
عبد الغفور مغوار
قراءة نقدية في مقتطف “السقف الأحمر” بين العجز السردي والتزييف الرمزي
النص: السقف الأحمر
-مقتطفات من رواية –
في تلك الليلة الّلعينة قال له فرانسوا وهما يتسامران تحت خمائل نادي الفروسيّة.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
ـ أليس اليوم هو عيد ميلادك يا رئيسي وصديقي العزيز
كبّ فريدريك كوب الجعّة في حلقه وقال مبتسما:
ـ لم أتعوّد الاحتفال به لكن إن جاءتني هديّة فسأقبلها بسرور.
ـ هديّتك وصلتك، لقد مررت على منزلك ووضعتها لك في غرفة الضّيوف. يجب أن تراها الليلة قبل نومك، عدني بذلك
ثمّ رفع كأسه ضاحكا
ـ لنشرب الّليلة على نخب جمال الخيول العربيّة الأصيلة.
ـ مجنون، هل أدخلت حصانا إلى الغرفة؟
ـ هيهه، هيهه، لنقل مُهرة عربيّة أصيلة ذات جمال أسطوري لا يليق إلا بك.
ـ أتمنى ألا تفعل ذلك، مقالبك دوما سخيفة.
ثمّ نظر إلى الظّلمة الجاثمة خلف أنوار النّادي في هدوء المُتمتّع بمحيطه. تأمّله فرانسوا مُفكّرا في مسلك يعبر به داخل هذا الكائن الذي يعتبره غريبا بأفكاره المُنحازة لصالح السكّان المحليين للبلدان المُستعمرة فقال:
ـ خلال نزهتنا التي أصبحت إقامة مطوّلة في ربوع هذه القارة السمراء برمالها الحارقة وحجارتها المُتكلّسة.
ـ وواحتها الغنّاء وأدغالها العذراء.
هكذا واصل فريدريك توصيفه بنغمة المُتمتّع بسحر الأمكنة.
ـ العذراء، ادغالها العذراء!
قالها فرانسوا راحلا بخياله إلى تلك التي سجنها في دار فريديريك. “حتما هي عذراء. هل يستطيع
فردريك مقاومة ذلك الجمال والحسن؟ ضف إلى ذلك نظافتها التي قلّ إن شهد مثلها في مداهماته للقرى والقبائل في تونس والجزائر.”
ـ يا عزيزي فريدريك، الأدغال العذراء فاتحة ذراعيها لنا نحن الأوروبيون لنغوص فيها ونتمتّع بها
ألا نحتاج تعويضا يليق بما نقدمه من خدمات لهؤلاء الرعاع؟
واصل فرانسوا حديثه سالكا دروب حكايات عن الجنس والمتعة.
ـ أليس حلم كلّ أوربي نزع اللّحاف الذي يغطي أجساد النساء العربيّات بطريقة بدائية، الخرق يا عزيزي سيكون مرّتين حينها تتعاظم النشوة وتُختبر الفحولة المتفجّرّة في دهليز المهبل. عندما تغرس قضيبك في إحداهنّ فكأنّك غرستَ سيفا في شعب كامل. ألا تغريك لعبة الماتشو؟
كم يروق لي ذلك العبث المثير للشهوة عندما أصفع الزوج أمام زوجته والأب أمام أبنائه في بيته. كم هو بديع إذلال أولئك الديّكة الذين ينعمون بحرملك نساء.
أحسّ فريديريك وكأن عقله في حالة عجز عن التّفكير رغم إدراكه الرّافض لمنطق المعمّرين وإلى الآلة العسكريّة القمعية التي هو أحد عناصرها. فصار يقطع ببصره المساحات الماثلة أمامه ليقتنص ما يريحه ثمّ يعود لفرانسوا الذي بدأ يحكي عن مغامراته في ماخور “بوسبير” في الدّار البيضاء بالمغرب وكيف كان يعمل مع الفرقة العسكرية التي تقوم بجلب الفتيات والنساء من المستعمرات للتنفيس على جنود فرنسا وحلفائها الإنجليز والأمريكان. رغم السّحابة التي غيّمت على عقل فريديريك إلا أنه قال:
ماخور “بوسبير” ذلك المبنى في حيّ درب السلطان بالمغرب، المتماهي في معماره مع أذواق الأوربيين الاستشراقية. هناك بين أسواره العالية ذات الحراسة المشدّدة تتواجد المرأة الشيْ، المرأة الخاضعة، ورقة إغراء يُلوّحون بها، لهذا السبب نجد الكثير ينظمون للجنديّة.
