
عبدالله الساورة
في زمن تتكدّس فيه الشاشات بالقصص، وتتنافس المنصات الرقمية على خطف انتباهنا، تصبح الدراما الرديئة أكثر من مجرد عمل فني ضعيف. إنها مرآة لقلق السوق حين يبتلع الخيال، بواجهة برّاقة تخفي خواءً عاطفيًا عميقًا. وتتحرك الشخصيات فيها كدمى بخيوط خفية، والحبكات كعواصف مصطنعة تثير الغبار ولا تمطر معنى، فنتورط في متابعتها. وإيقاع هذه الدراما صاخب، والصورة لامعة، لكننا نخرج منها بشعور خفي بالفقدان، كأن شيئًا إنسانيًا سُرق منا بهدوء.
ويتردد هنا صدى قول David Simon، الصحافي الاستقصائي والمنتج الأمريكي ومبتكر مسلسل The Wire / “التنصت”، حين أكد أن: “أسوأ ما يمكن أن تفعله الدراما هو أن تستخف بذكاء جمهورها”. فالاستخفاف هو الشرخ الأول الذي تتسرب منه الرداءة، حيث يتحول الألم إلى مؤثر صوتي، والحب إلى مشهد عابر، والإنسان إلى رقم في معادلة نسب المشاهدة. وعندها لا تبقى الدراما فناً، وإنما تصبح ضجيجاً أنيقاً بلا روح.
قليل من القول، كثير من الصراخ
لا يُقصد بالدراما الرديئة مجرد عمل لم يحقق نجاحاً جماهيرياً أو لم ينل جوائز مرموقة، وإنما إلى نمط إنتاجي وجمالي يتخلى عن جوهر الفن الدرامي لصالح الوصفة السهلة والربح السريع. ويتكرر توصيف الدراما الرديئة باعتبارها دراما تفتقر إلى العمق النفسي، وتستبدل التعقيد الإنساني بالقوالب الجاهزة، وتستثمر في الإثارة السطحية بدل البناء التراكمي للمعنى. وذلك حال مسلسل “بنات لالة منانة” (الجزء الثالث)، وسلسلة “المرضي”، و”الثمن”، والفيلم التلفزي “هنية ومبارك ومتعوس”…
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
ولا تُقاس الرداءة بميزانية العمل، بل بمدى صدقه الفني. فحين تتحول الشخصيات إلى أدوات وظيفية تخدم حبكة مصطنعة، يفقد النص روحه، مثل شخصيات مسلسل “بنات لالة منانة” وسلسلة “المرضي” و”الثمن”… تصبح الدراما الرديئة وفق هذا المنظور هي التي تفتعل الصراعات بدلاً من أن تنبع من منطق داخلي متماسك. وهي دراما تصرخ كثيراً لكنها لا تقول شيئاً. وأخطر ما في هذا النوع من الأعمال هو قدرتها على إقناع المشاهد بأنه أمام مادة عميقة، بينما هو في الحقيقة أمام خطاب عاطفي مبتذل يعيد إنتاج الصور النمطية.
وتميل شخصيات مسلسل “بنات لالة منانة” المكررة والمستهلكة، وسلسلة “المرضي”، وسلسلة “الثمن”، والفيلم التلفزي “مبارك وهنية ومتعوس”… بصفتها دراما رديئة، إلى المبالغة الميلودرامية غير المبررة. فالدموع تتساقط بلا سياق حقيقي، والضحك يتعالى بلا موجب، والانقلابات الدرامية تأتي كصدمات مصطنعة هدفها الحفاظ على نسب المشاهدة لا تطوير الحدث. وتعتمد هذه المسلسلات على استراتيجية cliffhanger (نهاية معلقة ومتوترة) في نهاية كل حلقة، ليس لضرورة سردية، وإنما لإجبار الجمهور على الاستمرار في المتابعة ضمن منطق المنصات الرقمية التي تقيس النجاح بعدد الساعات المشاهدة.
دراما الكتابة الكسولة واقتصاد المشاهدة
هناك توصيف لما يسميه بعض النقاد “بالكتابة الكسولة”، أي نصوص تعتمد على حوارات تفسيرية تشرح للمشاهد ما يجب أن يشعر به، بدلاً من أن تتركه يكتشف ذلك عبر الصورة والإيقاع. والكاتب الأمريكي ديفيد سيمون، المعروف بعمله في The Wire (التنصت)، صرّح في أكثر من مناسبة أن “أسوأ ما يمكن أن تفعله الدراما هو أن تستخف بذكاء جمهورها”. وبالنسبة له، الرداءة “تبدأ حين يُختزل الواقع الاجتماعي المعقد في ثنائيات خير وشر، بلا طبقات ولا تناقضات”.
