دراسة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين تكشف تحديات صمود المدرسة المغربية في زمن الأزمات

Écrit par

dans

لم تعد الأزمات الطارئة أحداثاً استثنائية في مسار الأنظمة التعليمية، بل تحولت إلى عامل دائم يختبر قدرة الدول على ضمان الحق في التعلم. وفي حالة المغرب، كشفت السنوات الأخيرة، بما حملته من أزمات صحية وطبيعية واجتماعية، عن تحديات عميقة تواجه المنظومة التربوية في ما يتعلق بضمان الاستمرارية البيداغوجية وجودة التعلمات.

وتسلط دراسة أنجزها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حول صمود المنظومة التربوية المغربية الضوء على هذه الإشكالية، معتبرة أن توالي الأزمات – من جائحة كوفيد-19 إلى الكوارث الطبيعية مثل زلزال الحوز، إضافة إلى التوترات الاجتماعية والفيضانات التي أدت إلى إجلاء آلاف التلاميذ في بعض المناطق – وضع المدرسة المغربية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها الأساسية.

الأزمات تكشف الهشاشة البنيوية

تشير الدراسة إلى أن الأزمات لا تخلق الاختلالات بقدر ما تكشفها. فخلال جائحة كوفيد-19، برزت بشكل واضح الفوارق الرقمية بين المتعلمين، إذ واجه عدد كبير من التلاميذ صعوبة في الولوج إلى وسائل التعليم عن بعد، ما أظهر محدودية البنية الرقمية التعليمية واعتماد النظام بشكل شبه كلي على التعليم الحضوري.

أما زلزال الحوز، فقد كشف بدوره عن هشاشة البنيات التحتية المدرسية في بعض المناطق القروية والجبلية، إضافة إلى محدودية آليات التدبير الترابي للأزمات، وغياب ذاكرة مؤسساتية موثقة تسمح بالاستفادة من التجارب السابقة في مواجهة الطوارئ.

كما أبرزت التوترات الاجتماعية الممتدة، وما رافقها من توقفات دراسية، هشاشة الاستمرارية البيداغوجية أمام الانقطاعات الطويلة، إلى جانب محدودية برامج الدعم التربوي القادرة على تعويض الزمن المدرسي الضائع.

من التدبير الاستعجالي إلى الإصلاح البنيوي

وترى الدراسة أن التعامل مع الأزمات عبر إجراءات ظرفية لم يعد كافياً، لأن الاستمرارية التعليمية أصبحت تتطلب استعداداً مؤسساتياً مسبقاً، يقوم على التخطيط الاستراتيجي وتطوير آليات دائمة لإدارة المخاطر داخل المنظومة التعليمية.

وفي هذا السياق، تقترح الدراسة مقاربة مزدوجة تجمع بين الاستجابة السريعة للأزمات والإصلاح البنيوي طويل المدى. ويشمل ذلك تعزيز البنية الرقمية للتعليم، وتطوير نماذج تعليمية مرنة تجمع بين الحضور الفعلي والتعليم عن بعد، إضافة إلى تقوية البنيات التحتية المدرسية في المناطق الأكثر هشاشة.

كما تؤكد أهمية بناء ذاكرة مؤسساتية للأزمات، عبر توثيق التجارب السابقة واستخلاص الدروس منها، بما يسمح بتحسين جاهزية النظام التعليمي لمواجهة صدمات مستقبلية محتملة.

المدرسة في قلب معادلة الصمود

في النهاية، تخلص الدراسة إلى أن ضمان الحق في التعليم في سياق الأزمات لم يعد مجرد مسألة تدبير إداري، بل أصبح رهانا استراتيجيا يرتبط بقدرة الدولة على بناء منظومة تربوية مرنة وقادرة على الصمود.

فمع تزايد وتيرة الأزمات عالمياً، تبدو المدرسة مطالبة اليوم ليس فقط بتلقين المعرفة، بل أيضاً بالقدرة على الاستمرار في أداء رسالتها مهما تغيرت الظروف، وهو ما يجعل صمود المنظومة التربوية أحد أهم التحديات التي تواجه السياسات التعليمية في المغرب خلال السنوات المقبلة.

إقرأ الخبر من مصدره