ـ صحيح، وأنا واحد منهم يا عزيزي فريدريك جئت للتّمتع بالنساء العربيات والبربريّات السّاخنات،
آه يا فريدريك الحبيب هنّ بركان متأجج تحت جبل من جليد. اشرب، اشرب. الخمرة هي السلوى في هذه القفار الكالحة. كم أشتاق إلى ليالي
وأنوار باريس الصّاخبة.
هادية آمنة- تونس.
المقدمة
تنطلق القراءة النقدية لنص “السقف الأحمر” من رصد خلل بنيوي عميق يمس جوهر العملية الإبداعية. فالعمل الأدبي الرصين ينهض على قدرة الكاتب على خلق عالم مواز يتمتع باتساق داخلي، غير أن ما قدمته “هادية آمنة” يتجاوز كونه ضعفا فنيا ليصبح ارتباكا معرفيا وأخلاقيا. النص يعاني من “أنيميا سردية” حادة، حيث تبدو اللغة وسيلة للتقرير المباشر، وتفتقر إلى ظلال المعنى أو إيحاءات الصورة. الكاتبة تعاملت مع المتخيل الروائي كمنصة لإسقاط أحكام قيمية مسبقة، مجردة الشخوص من إنسانيتها لتبدو مجرد أبواق لتمثيلات استعمارية قديمة.
المحور الأول: في تهافت البناء وعقم الاستهلال 1- الفشل في تأثيث المشهد الافتتاحي
يبدأ المقتطف بحوار بين “فرانسوا” و”فريدريك”، وهو حوار يفتقر إلى الحد الأدنى من “الدربة السردية”. تقع الكاتبة في فخ “الإخبار / “Telling بدلا من “التجسيد /”Showing ، اللغة هنا جافة، تخلو من الروح، وتعتمد على جمل إنشائية مسطحة لا تليق بسياق تاريخي يفترض فيه التوتر. إن إقحام فكرة “الهدية” (المهرة/المرأة) منذ الأسطر الأولى يكشف عن استعجال فج في طرح “التيمة” الجنسية، دون تمهيد درامي يبرر هذا التحول.
هذا الاندفاع نحو “الغرائزي” يشي برغبة الكاتبة في استثارة القارئ عبر “الفضائحية” لا عبر “الجمالية”، مما يسقط النص من علياء الأدب إلى حضيض الكتابة الاستهلاكية.
2- الارتباك في رسم الشخصية (نموذج المستعمر المتناقض)
تقدم الكاتبة شخصية “فريدريك” كأنه كائن غريب بأفكاره المنحازة للسكان المحليين، غير أن هذا التوصيف يظل ادعاء خارجيا لا يدعمه السلوك السردي داخل النص. هذا الانفصام بين ما تقوله الساردة وما تفعله الشخصية ينم عن عجز في “بناء الشخوص”. فريدريك يرفض منطق المعمرين ظاهريا، لكنه يغرق في تفاصيل “بوسبير” ويتقبل منطق “الفروسية” القائم على الإذلال. هذا التناقض بعيد أن يكون تناقضا دراميا مدروسا، نراه ثقبا في مخيلة الكاتبة التي لم تستطع منح الشخصية عمقا سيكولوجيا يتجاوز الكليشيهات الجاهزة عن “المستعمر الطيب” و”المستعمر الشرير”.
3- سقوط اللغة في فخ التقريرية
تتسم لغة النص بفقر مجازي لافت. فالكلمات تساق في سياق وظائفي بحت، وكأننا أمام محضر استنطاق لا نص أدبي. استخدام مفردات مثل “اللحاف”، “الخرق”، “النشوة”، “الفحولة” يتم بطريقة غليظة تفتقر إلى الأناقة الأدبية. إنها لغة “صدمة” زائفة، تحاول تعويض غياب المتخيل بقوة اللفظ الإباحي. الكاتبة هنا لا تبني عالما، بقدر ما تهدم الحياء الفني لتمرير مغالطات تاريخية. إن اللغة في “السقف الأحمر” لا تجيد الاختباء خلف الإشارة، ألا تراها أيها المتلقي المتذوق صاحب الحس النقدي والجمالي العالي في الفن والأدب، تخرج عارية في قبحها التعبيري؟ بالتأكيد فهذا ما جعل النص يفقد خاصية “التأويل” ليغدو نصا أحاديا، منغلقا على كراهية دفينة لثقافة الآخر (المغربي بخاصة كما اتضح في الآونة الأخيرة بعد سلسلة من النجاحات الوطنية اقتصاديا وسياسيا).
