لم يكن ينقص بعض سياسيي طنجة سوى مرآة كبيرة وحزب احتياطي جيد الإضاءة. فمنذ أن حددت الحكومة يوم 23 شتنبر 2026 موعدا لانتخاب أعضاء مجلس النواب، مع انطلاق الحملة الرسمية في 10 شتنبر، بدأت بالمدينة حركية مبكرة توحي بأن بعض الفاعلين لم يدخلوا بعد المعركة الانتخابية بقدر ما دخلوا مرحلة أكثر استعجالا: إعادة تقديم أنفسهم بملامح جديدة، وكأن الماضي الحزبي مجرد معطف شتوي يمكن نزعه قبل التقاط الصورة الجماعية المقبلة.
وما يجري في المدينة ليس ترحالا بالمعنى الفج الذي يقتضي شجاعة الاستقالة ووضوح القطيعة، بل نسخة أكثر دهاء من هذه الرياضة القديمة: ترحال صامت يبدل الإشارات قبل أن يبدل البطاقة، ويختبر دفء المقرات المنافسة قبل حرق الجسور نهائيا مع الحزب الأصلي.
هنا لا يصرح السياسي برغبته في الرحيل، بل يلمح إليها بحضور محسوب، وصمت مدروس، وابتسامات موزعة بعناية على خصوم الأمس، كأنه يقول للجميع إنه ما يزال حيث كان، فقط إلى أن تنضج شروط ولادة حزبية جديدة من دون أن يدفع ثمن الولادة الأولى.
رقصة الترحال على حافة الفصل 61
أولى علامات هذا “الرتوش” ظهرت حين تحول لقاء تنظيمي عادي لحزب التجمع الوطني للأحرار في طنجة، مساء 4 مارس، إلى مادة دسمة للهمس السياسي. السبب لم يكن في جدول الأعمال، بل في حضور أسماء ما تزال محسوبة تنظيميا على الاتحاد الاشتراكي، بينها وكيلا لائحتين في انتخابات 2021، مع حديث عن مداخلة لأحد الحاضرين أشاد فيها بتاريخ الحزب المضيف. في مدينة تفهم الإشارات بسرعة، لا يبدو الحضور في بيت الخصم مجرد مجاملة، بل هو تمرين ماكر على استغلال ثغرات القانون.
فالمشرع المغربي، عبر الفصل 61 من الدستور، ينصب “مقصلة” واضحة تجرد أي برلماني يتخلى عن انتمائه من مقعده. لتجنب هذه النهاية الدرامية، يمتنع السياسي المحنك عن تقديم استقالته، ويلجأ بدلاً من ذلك إلى تجميد أنشطته، واستفزاز قيادته عبر الحضور الرمزي في أنشطة الخصوم. الهدف واضح: دفع الحزب الأصلي لاتخاذ قرار “الطرد”. فالطرد يحول السياسي إلى “ضحية”، ويحميه من التجريد الدستوري، مبقيا إياه في منطقة رمادية تكسبه الوقت حتى الرمق الأخير من الولاية.
ولأن الترحال لا يبدأ عادة من الباب الخارجي بل من الشقوق الداخلية، فإن ما وقع داخل الاتحاد الاشتراكي في طنجة خلال الأشهر الماضية يوفر سياقا يفسر هذا التسيب.
ففي شتنبر 2025 انسحب يوسف بنجلون وسلوى الدمناتي من المؤتمر الإقليمي للحزب بطنجة-أصيلة، قبل أن تنقل معطيات حديثة أن حزب التقدم والاشتراكية يضع الدمناتي على “الرادار”. هكذا لا تعود الأزمة مجرد شأن داخلي، بل تتحول إلى سوق مفتوح لالتقاط الوجوه.
وإذا كان بعض المنتخبين يكتفون باختبار حرارة المقاعد المنافسة، فإن حالة البرلماني محمد الزموري تكشف مستوى متقدماً من براغماتية الهويات المعلقة.
