مِعراجُ العارِفِ

Écrit par

dans


أحمد بلحاج آية وارهام
المقدمة إشراقُ الأزل في مِرآةِ القُدُس

في البدء كان الحب ،و​لم يكن الوجودُ إلا تنهيدةً من شوقِ “الكنز المخفي” لِيُعرف، ففاض الوجودُ من فيضِ المحبة. إنّ العارف الصوفي لا ينظر إلى العالم بوصفه ركاماً من المادة، بل بوصفه “قصيدة إلهية” قافيتها الوجود ووزنها التجلي. ومن هنا، فإن أي ذرة كراهية تدخل القلب هي “نشاز” في هذا اللحن الكوني، وخروجٌ عن وحدة الوفاق التي بنيت عليها السماوات والأرض.

​الفصل الأول المرآة والحجاب

​يؤمن أهل الإشراق أن قلب الإنسان هو “بيت الرب” و”عرش الاستواء المعنوي”. هذا القلب خُلق ليكون مرآةً مجلوّةً تنعكس فيها أسماء الجلال والجمال. ولكن، ما هي النوازع النفسية من حقد وبغض؟

إنها ليست سوى “صدأ” كثيف يغشى سطح المرآة. الحقد هو “تكثيف للأنا”، هو اللحظة التي ينسى فيها الإنسان أنه ظلٌّ للمحبوب، فيظن أنه مركز الوجود، ويبدأ في تقسيم الخلق إلى “محبوب لخدمته” و”مبغوض لمخالفته”.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

العارف يدرك أن الحقد هو “عدم”، بينما المحبة هي “وجود”. الكراهية هي غياب النور، كما أن الظلمة ليست شيئاً بحد ذاتها بل هي غياب الشمس. لذا، فالذي يمتلئ قلبه بالبغض يعيش في “عدمية روحية”، إنه ينفصل عن تيار الوجود الساري، فيجف غصنه ويذبل إشراقه، حتى يخرج من “دائرة الإنسانية”؛ لأن الإنسانية هي “الربط”، والكراهية هي “القطع”.

​الفصل الثاني لماذا لا يحقد العارف؟

​هنا يكمن السرُّ الذي يميز العارف عن “العابد التقليدي”. العارف الصوفي يشهد “وحدة الفاعل”. هو يقرأ في لوح الحقيقة أن “لا مؤثر في الوجود إلا الله”.

حين يواجهه شخص بالإساءة، أو يرى مارقاً عن الطريق، لا ينظر إلى “الصورة الظاهرة” (العبد)، بل ينظر إلى “اليد المحركة” (القدر).
​إدراك المشيئة: العارف يدرك أن هذا الذي أساء إليه هو “آلة” أجراها الحق لمصلحةٍ يراها هو ويجهلها العبد. قد تكون لتطهيره من كبر، أو لرفع درجات صبْرِه.

أدب المعارضة: يرى العارف أن كراهية “فعل الرب” في خلقه هي نوع من سوء الأدب مع الملك. فإذا كان الله قد “أراد” لهذا العبد أن يضلّ حيناً، أو أن يكون خشناً في طبعه، فمن هو العبد الصغير ليعترض بقلبه على مشيئة الكبير؟

إن الحقد هو “اعتراض صامت” على الله. لذا، ينأى العارف بنفسه عن هذا الضيق، ويستبدله بـ “الشفقة”. هو يكره “المرض” (المعصية) لكنه يرحم “المريض” (العاصي)، بل يرى أن المخطئ أحوج ما يكون إلى دعاء السرّ منه إلى سياط الهجر.

​الفصل الثالث الكراهية خروج عن الفطرة وارتداد نحو البهيمية

إن ​الذي يكره نفسه وغيره، ويصبّ جام غضبه على العالم، هو إنسان انطفأ فيه “السرّ الرحماني”. الكراهية تضيق بالوجود حتى تراه خُرم إبرة. هي سجنٌ انفرادي يشيّده المرء لنفسه بآجرٍّ من نار.

العارف يقول: “من كره العالم فقد جهله”. لأن العالم بكل ما فيه من تناقضات، من خير وشر، من ضياء وظلام، هو “تجلٍّ كامل” للحكمة الإلهية.

سقوط الإنسانية: الإنسان هو الكائن الوحيد الذي حُمّل “الأمانة”، وأساس الأمانة هو “الوصل”. فإذا قطع الإنسان حبال الوصل بالبغض، فقد عاد إلى طور الحيوانية المفترسة التي لا تتحرك إلا بدوافع الغضب والشهوة.

نور المحبة: المحبة هي التي تمنحنا “البصر الروحاني”. المحب يرى الجمال حتى في الانكسار، ويرى الرحمة حتى في المنع.

