مع اتساع رقعة المواجهات في الشرق الأوسط خلال الأيام الأخيرة، بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وارتفاع منسوب التوتر في محيط الممرات البحرية الاستراتيجية (مضيق هرمز)، بدأت الارتدادات الاقتصادية تصل إلى دول بعيدة جغرافيا عن ساحات القتال، من بينها المغرب، الذي يجد نفسه مجددا في مواجهة صدمة خارجية مصدرها أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
ففي ظل الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط بالأسواق العالمية نتيجة المخاوف المرتبطة بالإمدادات، يبرز التحدي الأكبر بالنسبة للاقتصاد الوطني، في تضخم فاتورة الاستيراد الطاقي، على اعتبار أن المملكة تعتمد بشكل شبه كلي على الخارج لتلبية حاجياتها من النفط والغاز، وكل زيادة في سعر البرميل تعني مباشرة اتساع العجز التجاري وارتفاع الضغط على احتياطات العملة الصعبة، وهو ما قد ينعكس بدوره على توازنات الميزانية العامة.
الانعكاسات لا تقف عند حدود الطاقة، إذ إن اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين في الممرات الحيوية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، يهددان برفع كلفة استيراد مواد أساسية، من الحبوب إلى المواد الأولية الصناعية، ومع أن المغرب نسج خلال السنوات الأخيرة شراكات متنوعة لتأمين وارداته، إلا أن طبيعة الاقتصاد المفتوح تجعله عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، خاصة في سياق جيوسياسي متوتر، مثل الذي نعيشه في هذه الأيام.
داخليا، تضع هذه التطورات الحكومة، التي تعيش عامها الأخير، أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية من جهة، وضبط عجز الميزانية من جهة أخرى، فارتفاع أسعار المحروقات عالميا غالبا ما يتسلل إلى باقي القطاعات عبر تكاليف النقل والإنتاج، ما يغذي موجة تضخمية جديدة في حال استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط.
وفي حال اضطرت الدولة إلى توسيع نطاق الدعم أو تحمل كلفة إضافية في صندوق المقاصة، فإن ذلك سيضغط على الموارد العمومية ويعيد النقاش حول أولويات الإنفاق.
الأسواق المالية لم تكن بمعزل عن هذه الأجواء؛ إذ تسود حالة من الحذر في أوساط المستثمرين، مع ميل عام نحو تقليص المخاطر في الفترات التي يسودها عدم اليقين، ورغم أن الاقتصاد المغربي لا يرتبط مباشرة بجبهات القتال، إلا أن أي تباطؤ في الاقتصاد العالمي أو تراجع في الطلب الأوروبي قد يؤثر على الصادرات الصناعية والفلاحية، ويحد من دينامية بعض القطاعات الموجهة نحو الخارج.
في المقابل، يرى متتبعون أن المغرب راكم خلال السنوات الماضية هوامش أمان نسبية، سواء عبر تنويع شركائه التجاريين أو تعزيز الاستثمارات في الطاقات المتجددة، ما قد يخفف جزئيا من أثر الصدمات النفطية. غير أن استمرار الحرب واتساع نطاقها سيجعلان سنة 2026 اختبارا حقيقيا لقدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الارتدادات الخارجية دون المساس بالاستقرار المالي والاجتماعي.
في هذا السياق، قال الحسين اليماني، المهتم بقضايا سوق البترول والغاز والقيادي النقابي في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إن المنطقة التي تشهد الحرب الدائرة حالياً في الشرق الأوسط تُعد موقعاً أساسياً لإنتاج النفط والغاز، ومن جهة أخرى تحتضن أهم الممرات التجارية العالمية، خاصة في ما يتعلق بتجارة النفط والغاز، وبالتالي، فإن أي إشكال أمني في هذه المنطقة قد يكون له أثر مباشر على السوق العالمية وعلى أسعار هذه المواد.
وأضاف المتحدث ذاته: “وهذا ما لاحظناه منذ الهجمة الأولى على إيران، إذ قفزت أسعار برميل النفط وكذلك أسعار الغاز الطبيعي، وأصبح الوضع أكثر تعقيداً عندما تحولت مناطق الإنتاج، بما فيها المصافي الخاصة بتكرير البترول والغاز، إلى مسرح مباشر لهذه المواجهات، ما أدى إلى ارتفاع سعر النفط الخام إلى 13 دولاراً للبرميل. لكن الأخطر هو ارتفاع أسعار المواد المكررة بشكل أكبر، حيث قفز طن من الغازوال، من 750 إلى 1000 دولار أمس الثلاثاء. وإذا قمنا بحساب بسيط، فإن سعر لتر الغازوال في السوق العالمية ارتفع بحوالي 3 دراهم مغربية، وهذا الارتفاع مرشح للتفاقم إذا استمرت الحرب زمنياً وتوسعت جغرافياً لتشمل دولاً أخرى”.
