وَثَنُ الشاشة

Écrit par

dans


إدريس القري
I – الإشهار قيدُ التلفزيون.

تتصادمُ في فضاء التلفزيون المعاصر إرادتان متناقضتان: إرادة الربح الفاحش التي تفرضُها المؤسسات الإشهارية الكبرى، وإرادة التنوير التي يُفترضُ أن تضطلع بها القنوات التلفزيونية، باعتبارها أمانة أخلاقية وخدمة عمومية. يُعلنُ هذا التوتر المستمر، الذي يجتاح كل بلدان العالم – باختلاف تبعا لقوة حضور الثقافة والفنون في قلب السياسات العمومية في كل بلد – عن أزمة بنيوية في المجتمع الليبرالي خاصة، تتجاوزُ مجرد البحث عن تمويل لتغطية تكاليف البث، لتصل إلى جوهر تشكيل وعي المواطن المساس بأركان هويته الثقافية. تستحيلُ الشاشة والحالة هذه في ظل هيمنة الإشهار الطاغي، من منبر للإخبار والتربية والتثقيف والترفيه، إلى واجهة غواية ماكرة لترويج الاستهلاك المفرط، وهو ما يضعُ الدولة كوليّة أمر هذه الشاشات، والمجتمع باعتبار طرفه المدني الموازن للسلة، والمثقف باعتباره ضمير فكري وفلسفي نقدي لا يباع ولا يشتى، أمام سؤال المسؤولية الحضارية والجمالية والأخلاقية الوطنية الجسيمة.

هنا يؤكدُ الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، في نظريته حول “الفضاء العام”، أن دخول المصالح الخاصة والمقاولات التجارية إلى صلب وسائل الإعلام يُفسدُ وظيفتها كفضاء للحوار والنقاش العمومي، ويُحولُها من أداة للديمقراطية إلى آلة للهيمنة وللتضليل. ويرى المتخصصون في اقتصاد الإعلام أن الإشهار يُعدُّ “الأكسجين” المالي بالنسبة لتمويل البث المُكلف، لكنه في الوقت ذاته يُمثّلُ “السُّم” الذي يفتكُ بجودة المحتوى. ذلك أن القنوات التلفزيونية تضطرُّ، تحت وطأة الحاجة، إلى “تسطيح” برامجها لضمان أوسعِ قاعدة جماهيرية يطلبُها المُعلن، وتستجيب لها للأسف، أغلبية المشاهدين المتعودين على ما هو مسطح ومبتذل. يُنتجُ هذا الميكانزم ويقوي ظاهرة “الاستلاب الثقافي” حيث يُباعُ المشاهد للمعلن كسلعة، بدل تقديم الخبر والمعرفة والتسلية المعقولة له كحق.

II – اغتيال الإشهار براءةَ الطفولة.

في البيت وببلدنا في أوقات الذروة وعند الإفطار في رمضان خاصة، تقتحمُ الرسائل الإشهارية عقول الناشئة دون استئذان، وتمارسُ عليهم ما يصفه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بـ “العنف الرمزي”. تزرعُ الوصلات الإشهارية في وعي الطفل قيماً مادية ضيقة، فتربطُ سعادته بامتلاك منتج معين، لتخلق بذلك جيلاً “شيئياً” يقدس المظاهر ويحتقر جوهر القيمة الإنسانية الفكرية والأخلاقية والجمالية. تُزيّفُ الإعلانات الواقع، وتُقدمُ نماذج عيش باذخة تصطدمُ بالواقع الاجتماعي المرير للكثير من الأسر، وهو ما يولدُ شعوراً بالاغتراب والحرمان والحقد الاجتماعي نتيجة لذلك.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

فهل من المعقول تقديم اشهار علبة زبدة بعشرين درهما على مائدة أسرة بفيلا وملابس وأثاث يساوي الملايين!؟

انه القبح السمعي البصري في أسوء صوره!

تتحدثُ الباحثة الأمريكية ماري وين، في كتابها “مخدر القابِس”، عن الأثر التدميري للتلفزيون حين يتحولُ إلى جليس أطفال يغذيهم بالإعلانات، إذ تذكر أن الإشهار يُعطِّلُ مهارات التفكير النقدي لدى الطفل، ويستبدلُها بآلية “الاستجابة الشرطية” للمؤثرات السمعية البصرية. الخطير أن هذه العملية التلفزيونية تقوي وتنمي بنيات مجتمع “قطيعي” تسهلُ قيادته وتوجيهه نحو خيارات استهلاكية مكثفة وغير ضرورية، تخدمُ الشركات المتعددة الجنسيات أساساً، وتضربُ في العمق الخصوصيات التربوية والثقافية، التي تحاولُ الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني والمثقفون والفنانون الأصيلون بناءها باجتهاد وكدٍّ طوال سنوات.

