0
تتجه الطائرات المسيّرة الانتحارية إلى فرض نفسها كأحد أبرز أسلحة الحروب الحديثة، بعدما تحولت من وسيلة قتالية مساندة إلى أداة مركزية قادرة على إرباك الدفاعات الجوية ونقل التهديد إلى عمق الدول والمنشآت الحيوية بكلفة محدودة وفعالية عالية.
ويبرز هذا التحول الميداني بشكل لافت في عدد من بؤر التوتر الإقليمية والدولية، حيث أظهرت الهجمات المنفذة بواسطة هذا النوع من المسيرات أن الحروب لم تعد تُدار فقط بالوسائل التقليدية، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على منظومات خفيفة وسريعة ومنخفضة الكلفة، قادرة على استنزاف الخصم عسكريا وماليا في الآن نفسه.
وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب اختار بدوره التموقع داخل هذا التحول التكنولوجي، من خلال تسريع خطواته نحو تطوير قدراته في مجال الطائرات المسيّرة، والانتقال من مرحلة التتبع والاقتناء إلى مرحلة التصنيع ونقل التكنولوجيا والتكوين التقني.
ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن طبيعة التهديدات العسكرية تعرف تحولا عميقا، وأن امتلاك وسائل الحرب الجديدة بات جزءا من حسابات الردع والسيادة الدفاعية، خاصة بالنسبة إلى الدول التي توجد في محيط إقليمي متوتر وتحرص على تحديث قدراتها العسكرية بشكل مستمر.
وفي هذا الإطار، برز التعاون الدفاعي المغربي الإسرائيلي كأحد العناوين البارزة في مسار بناء صناعة محلية للطائرات دون طيار، مع التوجه نحو تطوير منشآت إنتاجية مخصصة لهذا المجال داخل التراب الوطني، في خطوة تعكس توجها استراتيجيا يروم إرساء قاعدة صناعية دفاعية قادرة على مواكبة متطلبات الحروب الحديثة.
ويرتبط هذا التوجه أيضا بما تفرضه التحولات الجيوسياسية من ضرورة امتلاك أدوات أكثر مرونة وفعالية، خاصة في ظل ما بات يعرف بمفارقة الكلفة، حيث تسمح مسيرات منخفضة الثمن نسبيا بإلحاق خسائر كبيرة، أو بفرض كلفة اعتراض مرتفعة على الطرف المستهدف، ما يجعلها أداة فعالة في منطق الاستنزاف العسكري.
كما ينسجم هذا المسار مع سعي المغرب إلى تقوية جاهزيته الدفاعية ورفع مستوى استقلاليته في مجال الصناعات العسكرية، عبر الاستثمار في الأنظمة غير المأهولة وتوسيع مجالات التكوين ونقل الخبرة، بما يتيح مواكبة التطور السريع الذي تعرفه التكنولوجيا العسكرية على المستوى العالمي.
وتعكس هذه الخطوات إدراكا متزايدا بأن الحروب المقبلة ستعتمد بشكل أكبر على الطائرات المسيّرة والأنظمة الذكية والقدرات الرقمية، أكثر مما ستعتمد على الأدوات التقليدية الثقيلة، وهو ما يفسر دخول عدد من الدول في سباق متسارع لتطوير هذه المنظومات وامتلاك مفاتيح استخدامها وتصنيعها.
ويبدو أن المغرب، من خلال هذا التوجه، يسعى إلى تثبيت موقعه ضمن البلدان التي اختارت الاستعداد المبكر لتحولات الحرب الحديثة، عبر بناء قدرات ذاتية تسمح له بمواجهة التحديات الأمنية الجديدة، وترسيخ حضوره داخل مجال دفاعي بات يحكمه الابتكار التكنولوجي أكثر من أي وقت مضى.