الحرب الإسرائيلية الأمريكية المشتركة ضد إيران .. سياقات وانعكاسات ومآلات

Écrit par

dans


إدريس لكريني

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات متسارعة وخطيرة، بعد العمليات العسكرية الإسرائيلية – الأمريكية المشتركة ضد إيران، وقيام هذه الأخيرة بقصف عدد من المواقع الإسرائيلية، واستهدافها أيضا لأراضي عدد من دول المنطقة.

ومع تصاعد هذه العمليات، يتزايد طرح الأسئلة القلقة بصدد المستقبل، وحول ما إذا كانت هذه المواجهة ستطول، أم سيتم احتواؤها بمبادرات ودية، تقودها أطراف دولية وإقليمية. وحول ما إذا كان الأمر سيقتصر على عمليات استنزاف عسكرية، تروم تحقيق أهداف ردعية محدودة من لدن الجانبين، أم أن الأمر سيتحوّل مع تطور الأوضاع وإصرار الجانبين على مواقفهما، إلى مواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات الصعبة، بما ذلك توسع دائرة العمليات لتشمل مناطق أخرى.

أولا: سياقات المواجهة

يأتي هذا التصعيد بعد مرور عدة أشهر على المواجهة العسكرية القصيرة (من 13 حتّى 24 من شهر يونيو 2025) بين الجانبين والتي تم خلالها قصف منشئات نووية إيرانية في مناطق “فوردو” و”نطنز” و”أصفهان”. وفي أعقاب تراكم مجموعة من الملفات التي لم يكتب لها الحل رغم الوساطات والمساعي الحميدة المبذولين، بفعل تمسك الأطراف المعنية بمواقفها.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

كما لا تخفى تأثيرات الاحتجاجات العارمة التي شهدتها مجموعة من المناطق الإيرانية خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتي حرصت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على استثمارها بالسعي إلى إسقاط النظام الإيراني.

وفي الوقت الذي تعتبر فيه إيران بأن الضربات التي استهدفتها تمثل تدخلا سافرا في سيادتها واعتداء على أمنها، تعتبر كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بأن عملياتهما في هذا الخصوص بمثابة ضربة استباقية، للحيلولة دون اقتحام إيران للنادي النووي بشكل متحايل، حيث تم التأكيد على أن طهران كانت على وشك الإعلان عن امتلاك السلاح النووي ما يهدد مصالحهما وأمنهما.

وأخذا بعين الاعتبار للمعطيات الميدانية الراهنة، يبدو أن الوضع مرشح للتطور أكثر، ذلك أن هاجس الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل انتقل من مستوى البحث عن ضمانات كفيلة بالحد من الطموحات النووية الإيرانية ومن خطر الاستمرار في تطوير صواريخها الباليستية، إلى السعي نحو تغيير النظام السياسي القائم. وعلى الجانب الآخر يجد هذا الأخير (النظام الإيراني) نفسه في وضع صعب، خصوصا وأن الملف النووي صار بالنسبة إليه مسألة وجود كسبيل لامتلاك قوة الردع في مواجهة مختلف الضغوطات التي يتعرض لها. فيما شكل اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من قادة الحرس الثوري عاملا حاسما آخر لإذكاء هذه المواجهة.

وفي سياق هذا التصعيد، وأمام قوة الضربات العسكرية، ورغبة في الضغط على الولايات المتحدة لإيقاف الحرب، عملت إيران على توسيع دائرة المواجهة باستهدافها لعدد من دول المنطقة كالكويت والإمارات والبحرين وقطر والسعودية والعراق ولبنان والأردن والبحرين، الكويت، عمان، قطر، السعودية، والإمارات، علاوة على تحريك أذرعها المتمركزة في لبنان والعراق واليمن، متذرّعة في ذلك باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية التي اعتبرتها أهدافا مشروعة، كما قامت بإغلاق مضيق هرمز، مما ساهم في شلّ إمدادات النفط والغاز في المنطقة، وأثر بشكل ملحوظ في نشاط الموانئ، وفي التجارة العالمية وأسواق الطاقة بشكل عام.

ثانيا: انعكاسات الحرب

منذ اندلاع هذه المواجهة، تبين بشكل لا جدال فيه بأن تأثيراتها ستتجاوز الداخل الإيراني إلى انعكاسات إقليمية ودولية. فعلى المستوى الأمني والاقتصادي، تسبب إغلاق المطارات أمام الملاحة الجوية ارتباكا كبيرا فيما يتعلق بإجلاء العالقين، وخسائر مالية فادحة نتيجة إلغاء عدد كبير من الرحلات الجوية الداخلية والدولية. كما أن إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز الذي تعبره حوالي 25 بالمائة من شحنات النفط عالميا، تسبب في خسائر كبيرة فيما يتعلق بتصدير النفط والغاز، وهو ما سيتسبب في ارتباك البورصات العالمية، وارتفاع تكاليف الطاقة.

تمثل هذه الحرب ضربة موجعة أخرى للنظام الإقليمي العربي بكل مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، خصوصا وأن العمليات العسكرية طالت عددا من دول المنطقة.

كما أن الدول العربية القريبة من إيران كالعراق والكويت والإمارات، ستكون عرضة لتدفقات بشرية هائلة مع استمرار الضربات العسكرية وعدم التوصل إلى حل، وهو ما سيطرح الكثير من الإشكالات السياسية والاجتماعية والأمنية.