فالبوابة الرسمية للبرلمان ما تزال تعرفه نائباً باسم الاتحاد الدستوري، بينما تواترت المعطيات بخصوص انتقاله إلى الحركة الشعبية، قبل أن يفيد تقرير آخر مؤخراً بأن الأمين العام للحركة لم يصدر بعد أي تزكية.
وبين الصفة الرسمية والشائعات، يبدو أن بعض الأسماء تفضّل التمسك بالحبال الدستورية القديمة، مع التلويح بألوان جديدة، إلى أن تتضح قيمة التذكرة الانتخابية دون المخاطرة بالمنصب الحالي.
ورشات الترميم وموائد الظل.. إخفاء “غرز الخياطة”
ولا تقتصر الصورة على الأفراد، فالأحزاب نفسها بدأت تتصرف وكأنها ورشات استعجالية لترميم الواجهات قبل فتح السوق. فحزب الأصالة والمعاصرة أعلن رسمياً من طنجة-أصيلة، في 6 مارس، إطلاق “مرحلة جديدة من العمل التنظيمي”، بينما تتحدث تقارير عن تنافس محتدم داخل الأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال حول من سيقود اللوائح، وعن نقاشات بشأن أولوية “أبناء طنجة” مقابل الدفع بأسماء وازنة أو أعيان من خارج المدينة.
وحين تعجز الأحزاب عن الحسم مبكرا، فإن الرسالة التي تصل للطامحين تكون بسيطة: الباب الخلفي مشرع، ومن يملك وزنا انتخابيا يستطيع إيجاد منفذ آمن لولادة حزبية ثانية بعيداً عن تعقيدات القوانين.
ثم هناك الطقس الطنجاوي الأكثر صدقا من كل البلاغات: العشاء. فقد تحدثت مصادر متطابقة خلال الأيام الأخيرة عن لقاءات غير معلنة، بعضها داخل فيلات بضواحي طنجة، جمعت قيادات حزبية ومنتخبين سابقين ومقاولين ووسطاء.
وفي هذه الاجتماعات التي تتخذ هيئة المناسبات الاجتماعية، تُطبخ فعليا حيل الالتفاف القانوني، وتُدرس سيناريوهات الطرد والاستقطاب، وتؤدي عملياً وظيفة فرز الولاءات واختبار التحالفات المبكرة. لا أحد يسميها مفاوضات بالطبع؛ في السياسة المحلية يكفي أن يكون الطعام فاخراً بما يكفي حتى يبدو تبديل المواقع وخيانة الأصوات مجرد “تواصل”.
كل ذلك لا يعني أن طنجة تشهد، منذ الآن، موجة ترحال مكتملة الأركان بالمعنى القانوني. لكنه يعني بوضوح أن المدينة دخلت مرحلة ما قبل الترحال: مرحلة الحضور الرمزي، والبرود المقصود لاستفزاز قرارات الطرد، وإطلاق البالونات الاختبارية. إنها باختصار لحظة “ترقيع البكارة السياسية” قبل موعد الحملة؛ لحظة يحاول فيها كل واحد أن يقنع الناخب بأن تاريخه الحزبي القديم كان مجرد سوء تفاهم.
وفي هذا المشهد، لا تبدو طنجة مدينة تنتظر فقط أسماء المرشحين، بل تنتظر أيضاً السرعة التي سينجح بها بعضهم في غسل آثار انتماءاتهم السابقة والإفلات من شباك الدستور. غير أن المشكلة، كما يحدث عادة، ليست في السياسي الذي يبدل جلده ويتحايل على النصوص، بل في اعتقاده أن الناس الجالسين في العتمة لا يرون بوضوح غرز الخياطة الرديئة.
ظهرت المقالة سياسيون بطنجة يسابقون الزمن لـ”ترقيع البكارة السياسية” قبل شتنبر أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.