4- التزييف الرمزي: المرأة المغربية كـ “شيء”
تتجلى أكبر سقطات النص في تحويل المرأة المغربية إلى “موضوع” للفرجة والانتهاك. الكاتبة تتبنى – بوعي مع سبق الإصرار والترصد – نظرة “المركزية الأوروبية” التي ترى في المرأة الشرقية مجرد جسد للمتعة – وكان الأجدر أن تتخذ من بلدها نموذجان أو لم في تونس مواخير نصبها الاستعمار؟ –
إن استخدام تعبير “المرأة الشيء” داخل الحوار بين الشخصيات الفرنسية ليس نقدا للاستعمار، بقدر ما هو ترسيخ لتلك الصورة في ذهنية القارئ. الكاتبة تحرم المرأة المغربية من “صوتها”، من “تاريخها”، ومن “مقاومتها”، وتحصر وجودها في دهاليز “بوسبير”. هذا الاختزال يمثل ذروة السقوط القيمي لدى هادية، فبدلا من أن يكون الأدب صرخة للمظلوم، صار في يد الكاتبة سوطا إضافيا يجلد الضحية ويجمل وجه الجلاد عبر إضفاء مسحة من “الفحولة الأسطورية” عليه.
5- إضافة قيمة مضافة (البعد الأكاديمي الصارم)
إن ما فات الكاتبة إدراكه، ويجب أن تتضمنه هذه الدراسة، هو أن “بوسبير / ” Bousbir لم يكن قدرا اجتماعيا مغربيا، لقد كان “غيتو / “Ghetto استعماريا هندسه المعماري الفرنسي “ألبير لابراد /”Albert Laprade ليكون سجنا للنساء تحت رقابة طبية وعسكرية صارمة. النص يتجاهل أن هؤلاء النسوة كن “أسيرات حرب” بالمعنى السوسيولوجي، انتزعن من قراهن وأهاليهن بآلة القمع الفرنسية. إن تصوير الكاتبة لهذه المأساة كـ “مغامرة إيروتيكية” هو خيانة للذاكرة التاريخية المغربية، وتواطؤ سردي مع الجريمة الاستعمارية.
6- المقارنة بين التاريخ والافتراء السردي
لماذا لم تنتبه المخيلة المريضة للكاتبة أنه كانت هناك مقاومة مغربية شرسة في “درب السلطان” و”الفداء” وقد قدم شهداء، مجتهدة في تتصور “بوسبير” كمكان للمتعة؟ هذا “العمى التاريخي” يسقط صفة “الرواية التاريخية” عن النص. الرواية التاريخية تقتضي أمانة في نقل “روح العصر”، وروح العصر في مغرب الحماية كانت روح تمرد ومقاومة، وليست روح استكانة في المواخير.
المحور الثاني: جغرافيا القمع وزيف الذاكرة الاستعمارية 1- تدجين المكان: “بوسبير” من آلية عسكرية إلى فانتازيا سردية
يسقط النص في خطيئة معرفية كبرى حين يتعامل مع ماخور “بوسبير” كفضاء للمتعة العابرة أو كخلفية “فولكلورية” لقصص الجنس. الحقيقة الأكاديمية الصارمة تؤكد أن هذا المكان كان معتقلا إثنوغرافيا صممه المستعمر الفرنسي لضبط أجساد النساء وعزلهن عن النسيج الاجتماعي المغربي. الكاتبة، بجهل مطبق، نزعت عن المكان صفته القمعية، فالمكان المحجوز أو كما أطلق عليه المعمر آنذاك -Quartier Réservé-كان محاطا بأسوار شاهقة وبوابة وحيدة تخضع لرقابة عسكرية وبيطرية مهينة. إن تصوير هذا الجحيم المكاني كوجهة سياحية لجنود فرنسا ينم عن تبني كامل لوجهة نظر الجلاد، حيث تغيب في النص آلام النساء المحتجزات خلف تلك الأسوار، ويستبدل بها صخب كؤوس الجعة وحوارات الفروسية المفتعلة.