يزداد الأمر سوء عندما يتعلق بتلفزيونات دول لازالت ترزح تحت ثقل الأمية والفقر، وعدم تعميم التمدرس وعقم هذا الأخير في تعليم المهارات عوض تقوية تجدر الاستظهار والاجترار.

III – تواطؤ الحكوماتُ وتهميش الحقوق.

تطرحُ علاقة الحكومات بالإعلام تساؤلات ملحة حول “التضحية” بمصالح الشعوب، من أجل توازنات أمنية ومالية واهية أحيانا، لأن وراءها مصالح غير مواطنة ولا هي وطنية. هكذا تفضّلُ بعض الحكومات تشجيع إعلام “الترفيه التخديري” المدعوم بقوة الإشهار، لضمان صرف أنظار الجماهير عن القضايا الحقوقية والفكرية والاجتماعية والسياسية الجوهرية التي يعيشونها. يخدمُ هذا التوجه القديم قدم الكوليزيوم الروماني غرضين اثنين:

1 – توفير تمويل ذاتي للقنوات يُعفي الدولة من عبء الإنفاق عليها كخدمة عمومية.

2 – خلق وعي “مسطح” لا يملك الأدوات النقدية لمساءلة السياسات العمومية، أو وعي مزيف يقضي كل طاقته في طرح أسئلة مُفتعلة وتجزيئية تقذف به في معارك لا جدوى منها.

في هذا السياق يقولُ المفكر نعوم تشومسكي في كتابه “صناعة الموافقة”: بأن وسائل الإعلام تُستخدمُ، وبشكل خاص الإشهار، لتوجيه انتباه الناس نحو تفاهات الحياة، مما يجعلُهم غير قادرين على استيعاب آليات السيطرة التي تُمارسُ عليهم. تصادر أغلب الحكومات حق المواطن في “إعلام ملائم وراقٍ جماليا وفكريا وهادف ترفيهيا، حين تترك الحبل على الغارب للمعلنين والمسيرين المفتقرين لرؤية حضارية ومهنية عالية ووطنية صادقة للتحكم في خارطة البرامج. هكذا يتم حذفُ البرامج الثقافية الجادة لأنها “لا تبيع” ولا “تُدر” مالا، وتُدعمُ برامج “تلفزيون السطحية والفلتات المسيئة لكل شيء والعقيمة إبداعيًا”، لأنها تحقق نسب مشاهدة تثلجُ صدر المعلن، مما يُعدُّ خيانة صريحة للعقد الاجتماعي والتربوي بين الدولة والمواطن، ودعما صريحا لفاقدي حس الذوق والنقد، ليصعد نجم الادعاء وسطحية التوعية والنقد والتحسيس وفتح الأبواب للشباب وغير ذلك من الذرائع المفتقدة لأسس مقنعة.

IV – سيادة الابتذالُ وقهر المبدعين.

تُفرزُ منظومة “الإشهار أولاً” واقعاً مهنياً كارثياً، حيث يُقصى الإعلاميُّ المثقف والناقد الجاد والعالم المقتدر، الذين يرفضُون تحويل مهنتهم إلى “دْلالة” تجارية. يزحفُ نحو الشاشة المتسلقون والانتهازيون الذين يتقنون فن التسويق” والتحسيس الموسمي السطحي، وليس “التنوير” في سموه وحذقه وملائمته وعمقه السهل الممتنع. يغيبُ أصحاب الكفاءات العلمية والحقوقية، ويحلُّ محلهم “مؤثرون” فارغون معرفياً، يملكون القدرة على جذب الإشهار عبر إثارة الغرائز أو اختلاق الفضائح الوهمية.

تُهمَّشُ الأصوات النقدية التي تحذِّرُ من تآكل الذوق العام وتوضع لذلك لوائح غير معلنة لمنعهم من الشاشات العمومية والخاصة للتلفزيون، وتُصنّفُ، في أحسن الحالات، كأصوات “نخبوية” معزولة عن “نبض الشارع”، بينما النبض الحقيقي هو ما تصنعه شركات الإشهار عبر خوارزمياتها المالية. يصفُ السوسيولوجي ز. باومان هذا الوضع بـ “الحداثة السائلة”، حيث تذوبُ، في رأيه، القيم الصلبة والجماليات الرفيعة في سيولة الاستهلاك السريع. وعندها يُصبحُ معيار النجاح هو “العائد المادي” للبرنامج من حيث ابتذاله ومن حيث الإشهار المرافق والمآزر، وليس “الأثر التربوي” أو “الإغناء الثقافي” المرغوب لمساندة مسار التحديث الاستراتيجي على أسس مواطن صلب الوعي والوطنية، وهو ما يقتلُ روح الإبداع ويحولُ التلفزيون إلى مقبرة للمواهب الجادة ومشتل للطفيليين.

V – انهيار الذوقُ وتسطيح الهوية.

