0
في واقع يختزل طريقة تدبير قطاع الصناعة التقليدية، خرج كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لحسن السعدي ليوقع اتفاقيات جديدة ويعلن عن ضخ 36 مليون درهم في ما سماه “التحول الرقمي” للقطاع، وكأن أزمة الحرفيين تختزل في غياب بطاقة مهنية إلكترونية أو سجل رقمي.
واقع الحال يقول شيئاً آخر: قطاع يئن، حرفيون يغرقون في الديون، وأسواق تتآكل، فيما المسؤول يوزع الوعود الرقمية ويحتفل بالأرقام.
لقد اختار كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لحسن السعدي، الاستثمار في الواجهة الرقمية بدل معالجة الأعطاب الحقيقية، حيث أن الحديث عن رقمنة الغرف المهنية والسجل الوطني يبدو جميلا في البلاغات الرسمية، لكنه لا يطعم الحرفيين ولا ينقذ المهن المهددة بالاندثار.
إن الحرفي الذي يعجز عن شراء المواد الأولية أو تسويق منتوجه لن تنقذه منصة إلكترونية ولا بطاقة مهنية ممغنطة، وما يجري أقرب إلى محاولة تجميل واجهة قطاع متعب بدل إنقاذه فعليا.
والأكثر إثارة أن مبلغ 36 مليون درهم يُقدم كإنجاز استراتيجي ضخم، بينما الواقع أن القطاع يحتاج إلى مئات الملايين لإعادة هيكلته وإنقاذ آلاف الورشات الصغيرة من الإفلاس، حيث أن توزيع هذا الغلاف المالي على الرقمنة والتكوين والتسويق والتغطية الصحية وتأطير الحرفيين يعني عمليا تشتيته في مشاريع متفرقة دون أثر حقيقي.
النتيجة المتوقعة: ضجيج إعلامي كبير وعائد ميداني ضعيف.
ويواصل كاتب الدولة الترويج لتنظيم معارض في بروكسيل وباريس باعتبارها بوابة لإنعاش تسويق الصناعة التقليدية، غير أن الوقائع الميدانية تكشف أن هذه التظاهرات تحولت في أغلب التجارب السابقة إلى منصات للاستهلاك الإعلامي أكثر من كونها أدوات اختراق حقيقية للأسواق الدولية (..) صور رسمية، أروقة مزينة، وبلاغات احتفالية تنتهي بانتهاء المعرض، بينما يعود الحرفيون إلى واقع اقتصادي خانق يتسم بضعف الطلب الداخلي وعجز شبه تام عن ولوج أسواق التصدير بشكل مستدام.
إن التسويق الخارجي لا يُبنى بجولات موسمية ومعارض ظرفية، بل باستراتيجية تصدير واضحة تستند إلى دعم فعلي لسلاسل الإنتاج، وتأهيل الجودة، وتأمين قنوات توزيع دائمة، وتمكين الحرفيين من شروط تنافسية حقيقي، حيث ما يجري اليوم بمثابة فجوة صارخة بين خطاب رسمي يحتفي بالمعارض والواجهات الدولية، وقطاع يعيش اختلالات عميقة تجعل من هذه التظاهرات محطات تُصرف فيها الميزانيات دون أثر اقتصادي ملموس على دخل الحرفيين أو تموقع المنتوج المغربي في الأسواق العالمية.
ما يجري اليوم في قطاع اجتماعي كبير يكشف ارتباكا واضحا في ترتيب الأولويات داخل كتابة الدولة، ويضع علامة استفهام ثقيلة حول طبيعة المقاربة المعتمدة (..) هل نحن أمام إرادة حقيقية لإنقاذ قطاع يعيش منه مئات آلاف المغاربة، أم أمام سباق لإنتاج أرقام لامعة وبلاغات منمقة تصلح للاستهلاك السياسي؟ (..) ضخ عشرات الملايين في مشاريع رقمية معزولة عن إصلاح اقتصادي جذري لا يعدو أن يكون إعادة تدوير للإنفاق تحت مسمى جديد، فيما الأزمة البنيوية تظل على حالها.
كما أن الميزانية المعلنة قد تتحول سريعاً إلى رقم إضافي في تقارير سنوية، بينما يظل الحرفيون وحدهم في مواجهة غلاء المواد الأولية، وضعف التسويق، وتآكل القدرة الشرائية، ومنافسة غير متكافئة (..) ومن دون رؤية اقتصادية شاملة تعالج جذور الاختلال، تصبح هذه المشاريع أقرب إلى حلول تجميلية تُخفف الضغط الإعلامي مؤقتاً، لكنها تترك القطاع يدفع كلفة سياسات ترقيعية تتكرر كل سنة بلا أثر ملموس.
إن قطاع الصناعة التقليدية لا يبحث عن منصة إلكترونية جديدة بقدر ما تنتظر قرارا سياسيا شجاعا يعيد للحرفي مكانته كفاعل اقتصادي منتج، لا كرقم يُستعرض في المناسبات ولا كصورة تُلتقط في معارض موسمية (..) الواجهة الرقمية لن تنقذ ورشات تغلق أبوابها، ولن تعوض غياب رؤية اقتصادية واضحة تعالج التمويل والتسويق وسلاسل الإنتاج.
ومن دون إرادة إصلاح حقيقية تضرب في عمق الاختلالات، ستبقى الاتفاقيات تُوقَّع على الورق، والميزانيات تُصرف في عناوين براقة، بينما يستمر القطاع في فقدان توازنه سنة بعد أخرى.
والنتيجة أن الحرفي سيظل الحلقة الأضعف في معادلة تدبير يراكم الشعارات ويؤجل الحلول، في وقت تتآكل فيه مهن عريقة تحت ضغط الإهمال والتنافس غير المتكافئ.