محجوبة والتيبارية

Écrit par

dans


عبدالله الساورة
تدوير الحكايات بين الاستنساخ الدرامي والتهافت الفني

منذ عقود طويلة، لم تتوقف السينما والتلفزيون عن إعادة طرح سؤال قديم بلباس جديد: هل ما يزال الفن قادرًا على الابتكار، أم أن الصناعة الدرامية أضحت تميل أكثر إلى استنساخ الأفكار الناجحة؟ داخل مكاتب الإنتاج، حيث تتحكم الأرقام والمشاهدات في مصير المشاريع وسيرورتها، يظهر مصطلح يتردد كثيرًا بين النقاد والكتاب، هو “إعادة تدوير الدراما”. ولا تعني الفكرة فقط إعادة إنتاج فيلم قديم أو مسلسل جديد، وإنما تعني كذلك استعارة بنية درامية كاملة من عمل سابق، مع تغيير الأسماء والأماكن وبعض التفاصيل السطحية. وهذا ما يحدث مع تجربة سلسلة “يوميات محجوبة والتيبارية”، التي تقدمها القناة الثانية في رمضان 2026، من بطولة دنيا بوطازوت وسحر الصديقي.

وتميل الاستوديوهات والشركات والشخصيات الفنية النافذة إلى إعادة استخدام القوالب نفسها التي أثبتت نجاحها تجاريًا. ولا يقصد بذلك الاتهام المباشر بالسرقة، وإنما وصف ظاهرة صناعية كاملة، حيث تتحول القصة إلى نموذج يمكن إعادة إنتاجه مرات عديدة. فالبطل المتردد، الرحلة الخطرة، الخصم الغامض، والانتصار الأخير، والبدوية بلهجتها، والفكرة التي لاقت النجاح في العام الماضي يُعاد استنساخها هذا العام… كلها عناصر أصبحت شبه ثابتة في الكثير من السلاسل والمسلسلات والأفلام التي تحاول إعادة إنتاج ذاتها. وهذا ما حصل مع سلسلة “يوميات محجوبة والتيبارية”، من إعادة تدوير لمسلسل “جوج وجوه” الذي عُرض خلال رمضان 2025 على القناة الثانية.

ولا يُنظر إلى الاستنساخ دائمًا باعتباره خطيئة فنية، فكثير من المنتجين يرونه جزءًا طبيعيًا من تاريخ الدراما، وأن الدراما بُنيت فكرتها منذ البداية على إعادة الحكايات. فالعديد من الأعمال الدرامية والأفلام أعادت صياغة أساطير قديمة عن الفروسية والشرف، وأفلام العصابات، والأسرة، وقصص تاريخية، والهجرة، والقرى المهمشة… كما استعارت من التراجيديا الكلاسيكية. لكن الفرق أن الاستلهام كان يتحول إلى رؤية جديدة، بينما بعض الأعمال، كما هو الحال في سلسلة “يوميات محجوبة والتيبارية”، اكتفت بإعادة نفس البناء تقريبًا دون تغيير يذكر في بناء الشخصيات، والأداء، والتقمص، واللباس، والأجواء… وكأننا نشاهد حلقة مضافة من مسلسل “جوج وجوه”.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

وفي ظاهرة الاستنساخ والتدوير، ما يحدث ليس استنساخًا محضًا، بل هو “لغة مشتركة” داخل الدراما. فكما أن الروايات تستخدم أنماطًا سردية معروفة، كذلك تفعل الدراما والسينما. ومع ذلك، يُلاحظ أن الفرق بين الاستلهام والاستنساخ يكمن في الجرأة الفنية. فلا يخفي العمل المبدع جذوره، وإنما يحولها إلى تجربة مختلفة.

وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في أفلام ضخمة الإنتاج. وكمثال مرجعي كبير، فحينما حقق فيلم “حرب النجوم” / “Star Wars” نجاحًا هائلًا، بدأت موجة من الأفلام التي تحاول تقليد تركيبته: بطل شاب، قوة خفية، إمبراطورية شريرة، ومعركة نهائية في الفضاء. وبعض هذه الأعمال كان واضحًا في استنساخها لدرجة أن بعض النقاد وصفوها بأنها “نسخة كونية رخيصة”. ومع ذلك، يشير مؤرخو السينما إلى أن الفيلم نفسه استلهم الكثير من أفلام الساموراي اليابانية ومن مغامرات الثلاثينيات في القرن العشرين.

والأمر ذاته تكرر عندما صدر فيلم “ماتريكس” / The Matrix، إذ امتلأت السينما لاحقًا بأبطال يرتدون المعاطف السوداء ويتحركون ببطء داخل عالم رقمي. وأن نجاح فيلم أو مسلسل ما يشبه رمي حجر في بحيرة هادئة، فالموجات لا تتوقف عن الاتساع، وتبدأ الاستوديوهات في البحث عن الصيغة السحرية نفسها.

