رمضان والسياسة (6).. قراءة استراتيجية في تحولات الشرق الأوسط

Écrit par

dans

الخط : A- A+

تتواصل في منتصف شهر رمضان طبول حرب غير مسبوقة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتوجه أنظار العالم صوب “الضربات الدقيقة” للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، التي تستهدف شل مفاصل النظام الإيراني وتعطيل طموحاته النووية التي طالما أثارت الجدل لعقود.

وفي هذا السياق، تهدف هذه الجولة من الصراع، إلى ثني طهران عن المضي قدما في مشروعها النووي، تضع “الجيوسياسة” في قلب الانشغالات الرمضانية، محولةً مائدات الإفطار إلى فضاءات لنقاشات سياسية ساخنة حول مآلات هذا الهجوم وتداعياته على السلم العالمي.

وفي هذه الحلقة من “رمضان والسياسة”، نسلط الضوء على خلفيات هذه العمليات العسكرية وتوقيتها الحساس، وكيف أضحى الصيام هذا العام ممزوجا بترقب حذر لنتائج ضربات تهدف إلى تغيير قواعد اللعبة في ملف لطالما استعصى على الحلول الدبلوماسية، مما يجعل من رمضان الحالي “شهرا للتحولات” بامتياز على رقعة الشطرنج الدولية.

قدم الخبير في العلاقات الدولية الدكتور عصام العروسي تحليلا بنيويا عميقا في تصريح لموقع “برلمان.كوم” حول تداعيات الصراع الراهن في منطقة الشرق الأوسط، حيث اعتبر أن العالم يمر بمنعطف تاريخي تجاوز فيه مفهوم الحروب الكلاسيكية نحو مرحلة متطورة سماها “حرب الخوارزميات والذكاء الاصطناعي”، إذ نجحت القوى المهاجمة في استهداف البنى القيادية بدقة متناهية ودون الحاجة إلى تحريك جيوش برية ضخمة، وهو ما يعكس تجاوزا صريحا لقواعد الردع التقليدي التي سادت لعقود، وكسرا لنمط “حرب الظل” التي كانت تدار عبر وكلاء محليين في المنطقة.

ويرى العروسي أن محاولة فهم النظام الإيراني تتطلب غوصا في أبعاده الأنثروبولوجية المعقدة لكونه نظاما هجينا تتداخل فيه المؤسسات الدستورية مع اللجان الثورية والعسكرية، مما يجعل الرهان على “الانهيار من الداخل” عبر الضغط العسكري والتصعيد الميداني خيارا استراتيجيا صعبا يحتاج إلى زمن طويل، فالنظام القائم يسيطر على مفاصل الاقتصاد والأمن برؤية أيديولوجية متجذرة، وهو ما يجعل القضاء عليه من الخارج مجرد تبسيط لمشهد سياسي واجتماعي شديد التعقيد، يتطلب قراءة تتجاوز السطح العسكري نحو الجذور العميقة للدولة الإيرانية.

وتوقف الخبير الدولي عند المحركات الجيواقتصادية للصراع مؤكدا أن الحرب الدائرة ليست موجهة لإيران كجغرافيا فحسب، بل هي محاولة لضرب العمق الاستراتيجي للصين التي تعتمد بنسبة تناهز العشرين بالمئة من صناعتها على النفط الإيراني، فإيران في هذه المعادلة تمثل القشة التي تهدف لقصم ظهر التنين الصيني وإضعاف قدراته التنافسية، كما أن السيطرة على ممرات التجارة العالمية في مضيق هرمز وباب المندب تمنح القوى الكبرى أداة حاسمة لضبط التوازنات الاقتصادية العالمية، وفرض شروط جديدة على خارطة توزيع الثروة والطاقة في العالم.

وربط العروسي بين تراجع النفوذ الإيراني وبين العزلة المتزايدة التي تضرب الدبلوماسية الجزائرية، حيث اعتبر أن تشابه بنية “الأوليغارشية العسكرية” في البلدين يجعلهما يواجهان نفس المصير في ظل إفلاس الأيديولوجيات الثورية القديمة، ويؤدي ضعف المركز في طهران بالضرورة إلى تجفيف منابع التمويل العابر للحدود، مما يرفع الغطاء اللوجستي والعسكري عن ميليشيات البوليساريو، ويضع النظام الجزائري في مواجهة مباشرة مع إخفاقاته التاريخية في ملف الصحراء المغربية، ويجبره على مراجعة حساباته أمام واقع دولي جديد لا يؤمن بالشعارات الجوفاء.

وخلص المحلل السياسي إلى أن المنطقة مقبلة على “باكس أمريكانا” جديدة تهدف إلى خلق نظام إقليمي تكون فيه إسرائيل طرفا مركزيا فاعلا ومؤثرا، مع السعي لتفتيت القوى الكبرى وتحويلها إلى دويلات ضعيفة أو أنظمة تدار بالوكالة وعلى المقاس، وهو ما يعيد للأذهان مشاريع التقسيم السابقة التي تهدف إلى تغيير هوية المنطقة سياسيا وجغرافيا، وضمان استمرار الهيمنة الغربية عبر استنزاف الخصوم الدوليين مثل روسيا والصين، واستخدام البوابة الإيرانية كمنصة لتنفيذ هذه الأهداف الاستراتيجية الكبرى التي تجاوزت حدود الجغرافيا والحدود الوطنية.

يؤكد هذا التشخيص الدقيق أن الحرب الحالية تتجاوز ردود الفعل اللحظية لتكون تنفيذا لمخطط استراتيجي طويل الأمد، يسعى لإعادة تشكيل النظام العالمي انطلاقا من الشرق الأوسط، حيث تتداخل فيه المصالح العسكرية مع الطموحات الاقتصادية في مشهد معقد، يتطلب من المغرب والقوى الإقليمية الواعية يقظة دبلوماسية كبرى، وفهما عميقا لهذه التحولات لضمان حماية المصالح الوطنية، والحفاظ على المكتسبات السيادية في ظل تقلبات دولية لا ترحم الكيانات التي لا تملك رؤية واضحة للمستقبل.

إقرأ الخبر من مصدره