الخط : A- A+
كشف تقرير بحثي حديث نشر على موقع “sciencedirect.com” واطلع عليه موقع “برلمان.كوم” أن مشروع طريق مراكش فاس السريع يمثل تحولا بنيويا في هندسة الربط الترابي بالمغرب، غير أن آثاره الاقتصادية والبيئية تكشف صورة مركبة تتجاوز الخطاب التقليدي حول البنية التحتية، الدراسة اعتمدت نموذج التوازن العام المكاني القابل للحساب المقرون ببيانات شبكة الطرق المستندة إلى نظم المعلومات الجغرافية، ما أتاح قياس التحولات في الأداء الاقتصادي وأنماط الانبعاثات عبر المجال الوطني بدقة كمية عالية.
ويبين التحليل أن المكاسب الاقتصادية الإجمالية المتوقعة تظل في حدود معتدلة على المستوى الوطني، إلا أن توزيعها الجغرافي يتسم بانتقائية واضحة، حيث تستفيد الأقاليم الواقعة على طول ممر الطريق والمناطق الداخلية المجاورة من تحسن ملحوظ في سهولة الولوج إلى الأسواق الوطنية، ومن اندماج أقوى في سلاسل التوريد، ما ينعكس في نمو مستدام عبر الزمن، بينما تبقى الأقاليم البعيدة عن الممر أقل استفادة من هذه الدينامية.
المعطيات التي أوردها التقرير تضع المشروع في سياق تاريخي أوسع للاستثمار العمومي في البنية التحتية منذ الاستقلال، إذ توسعت شبكة الطرق المعبدة من نحو عشرة آلاف كيلومتر إلى ما يقارب ستين ألف كيلومتر في أفق 2025، وتشير بيانات وزارة التجهيز والنقل إلى أن الطرق تؤمن تسعين في المئة من تنقل الأشخاص وخمسة وسبعين في المئة من نقل البضائع، ما يجعل أي تغيير في تكاليف النقل عاملا حاسما في إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية.
وطريق مراكش فاس السريع الذي يمتد على مسافة تناهز اربع مائة وتسعين كيلومتر يرتقب أن يخفض زمن الرحلة من ثماني ساعات إلى اربع ساعات، بكلفة استثمارية تناهز ثمانية وعشرين مليار درهم، وهو ما يجعله اكبر مشروع طرقي في تاريخ المملكة، المشروع لن يقتصر على الربط بين المدينتين، بل سيندمج في شبكة الطرق السريعة القائمة عبر تقاطعات استراتيجية مع محاور فاس مكناس وبني ملال الدار البيضاء والطريق الالتفافي الشرقي لمراكش، ما يعزز التكامل الوطني.
اقتصاديا، يوضح النموذج أن انخفاض تكاليف النقل يعيد توزيع الأنشطة الإنتاجية بين الأقاليم وفق منطق الكفاءة المكانية، حيث تتعزز جاذبية المراكز اللوجستية الناشئة والمناطق التي كانت تعاني محدودية الوصول، ويساهم المشروع في تقليص طفيف للفوارق في الدخل بين الجهات، غير أن هذا التقليص يظل محدودا ولا يؤدي إلى إعادة توازن جذري للخريطة التنموية.
بيئيا، ترصد الدراسة مفارقة لافتة، إذ تؤدي مكاسب الكفاءة في المدى القصير إلى خفض نسبي في الانبعاثات نتيجة تقليص زمن التنقل وتحسين انسيابية الحركة، بينما يقود التوسع الاقتصادي على المدى الطويل إلى ارتفاع كثافة الكربون في الأقاليم ذات النمو المرتفع، ما يعني أن النمو المدفوع بالبنية التحتية لا يترجم تلقائيا إلى تحسن بيئي ما لم يواكب بسياسات خضراء موجهة.
الدراسة تستحضر أدبيات دولية واسعة حول نماذج التوازن العام المكاني، وتضع التجربة المغربية في مقارنة مع حالات من أوروبا وأميركا اللاتينية وشرق آسيا، لتخلص إلى أن أثر الطرق السريعة يتحدد بمدى تكاملها مع استراتيجيات إقليمية دقيقة تراعي الخصوصيات الاقتصادية لكل مجال ترابي، وتشير في هذا السياق إلى أن خفضا موحدا لتكاليف النقل قد ينتج استجابات متفاوتة بل ومتناقضة بين الجهات.
الرسالة الجوهرية التي يبرزها التقرير تتمثل في أن البنية التحتية ليست مجرد أداة لتسريع النمو، بل رافعة لإعادة تشكيل التوازنات المكانية والبيئية في آن واحد، ومن ثم فإن مشروع طريق مراكش فاس السريع يطرح رهانا مزدوجا يتمثل في تعظيم العائد الاقتصادي وضبط البصمة الكربونية، وهو رهان يستدعي سياسات مرافقة في التخطيط الترابي والانتقال الطاقي حتى تتحول المكاسب المحتملة إلى مسار تنموي متوازن ومستدام.