وأوضح اليماني قائلاً: “نحن نعلم أن هجوم الولايات المتحدة الأمريكية على إيران ليس هدفه ما تم الإعلان عنه، سواء تعلق الأمر بإسقاط النظام أو منعها من امتلاك أسلحة نووية، بل إن الهدف الحقيقي هو بسط النفوذ الأمريكي على مصادر الطاقة في العالم وتأمين احتياجات الأجيال الأمريكية القادمة، خصوصاً أن حجم الاستهلاك العالمي لا يتوافق مع حجم الإنتاج النفطي”.
وبالعودة إلى المغرب، اعتبر اليماني أننا نعيش حالة يمكن تسميتها بـ”العري الطاقي”، إذ إن أي حدث عالمي في السوق الدولية تكون له تأثيرات فورية على السوق المغربية. وأضاف: “المغرب لم يطور إنتاجه من النفط الخام، كما أننا كنا نتوفر على حلقة أساسية تتمثل في مصفاة لتكرير البترول لم نحافظ عليها، وأتحدث هنا عن مصفاة لاسمير”.
وتابع: “أما فيما يتعلق بالتوزيع، فبدل دفع الفاعلين إلى تكوين الاحتياطات اللازمة، يتم اليوم منح المزيد من التراخيص لإنشاء محطات تزويد الوقود في مختلف الطرق والشوارع، في حين أن المخزون غير متوفر بالشكل الكافي. وهو ما صرحت به الوزيرة المكلفة بالقطاع في بداية فبراير الماضي، عقب الأزمة المرتبطة بالصعوبات التي واجهتها السفن في الرسو بالموانئ المغربية بسبب سوء الأحوال الجوية والتقلبات المناخية”.
وأضاف: “أفادت الوزيرة بأن ما يتوفر عليه المغرب يبلغ 614 ألف طن، وهو ما يعادل حوالي 16 يوماً فقط من الاستهلاك، وهو رقم لا ينسجم مع المخزون القانوني الواجب توفيره. والأخطر من ذلك أنه إذا تطورت الأسعار ووصلت إلى 100 دولار للبرميل، فإن سعر الغازوال قد يبلغ سقف 15 درهماً للتر، ونعرف جميعاً أثر الغازوال على نقل البضائع والسلع، وعلى أوراش البنية التحتية والفلاحة وغيرها من القطاعات”.
وشدّد اليماني على أن المغرب عاش خلال السنوات الأخيرة عدة أزمات لا تزال آثارها بادية على الاقتصاد الوطني، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بالحرب الأوكرانية، وصولاً إلى التقلبات المناخية الأخيرة، واليوم أزمة الحرب في الشرق الأوسط التي تتوسع يوماً بعد يوم. وخلص إلى أنه من الضروري إعادة فتح نقاش عودة مصفاة لاسمير إلى العمل من أجل ضمان الأمن الطاقي والتقليص من تأثيرات تقلبات السوق الدولية، وهو مطلب ترفعه جبهة إنقاذ لاسمير منذ مدة، حتى قبل اندلاع الحرب.
من جهته قال زكرياء كارتي الخبير الاقتصادي، في تدوينة نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، “يبدو أن ما يحدث في جغرافيا الشرق الأوسط البعيدة لا بد أن يتردد صداه هنا قريباً في الجوار، فمنذ اندلاع الحرب، تشهد بورصة الدار البيضاء تراجعاً حاداً، إذ فقدت ما يقارب 9% من قيمتها الإجمالية خلال اليومين الماضيين، أي ما يعادل ما بين 80 و90 مليار درهم”.
وتابع ذات المتحدث، “وكان يمكن أن يكون هذا التراجع أكبر حجماً لولا اعتماد نظام هامش التقلب اليومي الذي يحدّ من تذبذب الأسهم بما لا يتجاوز 10% في اليوم الواحد”.
وقال كارتي: “صحيح أن البورصة لم تكن في أحسن أحوالها حتى قبل اندلاع الحرب؛ فمنذ مطلع السنة الجارية، وفي ظل شُح السيولة وتنامي احتياجات الخزينة العامة، مما دفع عدداً من الصناديق الاستثمارية إلى تفضيل الاكتتاب في سندات الخزينة أو التمويلات المبتكرة، وذلك على حساب الاستثمار في سوق الأسهم”.
وأضاف، “هل تكفي هذه العوامل وحدها لتفسير هذا الانهيار، الذي يتجاوز ما تشهده أسواق دول شرق أوسطية يُفترض أنها الأكثر تضرراً من الحرب الدائرة؟.. أخشى أن يكون ما يجري تكاثفاً لعوامل جيوسياسية صادمة تتأثر بها أسواق الأسهم، ولكن أيضاً لعوامل ماكرو اقتصادية؛ وبالأساس مؤشراً على هروب صغار المستثمرين من بورصة الدار البيضاء.. بعد أن شكّل عودتهم إليها خلال السنتين الماضيتين رافداً أساسياً في نموها، وعاملاً محورياً في الطفرة التي شهدتها الأسواق المالية المغربية التي هي اليوم الأقوى والأكبر في أفريقيا”.