ويشكل إغلاق الممرات البحرية في المنطقة، كما هو الشأن بالنسبة لمضيق هرمز، حدثا خطيرا، بالنظر إلى انعكاساته على حرية الملاحة البحرية، وإرباكه للتجارة الدولية، وبخاصة على مستوى ارتفاع أسعار الطاقة، مما سيرهق اقتصاديات الدول العربية التي تعتمد على استيراد هذه المواد الحيوية من الخارج.

وتأتي بلدان الخليج العربي على رأس قائمة الدول الأكثر تضررا من هذه الحرب، بحكم قربها من إيران، فبعد أن ظلت تتميز باستقرارها وأمنها الذي ساهم بشكل كبير في جذب كثير من الاستثمارات الدولية في عدد من القطاعات الحيوية، أضحت هذه البلدان أمام واقع صعب تفرضه ضغوطات هذه المواجهة التي يمكن أن تتسع دائرتها في أية لحظة، مما ستكون له تبعات وخيمة ستنعكس بالسلب على عدد من القطاعات الهامة كالسياحة والعقار والتجارة، وبخاصة بعد تعرضها لعمليات عسكرية لحقت عددا من البنى التحتية المدنية (من مطارات وفنادق ومنشآت نفطية..) والمنشآت العسكرية (قواعد عسكرية أمريكية متمركزة في المنطقة)، تم خلالها تفعيل النظم الدفاعية، وهو ما يكرّس مزيدا من عدم الثقة التي يمكن أن تنعكس بالسلب على مستقبل الوساطات والمساعي الحميدة التي كانت تقودها هذه الدول في سبيل التوصل إلى حل بشأن الملف النووي الإيراني.

يبدو أن حسابات إيران لم تكن موفقة باستهدافها العسكري لعدد من الدول العربية وبخاصة الخليجية منها، كسبيل للدفع باتجاه وقف العمليات العسكرية المكثفة التي تستهدفها، ذلك أن البلدان الخليجية التي حرصت على إرساء علاقة ودية مع طهران، باتت مقتنعة اليوم وأكثر من أي وقت مضى بأن إيران هي طرف إقليمي يهدد أمنها، وهو ما سيدفعها إلى تعزيز تعاونها أكثر مع الولايات المتحدة الأمريكية مما سيعمق عزلة إيران أكثر.

وأمام كل هذه المتغيرات، تجد بلدان المنطقة نفسها أمام محك حقيقي يتأرجح بين الاستمرار في توخي ضبط النفس، أو الانجرار على مضض نحو الردّ، وخصوصا إذا ما استمرت التحرشات الإيرانية بسيادتها.

ثالثا: احتمالات المستقبل

ثمّة ثلاث سيناريوهات تلوح في الأفق، فاستحضارا لغياب أي دعم عسكري رسمي لإيران من لدن قوى دولية كبرى كالصين وروسيا، وتعرّض البلاد لضربات عسكرية قاسية، وإصرار الولايات المتحدة وإسرائيل على استهداف عدد من النخب السياسية، مع إمكانية بروز نخب سياسية معتدلة أو حتى انهيار النظام القائم، يمكن للحرب أن تتوقف تحت هذه الظروف.

وهناك سيناريو آخر، يرتبط بإمكانية وقف الحرب عبر مساعي حميدة تقودها بعض القوى الدولية كالصين، بناء على توافقات قد تكتفي فيها الولايات المتحدة بالحصول على ضمانات فيما يتعلق بتفكيك البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، مع التخلي عن مطلب إسقاط النظام، وهو السيناريو الذي تعزّزه الضغوطات التي يمارسها عدد من أعضاء الكونغريس الأمريكي بغرفتيه في هذا الخصوص، وكذا التخوف من إمكانية دخول إيران في انقسام وفوضى عارمتين بما يفرز بؤرة توتر أخرى جاذبة للجماعات المسلحة.

أما السيناريو الثالث، فيحيل إلى استمرار المواجهة في إطار حرب استنزاف طويلة الأمد، تدفع الأطراف المعنية إلى توظيف مختلف الأوراق الضاغطة، بما يمكن أن ينعكس بالسلب على أوضاع المنطقة، بل وانضمام قوى دولية أخرى لها، في سياق التنافس على المصالح والتسابق على موازين القوى.

إن التوتر العسكري الخطير الذي وصلت إليه الأمور في المنطقة، يسائل بشكل جدي نجاعة المؤسسات الدولية والإقليمية ذات الصلة بإدارة الأزمات وتسوية النزاعات، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة التي لم تتحرك بعد بالجدية والفعالية المطلوبين.

ومن زاوية أخرى، تشكل هذه المواجهة محطة مفصلية، ستكون لها تبعات وتأثيرات على النظام الإقليمي العربي، وعلى منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، وهو ما يفرض على الدول العربية أن تعيد حساباتها باتجاه تجاوز الخلافات، في أفق المساهمة في إرساء نظام إقليمي يخدم مصالحها ويضمن أمنها الاستراتيجي، وسط كل هذه التحديات والتجاذبات، وكذا استثمار هذه المتغيرات على طريق إحياء النقاشات الجدية إقليميا ودوليا بصدد حلّ الدولتين، بما يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويساهم في الحد من التوترات في المنطقة.

إقرأ الخبر من مصدره