كما تُعتبر الخلفيات التجارية عاملاً حاسماً في إنتاج الدراما الرديئة. فالشركات المنتجة والمنصات الرقمية تسعى إلى محتوى قابل للتصدير السريع. وهنا تصبح المعايير السوقية أقوى من الاعتبارات الفنية. ويتم الحديث عن “اقتصاد المشاهدة”، حيث يتحول النص إلى منتج مصمم وفق خوارزميات تفضيلات الجمهور. وهذا ما يدفع بعض الكتّاب وكتاب السيناريو إلى إعادة تدوير قصص سبق نجاحها، مع تغيير طفيف في البيئة أو الشخصيات. وتكون النتيجة أعمالاً متشابهة تفقد فرادتها وتعيش على صدى نجاح سابق.
الدراما الرديئة: التضخم السردي والحشو والتكرار
تتسم الدراما الرديئة كذلك بضعف البناء البنيوي. فهي تبدأ بفكرة مثيرة لكنها تعجز عن تطويرها عبر حلقات أو مواسم متلاحقة. وفي مراجعات نقدية لمسلسلات طويلة بثتها القناة الأولى أو القناة الثانية (الدوزيم) أو منصات رقمية، يتم التطرق إلى ظاهرة “التضخم السردي”، حيث يتم تمديد القصة لأسباب تجارية رغم أن مادتها الأصلية لا تحتمل ذلك. وهذا التمديد يؤدي إلى حشو الأحداث بشخصيات ثانوية بلا ضرورة، وإلى تكرار الصراعات ذاتها بصورة مملة.
أما على مستوى الصورة، فتظهر الرداءة في الاستخدام الزخرفي للتقنيات. فالمؤثرات البصرية مكلفة لكنها بلا معنى، يصاحبها موسيقى صاخبة تحاول تعويض غياب التوتر الحقيقي. ويتم التأكيد على أن الإفراط في التقنيات قد يخفي خواء النص، لكنه لا يعالجه. ويقوم الفن الدرامي على الاقتصاد والتكثيف، لا على الإغراق في المؤثرات.
وترتبط الدراما الرديئة بغياب الرؤية الأخلاقية، ليس بمعنى الوعظ، وإنما بمعنى غياب موقف واضح من العالم ومن الأحداث، حيث تتحول الدراما إلى استثمار في العنف أو الإثارة الجنسية فقط، وبذلك تفقد قدرتها على مساءلة الواقع. وهنا يستحضر كثيرون المقارنة مع أعمال تُعتبر معياراً للجودة، حيث تطور الشخصية كان نتيجة حتمية لمسار داخلي معقد، لا نتيجة قرار فجائي لرفع نسب المشاهدة.
وفي السياق نفسه، تستسلم الدراما الرديئة لمنطق التمثيل السطحي للهويات. فهي تقدم تنوعاً شكلياً يخدم خطاباً تسويقياً أكثر مما يعكس تجربة إنسانية حقيقية. حيث يتم إدراج شخصيات من خلفيات مختلفة، لا يكفي إذا لم تُمنح عمقاً سردياً حقيقياً.
ومع ذلك، لا يتفق الجميع على تعريف واحد للرداءة الدرامية، فهناك من يرى أن الحكم الجمالي نسبي، وأن ما يعتبره ناقد عملاً سطحياً قد يراه جمهور واسع معبراً عن تجربته. غير أن القاسم المشترك في هذه الأعمال المقدمة هو الربط بين الرداءة وغياب المخاطرة الفنية. فتُخاطر الدراما الجيدة بالبناء وبالإيقاع وبالموضوع، بينما الرديئة تبحث عن الأمان السردي في الوصفات المجربة أصلاً.
ختامًا
في المحصلة، تبدو الدراما الرديئة في الخطاب النقدي المغربي نتاج توازن مختل بين الفن والسوق والاحتكار، حين يهيمن الاعتبار التجاري على القرار الإبداعي. ويصبح النص خاضعاً لمعادلات الربح والخسارة. وحين يتراجع دور الكاتب كمبدع لصالح فريق تسويق يقيس كل مشهد بمعيار قابلية الانتشار، تفقد الدراما جوهرها بوصفها فناً يعبر عن قلق الإنسان وأسئلته. وهكذا تتحدد الرداءة ليس فقط في ضعف التقنية أو هشاشة الحبكة، وإنما في فقدان الرؤية والصدق. إنها دراما تبدو مكتملة من الخارج لكنها فارغة من الداخل. وتشبه الدراما الرديئة سلعة مصقولة في واجهة عرض برّاقة، لكنها تخفي وراءها فراغاً لا يملؤه إلا ضجيج اللحظة العابرة.