-2 المرأة المغربية : الضحية التي استباحها النص مرتين
لقد تعرضت المرأة المغربية في هذا النص لعملية “اغتيال رمزي”. المرة الأولى كانت على يد المستعمر الذي اختطف القاصرات والفقيرات وأجبرهن على العمل القسري تحت مسمى “التنظيم الطبي” كما فعل مع جميع نساء المستعمرات في إفريقيا وغيرها، والمرة الثانية على يد السرد الذي صورهن “كنافورات شبق” ينتظرن الفارس الأوروبي. النص يغيب عنه تماما أن هؤلاء النسوة كن في حالة “استرقاق جنسي” منظم من طرف الدولة الفرنسية. الإحصاءات التاريخية الموثقة تشير إلى أن الغالبية العظمى من نساء بوسبير كن ضحايا لظروف اقتصادية قاهرة أو اختطاف مباشر، وليس نتيجة “بركان متأجج” كما تزعم الكاتبة بابتذال، منهن من اعتقلن بجنحة الزنا وهن بريئات منها وغالبيتهن كن عذارى فتم حبسهم في ‘بوسبير’ للغاية المشار إليها سابقا. إن قلب الحقائق من “إكراه استعماري” إلى “رغبة محلية” هو تزوير لا يغتفر، يهدف إلى تبرئة المستعمر وإدانة الضحية.
3- المقاومة المبتورة: درب السلطان من معقل الفداء إلى وكر للدعارة
تتجسد قمة الإساءة في النص عبر بتر السياق الوطني لحي “درب السلطان”. هذا الحي لم يكن مجرد مكان يضم “بوسبير”، لقد كان الخلية الأم للمقاومة المسلحة المغربية. في الوقت الذي تحصر فيه الكاتبة اهتمام جنودها في “التنفيس” و”إذلال الديكة” في تلك الفترة المريرة من تاريخ المغرب، كان رجالات ونساء هذا الحي يسطرون ملاحم الفداء ضد الوجود الفرنسي. الصمت المطبق في النص عن العمليات الفدائية التي استهدفت المصالح الاستعمارية في قلب الدار البيضاء، واستبدالها بحكايات الماخور، هو فعل سياسي بامتياز يسعى لتنميط الشخصية المغربية في قالب “الديوث” أو “العاجز”. إن تغييب صوت الرصاص المقاوم لصالح صوت أنين الشراشف يعكس انحيازا أيديولوجيا فجا، يحاول سلب المغربي كرامته التاريخية ونسبه النضالي.
4- مغالطة “الاستشراق العربي”: حين تكتب تونسية بعين مستعمرتها السابقة باريس
الغريب في هذا النص هو تقمصه للدور الاستشراقي بكل تفاصيله القبيحة. الكاتبة “هادية آمنة” لا نعتقد أنها تكتب نصا عربيا ينحاز لقضايا التحرر، هي بالتأكيد تعيد إنتاج “البورنوغرافيا الاستعمارية”. خطاب “فرانسوا” عن “غرس السيف في شعب كامل عبر المهبل” ليس نقدا للعنف الاستعماري – الذي فعل بتونس ما فعله في أي بقعة احتلها-، فهو احتفاء به عبر السرد. النص يكرس فكرة “الأرض العذراء” و”الأدغال” التي تنتظر الفاتح الأوروبي، وهي مفردات مستهلكة في أدب الرحلات الاستعماري القديم. إن تبني كاتبة تنتمي لبلد عانى من الاحتلال لهذا المنطق الاستعلائي تجاه جيرانها المغاربة يطرح علامات استفهام كبرى حول الوعي القومي والسياسي الذي يحكم هذا السرد المتهالك.
5- الحقيقة المغيبة: سوسيولوجيا الإكراه
تجاهل النص عمدا البنية الاقتصادية والسياسية التي أفرزت ظاهرة الدعارة العسكرية. الفرنسيون لم يأتوا “للمتعة” فهم أتوا لفرض نظام هيمنة كاملة. “بوسبير” كان وسيلة لمنع اختلاط الجنود بالمجتمع المغربي المحافظ خشية اندلاع الثورات، ووسيلة لتمويل الخزينة العسكرية عبر الضرائب المفروضة على النساء المستعبدات. النص يفرغ هذه الظاهرة من محتواها المأساوي ويحولها إلى “لعبة ماتشو بيتشو”. إن النقد الأكاديمي يفرض علينا كشف هذا الفراغ المعرفي في النص. فكل جملة حوارية في الرواية هي محاولة لطمس واقع “العبودية المقننة” وتعويضها بصورة وهمية عن “الشرق الساحر” الذي يسلم مفاتيحه (ونساءه) طواعية للمستعمر.
