2026 على الأبواب.. التسخينات الانتخابية تكشف فجوة الثقة في المجالس الجماعية

Écrit par

dans

يوما بعد يوم يظهر أن الواقع السياسي في المغرب معقد ومزيج بين الجدية الشكلية والارتباك العملي، فمن ناحية، لدينا مؤسسات ديمقراطية، برلمان، مجالس جماعية وجهوية، وأحزاب سياسية، لكن الممارسة العملية كثيرا ما تكشف فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة.

أي متتبع للأخبار، سيرى أن الكثير من الجماعات المحلية تعيش أزمة نزاهة وحكامة، تبادل للاتهامات بـ”الفساد”، تأخر في مستوى الشفافية والمحاسبة، غيابات متكررة للمستشارين، غير أن هذا في مجمله لا يعني فقط سوء إدارة، بل غالبا انعكاس لمنطق التمركز في السلطة ومراكمة المصالح الشخصية على حساب المواطن.

وللأسف، الواقع ليس جديدًا، كما كتب الصحفي أحمد الأشعري في جريدة الاتحاد الاشتراكي سنة 1995، أي قبل أكثر من ثلاثين سنة: “لو نصبنا كرسي اعتراف للكثير من رؤساء الجماعات، وبعض نوابهم و«الشطار» المستشارين، أو نومناهم مغناطيسيًا لينطقوا بالمستور؛ لاكتشف الرأي العام أنهم يسرقون كل يوم ألف مرة، ويضربون في مريطتهم… لهم وجهان في الحضور يثنون ويمدحون، وفي الغائب ينمون ويقدحون. وباسم الديمقراطية، تنشر المصلحة العامة بمنشار، ونبقى أصوات الشرفاء المنددة تعترض المنشار…”.

يُظهر هذا الاقتباس أن التناقض بين الخطاب السياسي والممارسة العملية، وسوء تدبير المال العام، لم يكن وليد اليوم، بل هو واقع يستمر منذ عقود، ومع ذلك، لا زال المواطنون يعايشون نفس السيناريو، مع تكرار الخلافات والاتهامات داخل المجالس الجماعية في 2026، مما يطرح سؤالاً محوريًا: هل ستظل هذه المؤسسات مجرد مسرح للتمركز السياسي ومراكمة المصالح الشخصية، أم أن هناك أفق لتجديد حقيقي للنخبة السياسية؟

من بين الفاعلين السياسيين، أصبحنا نرى الكثير منهم قد تحولوا من خدامين للمواطنين إلى “مقاولين للنفوذ”، يجمعون بين مناصب متعددة لتوسيع مجال سلطتهم واستعمال المؤسسات لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية، وهذا لا يضر فقط بالصالح العام، بل يضعف شرعية الدولة الديمقراطية ويقوض الثقة في المؤسسات.

كما أشار الدكتور عبد الرحيم العماري في وثيقته “السخرية والسياسة: من آليات التواصل السياسي”، السياسة ليست دائمًا وقارًا وجدية؛ فالهزل والسخرية يمكن أن تكشف المفارقة بين الخطاب والممارسة، وتفضح التناقض بين ما يُعلن وما يُمارس بالفعل.

ومع اقتراب الانتخابات القادمة، تتحول المجالس الجماعية إلى ما يشبه حلبة “التسخينات الانتخابية”؛ إذ يشتد السجال بين الأحزاب، حتى تلك المتحالفة منها، ويصبح تبادل الاتهامات والخلافات عنوان المرحلة، قبل أن تبدأ الحملات الانتخابية رسميًا. هذه الدينامية تظهر بوضوح كيف تتحول المؤسسات المحلية أحيانًا إلى منصة للتموقع السياسي والمصالح الشخصية، على حساب خدمة المواطنين.

الجانب الإيجابي، وإن كان محدودًا، هو وجود بعض الأصوات النقدية داخل المجالس، وبعض الصحافة التي تتابع هذه الملفات، بما في ذلك استخدام السخرية كأداة لكشف الفساد وسوء التدبير. لكنها جهود فردية غالباً ما تصطدم بشبكة مصالح مترابطة داخل الأحزاب أو المجالس، ما يجعل تجديد النخبة السياسية ضرورة عاجلة.

باختصار، المغرب يحتاج اليوم إلى إعادة نظر في حكامة الجماعات المحلية، وتفعيل آليات المساءلة، وخلق بيئة تسمح بتجديد النخبة السياسية، لأن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.

أمام هذا الواقع، يطرح المقال أسئلة لا بد من التفكير فيها: هل المواطن مجرد متفرج على المسرح، بينما تُدار الأمور خلف الكواليس؟ كيف يمكن بناء حكامة محلية شفافة ومسؤولة في ظل نخبة سياسية تضع مصالحها قبل المصلحة العامة؟ وهل ستظل السلطة في المغرب، سنة 2026، مسرحًا للتمركز الشخصي بدل أن تكون وسيلة لخدمة المواطنين؟

الرسالة واضحة: كل فضيحة، كل تبادل للاتهامات، وكل سوء تدبير، ليس مجرد نزاع داخلي، بل مرآة لما يحدث عندما تتحول السلطة إلى أداة لتمركز المصالح الشخصية، وتصبح الحكامة مجرد شعار يُتداول في البيانات الرسمية.

إقرأ الخبر من مصدره