ولا تكمن المسألة في الجانب الاقتصادي فقط، ولكنها نفسية أيضًا. فكثير من الكتاب يدخلون الصناعة الدرامية وهم متأثرون بأفلام نشأوا عليها. وعندما يكتبون قصصهم الأولى، تتسلل تلك الأعمال إلى نصوصهم دون وعي كامل. وقد كتب ذات مرة الروائي والسيناريست William Goldman أن الكاتب في هوليوود يحمل داخله مكتبة كاملة من الأفلام. وعندما يكتب، تختلط ذاكرته بخياله، فيظهر شيء مألوف رغم محاولته الابتكار. والسؤال: هل كانت دنيا بوطازوت تحمل خزانة خيالية لشخصية القروية التي لا تكاد تفارقها، فتنتقل بها من عمل فني إلى آخر، في صناعة نوع من النمطية القاتلة للممثل؟

وفي المقابل، قد يرى البعض أن الحديث عن “أزمة أصالة” داخل الأعمال الدرامية مبالغ فيه، وأن الاعتقاد السائد أن كل الفنون قائمة على إعادة صياغة القصص القديمة. ويُذكر أن المأساة الإغريقية نفسها كانت تروي الأساطير ذاتها مرارًا، ومع ذلك لم يتهم أحد كتابها بالاستنساخ. والسؤال الحقيقي: هل القصة جديدة؟ وهل طريقة روايتها تمنحها حياة مختلفة؟ ذاك هو السؤال.

غير أن هذا الدفاع لا يقنع الجميع، فقد أصبحت الصناعة الدرامية اليوم أكثر خوفًا من المغامرة. فشركات الإنتاج تفضّل الاستثمار في فكرة أثبتت نجاحها بدل المخاطرة بعمل غير مضمون. وفي هذا السياق، تميل الدراما التجارية والسينما التجارية إلى ما يسمى “الأمان السردي”، أي تكرار ما نجح سابقًا لضمان أرباح مستقبلية. وهنا نجد الشركة المنتجة ودنيا بوطازوت والقناة الثانية تراهن على متابعات جماهيرية، كما حدث مع سلسلة “جوج وجوه” وبنفس الوجوه وبذات النمط… في عملية مكشوفة لتلاقي المصالح…

ومن الأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها كإطار مرجعي، تكرار القصص في أفلام الأبطال الخارقين. فمنذ نجاح فيلم “الرجل الحديدي” / Iron Man، أصبحت بنية الفيلم شبه ثابتة: بطل يكتشف قوته، خصم يشبهه، معركة نهائية ضخمة، ثم وعد بجزء جديد. ولا يعني ذلك أن جميع هذه الأفلام متشابهة تمامًا، لكنها تتحرك داخل إطار درامي يكاد يكون واحدًا. وهذه التجارب العالمية نفسها تتكرر بمستويات في أعمال درامية محلية وبمستويات مختلفة.

ومع ذلك، تظهر أحيانًا أعمال تكسر هذه الدائرة. فبعض المخرجين يحاولون استخدام القوالب القديمة بطريقة مختلفة. فعندما قدم فيلم Inception / “بداية” للمخرج كريستوفر نولان، بدا واضحًا أنه يستعير عناصر من أفلام السطو الكلاسيكية، لكنه نقلها إلى عالم الأحلام والذاكرة. وهنا يصبح الاستلهام وسيلة للابتكار بدل أن يكون مجرد تكرار.

ويشبه الفرق بين التقليد والإبداع الفرق بين الصدى والصوت الأصلي. فالصدى يكرر النغمة نفسها، بينما الصوت الجديد يخلق طبقة مختلفة. فالدراما الجيدة التي تكتفي بالاستنساخ تتحول إلى صناعة بلا روح، أما الدراما التي تعيد تشكيل الأفكار فتبقى حية.

وتبقى الحقيقة التي يرددها كثير من كتاب الدراما بسيطة لكنها عميقة: لا توجد قصة لم تُروَ من قبل، لكن هناك دائمًا طريقة جديدة لروايتها. وبين الاستلهام والاستنساخ مساحة دقيقة، وفي تلك المساحة يتحدد ما إذا كان العمل الدرامي سيصبح مجرد نسخة أخرى وتجربة للتهافت، التهافت… أم عملاً يعيش طويلًا في ذاكرة المشاهدين. وفي هذا السياق يمكن وضع تجربة “يوميات محجوبة والتيبارية”…

إقرأ الخبر من مصدره