المحور الثالث: سيكولوجيا الإهانة وتزييف الشخصية الوطنية 1- اغتيال “الرجولة المغربية”: تمثيلات العجز في مرآة الآخر
يمارس النص عملية خصاء رمزي للشخصية المغربية من خلال رسم صورة “الديوك” الذين ينعمون بحرملك وهمي بينما تستباح كرامتهم. هذا الطرح بعيد جدا من أن يكون خيالا روائيا، إنه استنساخ لمنطق “السيادة العرقية” الذي حاول المستعمر تكريسه. الكاتبة تتبنى سردية “الإذلال الممتع”، حيث تصور الرجل المغربي في حالة غياب تام عن المشهد الحمائي لأسرته، وكأنه كائن منزوع الإرادة. إن هذا التصوير ينسف الواقع التاريخي الذي سجل أعلى مستويات “الغيرة الوطنية” والذود عن العرض كجزء من الكفاح الوطني. النص يحاول إقناع القارئ بأن المجتمع المغربي كان يراقب انتهاك محارمه ببرود، وهو قلب فاضح للحقائق. إن قوى الاحتلال الفرنسي نفسها كانت تخشى ردود الفعل “الراديكالية” للمغاربة تجاه أي مساس بكرامة نسائهم، ولهذا السبب تحديدا عزل “بوسبير” خلف أسوار خرسانية بعيدا عن أعين الغيورين من أبناء الشعب.
2- خرافة “المهبل والسيف”: الأدب في خدمة الاستعمار الجنسي
تستعير الكاتبة لسان “فرانسوا” لتقرر أن “غرس القضيب في إحداهن هو غرس سيف في شعب كامل”. هنا يتحول الفعل الجنسي في السرد من سياق بيولوجي أو عاطفي إلى أداة حرب تدميرية تهدف إلى كسر شوكة الأمة المغربية. الخطورة هنا تكمن في جعل هذا الانتهاك مادة للحكي “الممتع” والمثير للشهوة السردية. النص لا يدين هذا المنطق، بقدر ما يستعرضه كقوة “فحولية” تواجه “عجزا” محليا. إن توظيف الرموز الوطنية (الشعب/السيف) في سياق “بورنوغرافي” هو انحطاط قيمي يهدف إلى تحويل مأساة شعب إلى “فانتازيا” جنسية رخيصة. المغرب، الذي لم تكسر شوكته الجيوش ومن قبل أعتى جيش في العالم وهو جيش العثمانيين، لا يمكن اختزال تاريخه في “دهليز مهبل” كما تتوهم الكاتبة، ومحاولة ‘جنسنة’ الصراع التاريخي هي حيلة الضعيف الذي يعجز عن مقارعة الحقائق السياسية فيلجأ إلى ما تحت الحزام.
3- تزييف الوعي: فريدريك والسكيزوفرينيا الاستعمارية
تقدم الكاتبة شخصية “فريدريك” كنموذج للمستعمر “المثقف” أو “المتعاطف”، وهي حيلة سردية بائسة لإضفاء نوع من التوازن المفقود على النص. غير أن “فريدريك” هذا يظل شريكا صامتا ومستمتعا بالهدايا البشرية. هذا التناقض بين “الوعي الرافض لمنطق المعمرين” وبين “الفعل المنخرط في القمع” هو انعكاس لعدم قدرة الكاتبة على خلق بطل حقيقي. إن “فريدريك” هو الوجه الآخر ل “فرانسوا”. أحدهما يغتصب بالفعل والآخر يغتصب بالنظر والتنظير. محاولة أنسنة المستعمر على حساب تشويه المجتمع المحلي هي سقطة أخلاقية تجعل من الكاتبة صوتا رديفا لآلة الدعاية الاستعمارية التي كانت تدعي “تحضر” الجندي الفرنسي مقابل “بدائية” الرعاع المحليين في أي بقعة عمرها الاحتلال.
4- المغرب العظيم: الدولة التي لم تطع السلطان العثماني وتطاولت عليها “سليطة”
يسقط النص في فخ “التعميم الاستعلائي” حين يصور المغرب كجزء من “قارة سمراء بمالها الحارقة” وكأنها أرض بلا صاحب. الكاتبة تتناسى أن المغرب دولة عريقة، ذات تقاليد دبلوماسية وحضارية منعت عنها التوسع العثماني وحافظت على استقلالها لقرون. هذا العمق التاريخي يختزل في النص إلى “ماخور” و”رمال”. إن التطاول على تاريخ المغرب عبر تصويره كساحة خلفية لنزوات الجنود هو جهل مركب. فالحضارة المغربية التي أثرت الأندلس وعلمت أوروبا فنون العمارة والفلسفة، لا يمكن أن تختصر في “حي محجوز” أنشأه الغزاة. هذه “القزمة الثقافية” التي تحاول تلمس عظمة المغرب عبر ثقوب جدران “بوسبير” لن تجد إلا خيبتها. فالمغرب كان ولا يزال عصيا على التدجين الرمزي، والسيادة المغربية تاريخيا كانت سيادة “فعل” لا سيادة “حكي” خلِق.