​الفصل الرابع كمال الحب ونقصان البغض..

كيمياء التحول

يقول العارفون: “الحب كمال، والكمال لا يبغض”.

لماذا؟ لأن البغض نقصٌ في الرؤية. أنت تبغض الشخص لأنك لم ترَ فيه إلا جانباً واحداً مظلماً، لكن لو فُتحت بصيرتك لرأيت فيه “القبضة الإلهية” التي كوّنته، ولرأيت فيه “الروح” التي نفخها الله فيه.

العارف وصل إلى حالة من “الامتلاء بالحق”، والممتلئ لا يتسع لغير ما امتلأ به. الشمس لا تبغض الكهوف المظلمة، بل تفيض عليها بالنور لتبدد ظلامها. وهكذا العارف، هو “شمس روحية” لا تعرف البغض، لأن البغض يتطلب “انفصالاً”، والعارف يعيش في “اتصال”.

​الفصل الخامس معراج السالك نحو طهارة السرّ

​للوصول إلى هذا التسامي، يمر العارف بمراحل:

-​المجاهدة: فطم النفس عن رؤية الأغيار.

-​المشاهدة: رؤية الجمال الإلهي في كل وجه.

-​المسالمة: أن يسلم الخلق من لسانه وقلبه، فلا يرى نفسه خيراً من أحد.

الحقد ثقل يمنع الروح من العروج. والروح الصوفية هي “طائر قدسي” لا يحلق إلا بجناحي الرضا والتسليم. فكلما تخلص السالك من ثقل الضغينة، خفّت روحه حتى تتحد بالملأ الأعلى، هناك حيث لا حقد، لا غل، ولا كراهية، بل “سلامٌ سلام”.

​الفصل السادس الحقد انتحارٍ للروح

​يقول أهل الكشف إن الوجود سارٍ بالرحمة، فمن حقد فقد عاند تيار الوجود. إن الحاقد لا يكره الآخرين فحسب، بل هو في حقيقته “معترضٌ على التجلي”. حين تبغض إنساناً، فأنت تبغض “الصورة” التي أقامها الحق فيها.

العارف يرى أن الحاقد يخرج من “دائرة الإنسانية” لأنه يفقد صفة “المرآتية”؛ فالإنسان الكامل هو الذي يتسع قلبه لكل الصور، أما الحاقد فقلبه ضيق لا يسع إلا “أناه”. هذا الضيق هو “الجحيم” التعجيلي؛ فالمبدأ الصوفي يقول: “الجنة هي سعة القلب، والنار هي ضيق النفس”.

​الفصل السابع لماذا يبتسم العارف لمن آذاه؟

ررز العارف لا يحقد حتى على “المارقين” لأن عينه شاخصة نحو “القدر”.

رؤية التوحيد في الفعل: العارف يرى أن المحرك واحد. إذا رماه أحدٌ بحجر، لم ينظر إلى الحجر ولا إلى اليد، بل نظر إلى “الرامي الحقيقي” الذي أراد اختبار صدقه في المحبة.

الأدب مع الله: يدرك العارف أن الله لو شاء لهدى الناس جميعاً، لكنه أراد التنوع في التجليات (=مضلّ وهادٍ، ضارّ ونافع). فإذا أبغض العارفُ “المضلّ” لذاته، فقد عارض حكمة “المضلّ” (الاسم الإلهي). لذا، يترفع العارف عن البغض ويستبدله بالدعاء، فيكون في حال “الموافقة” الدائمة للمشيئة الإلهية، وهو ما يسمى بـ “مقام الرضا الصرف”.

​الفصل الثامن الكراهية نقصان.. والحب كمال

​الحب عند العارف ليس عاطفة، بل هو “وعيٌ وجودي”.

اما الكره ف​نقصان ينبع من “رؤية الغيرية”، أي أنك ترى الآخر منفصلاً عنك وعن المصدر. وهذا نقص في المعرفة.

فمن كملت معرفته شهد أن الوجود كله خيوط في نسيج واحد. ومن هنا، “من كمل لا يبغض”، لأن البغض يقتضي وجود “عدو”، والعارف لا عدو له إلا “نفسه التي بين جنبيه” حين تحجب عنه نور ربه.

خاتمة دعاء الوجد

إلهي، اجعل قلبي مأوىً لمحبتك، ولا تجعل لنوازع خلقك فيه نصيباً. طهرني من رؤية ‘الأنا’ حتى لا أحقد على ‘غيري’، واكشف لي عن سرّ حكمتك في عبادك، لأرى الكلّ بعين الرحمة، والكلّ بقلب المودّة. فأنت الذي وسعت كل شيء رحمة وعلماً، فاجعلني من أهل الوسعة لا من أهل الضيق.

إقرأ الخبر من مصدره