0
عرفت أسعار سمك السردين خلال الفترة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في عدد من الأسواق المغربية، ما أثار نقاشاً واسعاً بين المستهلكين والمهنيين حول أسباب هذا الارتفاع الذي طال منتوجاً ظل لعقود طويلة مرتبطاً بالاستهلاك الشعبي الواسع داخل الأسر المغربية.
ويشير مهنيون في قطاع الصيد البحري إلى أن سلسلة من التكاليف والمصاريف تساهم في انتقال ثمن السردين من الميناء إلى الأسواق.
ففي ميناء الجديدة، على سبيل المثال، انطلق المزاد الأخير للسردين بحوالي تسعة دراهم للكيلوغرام ليستقر عند عشرة دراهم كبيع أولي.
لكن هذا السعر يرتفع تدريجياً بعد تفريغ السمك داخل الميناء نتيجة إضافة مجموعة من الرسوم والاقتطاعات المرتبطة بخدمات التسويق ورسوم الجماعات المحلية ومصاريف مهنية مختلفة.
وتصل هذه التكاليف إلى حوالي درهم ونصف للكيلوغرام، إلى جانب مساهمات مرتبطة بالضمان الاجتماعي ومصاريف مهنية أخرى تناهز نصف درهم.
كما تضاف مصاريف مرتبطة بعمليات حفظ السمك، من بينها الثلج والصناديق ووسائل التعبئة، وهي تكاليف تقدر بحوالي درهم واحد للكيلوغرام.
وتضاف إليها كلفة النقل عبر الشاحنات المبردة من الميناء إلى أسواق الدار البيضاء والتي تصل إلى نحو درهم ونصف، إضافة إلى أجور العمال المرتبطة بعمليات التفريغ والتحميل والتوزيع.
وبعد احتساب مختلف هذه المصاريف تصل الكلفة التقريبية للكيلوغرام إلى حوالي سبعة عشر درهماً ونصف قبل عرضه للبيع بالتقسيط، ليضيف التاجر هامش ربح يغطي مصاريف الكراء والكهرباء والخسائر المحتملة في المنتوج.
وبذلك يصل سعر السردين في عدد من الأسواق إلى ما بين عشرين وخمسة وعشرين درهماً، مع تسجيل مستويات أعلى في بعض المدن الداخلية مثل فاس ومكناس والرباط.
ويربط مهنيون هذا الوضع أيضاً بعوامل طبيعية مرتبطة بقطاع الصيد البحري، إذ تتزامن الفترة الحالية مع موسم توالد أسماك السردين، إلى جانب تأثير الأحوال الجوية وهيجان البحر، ما يؤدي إلى تراجع الكميات المصطادة خلال بعض الأيام ويزيد الضغط على الأسعار داخل الأسواق.
ويرى عدد من الفاعلين في القطاع أن جذور النقاش حول أسعار السردين تعود إلى تحولات عرفها قطاع الصيد البحري منذ بداية التسعينيات، عندما تم اتخاذ قرار يقضي بتجميد منح رخص جديدة للصيد البحري بهدف الحد من الضغط على الثروة السمكية وضمان استدامة المصايد.
وخلال السنوات اللاحقة عرف أسطول الصيد تطوراً تقنياً كبيراً، حيث ارتفعت حمولة عدد من المراكب بشكل ملحوظ. ففي قطاع الصيد الساحلي كانت حمولة المراكب تتراوح سابقاً بين طنين وثلاثين طناً، قبل أن تصل في بعض الحالات إلى حوالي تسعين طناً، ما أدى إلى رفع القدرة الإجمالية على الاصطياد.
ويؤكد بحارة يشتغلون في الصيد الساحلي أن التغيرات التي عرفها القطاع أصبحت واضحة في البحر، حيث تحتاج الرحلات البحرية أحياناً إلى وقت أطول للعثور على أسراب السردين مقارنة بفترات سابقة.
كما يثير بعض المهنيين مسألة الترخيص لمراكب الجر المجهزة بتقنيات التبريد بمياه البحر، وهي مراكب قادرة على اصطياد كميات كبيرة من الأسماك خلال مدة قصيرة، الأمر الذي يطرح نقاشاً داخل القطاع حول تأثير هذه التقنيات على توازن المخزون السمكي.
وإلى جانب ذلك يلعب نظام تسويق الأسماك دوراً مهماً في تحديد الأسعار داخل الأسواق المغربية. ففي معظم الموانئ يتم بيع السمك عبر نظام المزاد العلني داخل أسواق الجملة، حيث يتحدد السعر وفق توازن العرض والطلب.
وعندما تكون الكميات المعروضة محدودة مقارنة بحجم الطلب من طرف التجار أو وحدات تعليب السمك يرتفع السعر تلقائياً داخل المزاد قبل أن ينتقل إلى الأسواق بالتقسيط.
كما تظل العوامل الطبيعية مؤثرة في حجم المصطادات البحرية، إذ ترتبط حركة الأسماك بدورات بيولوجية مرتبطة بفترات التوالد والهجرة داخل البحر، إضافة إلى تأثير الأحوال الجوية التي قد تمنع في بعض الأيام المراكب الصغيرة من الخروج للصيد.
ويرى مهنيون أن النقاش الدائر حول أسعار السردين يعكس تحدياً مرتبطاً بكيفية تحقيق توازن مستدام بين استغلال الموارد البحرية وحمايتها.
ويؤكد هؤلاء أن تدبير الثروة السمكية يقتضي ضبط قدرات أسطول الصيد واحترام فترات الراحة البيولوجية وتعزيز البحث العلمي البحري من أجل تتبع تطور المخزون السمكي.
وفي ظل هذه المعطيات يظل السردين أحد المؤشرات التي تعكس التحولات التي يعرفها قطاع الصيد البحري بالمغرب، بين متطلبات السوق وحماية الموارد البحرية وضمان تزويد الأسواق الوطنية بالمنتوجات البحرية.