5- غياب “المرأة المقاومة”: الحقيقة التي أرعبت الكاتبة
لماذا غيبت الكاتبة المرأة المغربية المتعلمة، والمقاومة، والعالمة، واختارت فقط “المرأة الشيء”؟ الجواب يكمن في “النية المبيتة”. إن إظهار المرأة المغربية كضحية سلبية أو كجسد ساخن هو وحده ما يخدم غرض “الردح السردي” الذي تمارسه الكاتبة. الحقيقة التاريخية تضج بأسماء نساء مغربيات قدن المظاهرات، ونقلن السلاح، وواجهن المستعمر في الجبال والمدن، ويكفي أن نذكر بأول طيارة امرأة في العالم العربي والإفريقي كانت مغربية ثريا الشاوي. وقد تعرضت هذه الرائدة لسلسلة ممنهجة من محاولات الاغتيال التي نفذها الاحتلال الفرنسي، بدأت بتفجير قنبلة أمام منزل عائلتها في نوفمبر 1954، تلاها إطلاق نار مباشر عليها وعلى والدها بعد شهر واحد فقط. وتكرر الاستهداف في أغسطس 1955 حين أطلق شرطيان فرنسيان الرصاص على سيارتها، وصولا إلى محاولة اختطاف فاشلة نفذها عناصر أمنيون لولا تدخل المارة، مما يعكس الإصرار الاستعماري على تصفية هذا الرمز الوطني الملهم، لا لشيء إلا لأنها سبقت الفرنسيات لهذه المرتبة. تجاهل هذا الجانب المضيء والتركيز على “الاستثناء القسري” (بوسبير) هو تدليس أدبي. المرأة المغربية في “السقف الأحمر” ليست إلا دمية من قش صنعتها مخيلة الكاتبة لتشفي غليل حقدها الشخصي، وهي صورة لا تصمد أمام أول اختبار لوثائق المقاومة المغربية التي توثق شموخ المرأة الأمازيغية والعربية في وجه “فرانسوا” وأمثاله.
المحور الرابع: التزييف الوثائقي وصناعة “البورنوغرافيا” الاستعمارية 1- هندسة الإذلال: “بوسبير” كمختبر بيولوجي لا كخيار اجتماعي
تتعامل ‘الكويتبة’ هادية مع فضاء “بوسبير” كأنها نتيجة طبيعية لـ “سخونة” النساء أو رغبات الجنود، وهو جهل فادح بالآلة الاستعمارية. الوثائق الأكاديمية (دراسات جامعة بريستول وأكسفورد) تثبت أن هذا الحي كان مشروعا “ديستوبيا” رسمته الإدارة العامة للحماية الفرنسية. كان مؤسسة عقابية، ونعيد الفكرة من أجل أن تعيها هادية، خاضعة لقانون “الضبط الصحي” الصادر في عشرينيات القرن الماضي. إن إغفال النص لكون هؤلاء النساء سجينات “قانونيا”، مع سجينات أجنبيات، تحت حراسة أمنية فرنسية دائمة هو تزوير للتاريخ. المرأة في بوسبير لم تكن “فاتحة ذراعيها” كما زعم النص، لقد كانت مكبلة بعقود “الدين الافتراضي” للمستعمر، ومجبرة على دفع إيجار غرفتها وخدماتها الطبية من جسدها، فيما يشبه نظام السخرة. هذا “الاستعباد المؤسسي” حوله السرد البائس إلى “بركان متأجج”، وهي مغالطة تهدف إلى تحويل “الجريمة المنظمة” إلى “ظاهرة طبيعية”.
2- سوسيولوجيا الضحية: تفكيك هوية “المرأة الشيء”
يزعم النص أن نساء ‘بوسبير’ كن مغربيات يمثلن الثقافة المحلية، بينما تؤكد الأبحاث التاريخية الرصينة (مثل أعمال عبد المجيد العريف) أن تركيبة الحي كانت خليطا قسريا. ضمت القائمة أجنبيات من دول المستعمرات الفرنسية ويهوديات ونساء تم استقدامهن بالخداع من مناطق فقيرة. الكاتبة تعمدت صبغ الهوية المغربية وحدها بصبغة “الدعارة العسكرية” لتصفية حسابات رمزية خبيثة. الحقيقة أن المجتمع المغربي، بمؤسساته التقليدية وعائلاته، كان يعتبر هذا الحي “ورما استعماريا” دخيلا. إن نسبة هذه الممارسات إلى “طبيعة المرأة العربية والبربرية” هي عنصرية صريحة تتبناها الكويتبة بلسان المستعمر، متجاهلة أن الاحتلال هو الذي شيد الجدران، وهو الذي استجلب النساء، وهو الذي أدار العمليات المحاسبية لهذه التجارة القذرة.
