الخط : A- A+
أعلنت الحكومة اليوم الثلاثاء 17 مارس 2026، إطلاق عملية جديدة من الدعم الاستثنائي لفائدة مهنيي النقل، مبررة القرار بارتفاع أسعار النفط دولياً وحرصها على حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان استمرارية سلاسل التموين، غير أن هذا الخطاب الرسمي، رغم ما يحمله من طابع اجتماعي، يثير نقاشاً حول إشكالات عميقة تطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة هذا الدعم وحدوده، بل وحول المستفيدين الفعليين منه.
وقد اختارت الحكومة تقديم هذا الدعم على شكل تحويلات مالية مباشرة للمهنيين، بدل التدخل في أصل الإشكال المرتبط بارتفاع أسعار المحروقات في محطات الوقود. هذه المقاربة، في ظاهرها، تبدو عملية وسريعة، لكنها في العمق تطرح مفارقة واضحة، إذ يرى متتبعون أن المهني الذي يتلقى هذا الدعم يظل مضطراً لإعادة ضخه في السوق، أي في شراء الوقود بنفس الأسعار المرتفعة، عملا بالمثل المغربي “زيد الشحمة فظهر المعلوف”، وهو ما قد يجعل الأموال العمومية تتحول إلى آلية غير مباشرة تساهم في استمرار أرباح هذه الشركات دون تغيير ملموس في الأسعار، وبالتالي يُطرح التساؤل حول ما إذا كانت النتيجة هي استمرار ضخ المال العمومي مقابل بقاء الأسعار على حالها.
وفي هذا السياق، تتكرر اليوم نفس ملامح الارتباك التي طبعت تدبير أزمات مماثلة سابقة، حيث يرى مراقبون أن البلاغ الحكومي قد يُفهم منه أنه يندرج ضمن آليات إعادة تدوير الأموال العمومية بشكل غير مباشر، بدل معالجة الخلل من جذوره، فبدل التدخل المباشر لخفض الأسعار عند “البومبة” بمحطات الوقود عبر تقليص هوامش الربح أو تخفيف العبء الضريبي، تم اختيار مسار يمنح السيولة للمهنيين ليعيدوا ضخها في نفس السوق وبنفس الشروط، وهو ما قد يعزز موقع الفاعلين الكبار بدل موازنته. هذا التوجه لم يبق حبيس التحليل النظري، بل ظهرت انعكاساته سريعاً على أرض الواقع؛ إذ تم تسجيل زيادات في تسعيرة سيارات الأجرة بعد الإعلان عن ارتفاع سعر “المازوط”، خصوصاً بين أكادير وإنزكان وتيزنيت، وصلت إلى خمسة دراهم إضافية، وفق ما تناقله مواطنون على منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس، بحسب هذه المعطيات، محدودية الضبط المؤسساتي ويضع شعارات “حماية القدرة الشرائية” أمام اختبار عملي، حيث يجد المواطن نفسه مرة أخرى الحلقة الأضعف في معادلة تتأثر بتوازنات السوق.
وإذا كان الهدف المعلن هو حماية القدرة الشرائية، فإن الأدوات الاقتصادية الكلاسيكية تظل مطروحة للنقاش، من قبيل خفض الضريبة الداخلية على الاستهلاك، أو مراجعة الضريبة على القيمة المضافة، أو حتى تسقيف هوامش الربح خلال فترات الأزمات. غير أن الحكومة اختارت مقاربة مختلفة، وهو ما يفتح نقاشاً مشروعاً حول ما إذا كان ذلك مرتبطاً بصعوبات في التدخل المباشر، أم باختيارات سياسية تهدف إلى الحفاظ على توازنات معينة داخل سوق المحروقات.
هذا النقاش يزداد حساسية إذا ما تم استحضار معطى كون رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، يُعد من أبرز الفاعلين في سوق المحروقات بالمغرب، وهو ما يدفع بعض المراقبين إلى إثارة مسألة تضارب المصالح بشكل عام، دون الجزم بوجوده في هذه الحالة، حيث تتقاطع السلطة التنفيذية مع مصالح اقتصادية في نفس القطاع. في مثل هذه الحالات، تبرز أهمية ضمان وضوح السياسات العمومية وابتعادها عن أي شبهة، بما يعكس توازناً فعلياً بين المصلحة العامة ومختلف المصالح الاقتصادية، خاصة في سياق الإبقاء على هوامش أرباح الشركات مقابل توجيه دعم عمومي للاستهلاك، وهو ما يفتح باب التأويلات حول المستفيد النهائي من هذه المعادلة.
ورغم أن الدعم يقدم على أنه موجه لمهنيي النقل، وأنه يهدف إلى حماية المواطنين بشكل غير مباشر، فإن الواقع، كما يراه بعض المتتبعين، يطرح صورة أكثر تعقيداً. فالمواطن يساهم في تمويل هذا الدعم عبر الضرائب، دون أن يستفيد بالضرورة من انخفاض مباشر في أسعار المحروقات، بل يظل متأثراً بارتفاعها وبانعكاساتها على أسعار باقي السلع والخدمات، مما يضعه في وضعية يتحمل فيها كلفة مزدوجة دون أثر ملموس على قدرته الشرائية.
إن ما تقدمه الحكومة، في هذا السياق، يبدو في نظر عدد من المراقبين أقرب إلى سياسة ظرفية تهدف إلى امتصاص الاحتقان داخل قطاع حساس، أكثر منه حلاً هيكلياً يعالج اختلالات السوق. هذا النوع من التدخل يفتح نقاشاً أوسع حول دور المؤسسات المعنية، هل هي جهات تنظم السوق وتضبط توازناته، أم أنها تكتفي بمواكبة اختلالاته كلما اشتدت الأزمات؟ بين خطاب حماية القدرة الشرائية وواقع استمرار الأسعار المرتفعة، تظل المفارقة قائمة؛ فالدعم، وفق هذه القراءات، لا يؤدي بالضرورة إلى خفض الأسعار، بل قد يساهم في تثبيتها، ولا يوزع عبء الأزمة بشكل متوازن، بل يعيد توجيهه نحو دافعي الضرائب، كما لا يحد بشكل مباشر من أرباح الشركات.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحاً ومشروعاً، هل نحن أمام سياسة اجتماعية فعالة تستهدف المواطن، أم أمام آليات تدبيرية تثير نقاشاً حول كيفية توجيه المال العام في سياق تتحكم فيه توازنات معقدة داخل سوق المحروقات؟