يهدمُ الإشهارُ المبتذلُ الذوق العام عبر ترسيخ القبح في صورة جمال، والابتذال في صورة خفة ظل. تفرضُ الوصلات الإشهارية لغة هجينة تفتقرُ إلى الرصانة والعمق، وتستخدمُ رموزاً وطنية ودينية في سياقات تجارية مهينة، مما يُفقدُ هذه الرموز قداستها وقيمتها المعنوية. يُعاني المشاهد من “تشتت انتباه” مزمن، حيث تُقطعُ الأفكار العميقة بفاصل إشهاري عن “مسحوق غسيل” أو “رقائق بطاطس” ناشرة رسالة ضمنية مفادها أن “المَعدة” أهم من “العقل”. وفي هذا المسار يؤكدُ الفيلسوف الفرنسي “غاي ديبور” في كتابه “مجتمع الاستعراض”، أن الحياة بأكملها استُبدلت مع الاشهار في التلفزيون بمجرد صور ترويجية، حيث لم يعد الإنسان يحيا التجارب وإنما يستهلكُ صورها.

يقتلُ هذا النمط من الإعلان والإعلام التلفزيوني الوعي المدني لدى المشاهدين والصغار منهم أساسا، ويحولُ المواطن من فاعل سياسي واجتماعي وثقافي وجمالي منتج للقيم في المجتمع، إلى مجرد “وحَدَة استهلاكية” في قاعدة بيانات شركات الإشهار وكل مستفيد منه ماديا أو سياسيا. يصمتُ الإعلام عن معالجة مشاكل مختلفة، ويُغرقُ الشاشة بصور الرفاهية الزائفة، وهو ما يدعم خلق انفصام بين الواقع المعيش وما تعرضه الشاشة، يؤدي في النهاية إلى انفجارات اجتماعية فوضوية لا هي منظمة ولا هي واعية غالبا ما تكون عنيفة وعدوانية، ناتجة عما نسميه “الإحباط الاستهلاكي”.

VI – يقظة الأممُ واستعادة الشاشة.

ما العمل للخروج من هذا النفق؟

يتطلبُ الخروج من هذا النفق المظلم في نظرنا تشقيقا لبنية تكلست وتجذرت، بنية مفاهيمية وتشريعية وتنظيمية ومعيارية مهنية، لفتح ممكنات كامنة بتعبير الفيلسوف فرانسوا جوليان، بإعادة تعريف “الإعلام العمومي. لربما ينبغي للحكومات الاقتناع بأن الاستثمار في “وعي المواطن” هو الضمانة الوحيدة للأمن الاستراتيجي بعيد المدى. فلا يمكنُ بناء وطن بوعي مزيف وجماهير مدجنة بالاستهلاك. يقتضي الأمرُ تفعيل هيئات ضبط مستقلة تملكُ سلطة “الفيتو” على المحتويات الإشهارية التي تخدشُ الحياء العام الجمالي وليس الأخلاقي بالمعنى الضيق للكلمة والإيديولوجي، أو تضربُ القيم التربوية. هيئات أكثر قوة وتأهيلا ومهنية واستقلالية وتنفيذية وزجرية من الهيآت القائمة بمعايير تكوينها وانتقاء المسؤولين والدارسين والمدبرين فيها.

سيكون من الملائم مثلا وأيضا ابتكار نماذج تمويل مستقلة، تشملُ ضرائب على الأرباح الفاحشة الكبرى لدعم الإنتاج الثقافي والتربوي الرفيع من جهة، وبموازاة ذلك دعم التقييم المسبق لجماليات ورصانة وإبداعية الوصلات الإشهارية المسموح بمرورها من جهة ثانية. علاوة على ذلك لربما سيكون من المفيد تشجيع الأصوات النقدية الجادة وفتح الباب للكفاءات المهمشة، لتقديم بدائل إعلامية تحترمُ عقل وذكاء المشاهد.

إن الدفاع عن “الحق والخير والجمال” في الشاشة ليس ترفاً فكرياً، بل هو معركة وجودية لصيانة كرامة الإنسان من التشييء.

VII – ختاما.

تظلُّ المسؤوليةُ مشتركةً بين الدولة التي يجبُ أن تحمي مواطنيها، والمثقف الذي يجبُ أن يمارس دوره النقدي وان عانى من التهميش والانتقام المقنع والتسفيه المغرض، والمشاهد الذي يجبُ أن يتحلى بـ “الوعي النقدي” لرفض الرداءة ورفض المساهمة في رفع نسب المشاهدة. إن الشاشة التي لا تُربي ولا تُثقف ولا ترتقي بالذوق، إنما هي شاشة ميتة ومساهمة في مقاومة الإصلاح والتحديث والتنمية، وإن ضجَّت بالألوان والأصوات الصاخبة.

إقرأ الخبر من مصدره