3- المقاومة المسلحة: الرد المغربي الذي شطبه السرد
بينما يغرق “فرانسوا” و”فريدريك” في أوهام “الماتشو”، كان الواقع المغربي يغلي بالفعل المقاوم، وهذا سبقت الإشارة إليه ونعيد الخوض فيه من أجل أن نرسخه في ذهن صاحبة النص الركيك. حي “درب السلطان” لم يسكن ليلة واحدة عن استهداف الوجود الفرنسي. العمليات الفدائية التي قادها مغاربة أحرار استهدفت مراكز التجمع الاستعمارية، وكان “بوسبير” نفسه عرضة للازدراء والمقاطعة والتهديد من قبل المقاومة الوطنية التي رأت فيه إهانة للهوية المغربية. تجاهل الكاتبة لهذه الحركية النضالية، وتركيزها على “نخب الجمال” و”الخيول”، هو محاولة لتعليب التاريخ المغربي في “صورة سياحية” مهينة. المغاربة لم يواجهوا الاحتلال بالشعر أو الاستسلام، بل واجهوه برصاص “جيش التحرير” و”المنظمة السرية”، والحقيقة أن الجندي الفرنسي كان يعيش رعبا دائما في أزقة الدار البيضاء، عكس صورة “المتمتع الهادئ” التي حاول النص السخيف تسويقها.
4- الرد على مغالطة “التحضر الاستعماري”
يروج النص لفكرة أن الأوروبي جاء “ليغوص” في “الأدغال العذراء” ويقدم “خدمات” للسكان. هذا الخطاب هو “المانيفستو” الاستعماري القديم الذي برر النهب بدعوى التمدين. الحقيقة الأكاديمية تكشف أن فرنسا دمرت البنيات الاجتماعية المغربية الأصيلة، وخلقت الفقر، وصادرت الأراضي، مما أدى إلى نزوح اضطراري أنتج ظواهر اجتماعية قاسية استثمرها المستعمر لاحقا في “بوسبير”. الكويتبة هادية هنا تلعب دور “المحلل” للعدوان. فهي تجمل وجه القبح الاستعماري عبر تصويره كفعل “اكتشاف” و”تعويض” عن خدمات وهمية. إن “الرعاع” الذين تحدث عنهم النص هم أحفاد طارق بن زياد ويوسف بن تاشفين، وهم الذين علموا أجداد “فرانسوا” معنى الحضارة والفروسية الحقيقية حين كانت باريس غارقة في ظلامها وقذاراتها وعهرها.
5- سقطة “بوسبير” المعمارية: الفضاء كأداة عزل
تفتخر الكويتبة بوصف المعمار الاستشراقي لـ “بوسبير” وتماهيه مع أذواق الأوروبيين. هذا “التماهي” في الحقيقة هو “استشراق معماري” قمعي. لقد صمم الحي ليكون “سجنا جميلا” من الخارج، ومسلخا للكرامة من الداخل. الكاتبة تمدح الجمال المعماري لمبنى خصص لانتهاك النساء، وهذا بحد ذاته انحراف في الذوق الأدبي. إن التركيز على “الأسوار العالية والحراسة المشددة” كعنصر “إغراء” يكشف عن سادية سردية، حيث تجد هادية متعة في وصف “المرأة الخاضعة” خلف القضبان. هذا النوع من الكتابة لا يمت للأدب بصلة. إنه “تلصص” تاريخي يفتقر للحد الأدنى من التعاطف الإنساني مع الضحايا اللواتي سلبن حريتهن وحياتهن في ذلك المربع الإسمنتي اللعين.
المحور الخامس: المحاكمة النقدية وإعادة الترسيم الحضاري 1- تهافت السرد كفعل إدانة: السقوط من الأدب إلى “الردح”
تنتهي رحلة القارئ مع “السقف الأحمر” بيقين جازم أننا لسنا أمام تجربة أدبية، إننا أمام عملية “تصفية حسابات” نفسية وأيديولوجية دنيئة. الأدب، في جوهره، وسيلة للمساءلة والتعاطف الإنساني، بينما تحول النص في يد هادية المضللة إلى أداة لممارسة “التفوق الرمزي” الزائف. إن تكرار الصور النمطية عن المرأة المغربية، والإصرار على حصر تاريخ المغرب في “ماخور”، يعكس إفلاسا في المخيلة وعجزا عن مقارعة العظمة المغربية بوسائل حضارية. الكاتبة، عبر ضعف تركيبها السردي وجفاف لغتها التقريرية، فضحت نيتها في “التشهير” لا “التنوير”، مما يسقط النص من ذاكرة الإبداع ليصنف كـ “منشور سياسي أصفر” مغلف بقشرة روائية هشة لا تصمد أمام النقد البنيوي البسيط.
