية حقبة التناوب التوافقي.أعيد نشره على صفحتي لما يتضمنه من اشارات لها بعض الراهنية اليوم.

إقرأ الخبر من مصدره