2- المسؤولية الأخلاقية: خيانة الذاكرة المشتركة
بينما يفرض الجوار والانتماء المشترك نوعا من المسؤولية المعرفية، اختارت هذه النكرة طعن الذاكرة المغربية في أقدس مقوماتها: “الشرف النضالي”. إن تصوير المجتمع المغربي كبيئة حاضنة لانتهاكات المستعمر هو خيانة للتاريخ المشترك لشعوب شمال أفريقيا في كفاحها ضد الإمبريالية. الرد الاعتباري هنا يقتضي التذكير بأن دماء المغاربة والتونسيين والجزائريين اختلطت في خنادق التحرير، وما فعلته الكويتبة هو محاولة لفك هذا الارتباط عبر خلق “فانتازيا” الكراهية. هذا الانحراف لا يسيء للمغرب وحده، نؤكد أنه يسيء للثقافة التونسية الرصينة التي طالما كانت منارة للفكر والتحرر، ويضع هادية في معزل عن الإجماع القومي والعروبي الصادق.
3- الحقيقة الأكاديمية: المغرب كقلعة لا كغرفة ضيوف
يجب أن يدرك القارئ لهذا الرد أن المغرب لم يكن يوما تلك “المهرة” التي تهدى لضابط فرنسي كما صور النص. المغرب كان “الإمبراطورية الشريفة” التي حافظت على استقلالها لقرون في وجه القوى العظمى. المقاومة المغربية التي أذلت “ليوطي” و”بيتان” و”فرانكو” في معارك أنوال والهري وبوفكران، لا يمكن اختزال كرامتها في حوارات “سكارى” تحت خمائل نادي الفروسية. الرد القاطع يكمن في إحالة الكويتبة هادية إلى الأرشيف العسكري الفرنسي نفسه، الذي يوثق كيف كان الجنود يرتعدون خوفا من عبور أزقة الدار البيضاء ليلا، وكيف كانت النساء المغربيات يقدن المظاهرات بالزغاريد والرصاص، لا بـ “الخضوع” الذي رسمته مخيلة النص المريضة.
الخاتمة
يسقط “السقف الأحمر” لأنه بني على رمال التزييف، ويظل المغرب شامخا بحضارته التي لا تحتاج لشهادة من “نص سردي ضعيف”. إن محاولة “سليطة” النيل من أمة عبر “مقتطفات” روائية هي محاولة بائسة تذكرنا بنباح القوافل. الأدب الحقيقي هو الذي ينصف الضحايا ويفضح الجلاد، أما الأدب الذي يجمل وجه “فرانسوا” ويشوه وجه “المغربية” فهو “أدب خائن” للقيم الإنسانية. هذه الدراسة هي صرخة في وجه كل من يحاول العبث بالهوية المغربية تحت مسميات “التخييل”. التاريخ أمانة، والمغرب خط أحمر، ومداد الحقيقة أقوى من سموم الحاقدين.
إن فحص نص “السقف الأحمر” يكشف عن ثلاث سقطات كبرى:
سقطة فنية: عجز سردي، لغة خشبية، وافتقار للحبكة الدرامية المقنعة.
سقطة تاريخية: جهل مطبق بطبيعة نظام “بوسبير” الاستعماري وتجاهل للمقاومة المغربية.
سقطة أخلاقية: تبني خطاب المستعمر، تشويه صورة المرأة المغربية، وممارسة العنصرية الثقافية.
بناء عليه، يعتبر هذا النص “ساقطا” بامتياز من الناحية النقدية، ولا يستحق صفة العمل الأدبي، إنه مجرد محاولة فاشلة من كويتبة مغرورة لتزييف الوعي والاعتداء على الذاكرة الجماعية لأمة عظيمة كالمغرب.
*أديب وناقد مغربي سليل السلاطين الذين بنوا فاس العاصمة العلمية سنة 172 هـ (789 م) والتي تردد عليها أجداد فريديريك وفرنسوا من أجل العلم والمعرفة خصوصا لما بني بها ‘مارستان’ سيدي فرج عام 685 هـ (1286 م) –
إقرأ الخبر من مصدره