0
دخل ملف إعادة رسم الخريطة المصرفية بالمغرب منعطفا حاسما بعد إعلان مجموعة “BNP Paribas” الفرنسية الشروع محاسبيا في عزل أصول وخصوم تابعتها المغربية “BMCI”، في خطوة تمهد لنقل الملكية إلى مجموعة “هولماركوم” ضمن صفقة تترقبها الأوساط المالية باعتبارها من أبرز التحولات المرتقبة في القطاع البنكي الوطني.
وتظهر المعطيات المالية الصادرة عن المجموعة الفرنسية أن حصتها البالغة 67 في المائة في رأسمال البنك المغربي جرى تصنيفها ضمن “الأصول المخصصة للبيع” وفق المعيار الدولي IFRS 5، مع تأكيد أن فقدان السيطرة على هذه الأصول أصبح واردا بدرجة عالية خلال فترة زمنية لا تتجاوز 12 شهرا، ما يضع نهاية سنة 2026 كسقف زمني أقصى لإتمام هذه العملية.
ويبرز هذا التطور انتقال الملف من دائرة النوايا إلى مرحلة تنفيذية متقدمة، خاصة بعد شروع المجموعة الفرنسية في فصل الأصول والخصوم المرتبطة بـ BMCI داخل قوائمها المالية، بما يحمل دلالة واضحة على تقدم مسار التخارج ونضج المفاوضات الحصرية التي انطلقت خلال شهر دجنبر الماضي.
وتكشف الأرقام المعلنة حجم العملية المرتقبة، بعدما قامت “BNP Paribas” بسحب ما قيمته 7.8 مليار يورو من الأصول و6.1 مليار يورو من الخصوم من سجلاتها الجارية، وإعادة تصنيفها في بنود مستقلة، في إجراء محاسبي يعكس قرب الانتقال إلى مرحلة الحسم المؤسساتي والمالي.
ولا يهم هذا التخارج البنك الأم وحده، بل يمتد أيضا إلى كل من “BMCI Leasing” و**“BMCI Banque Offshore”**، بما يعني أن الصفقة المرتقبة تتجاوز نقل ملكية مؤسسة بنكية واحدة، نحو إعادة تركيب مكونات مجموعة مالية بكامل فروعها وأنشطتها.
وفي حال إتمام العملية، ستتجه “هولماركوم” إلى بناء قطب مصرفي وازن قادر على إعادة ترتيب موازين القوة داخل السوق البنكية المغربية، عبر الجمع بين الخبرة المؤسساتية التي راكمتها BMCI في تمويل المقاولات الكبرى وإدارة الثروات، وبين الدينامية التي أبان عنها مصرف المغرب في مجال خدمات الأفراد وتمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة منذ انتقاله إلى سيطرة المجموعة نفسها.
ويحمل هذا التحول أبعادا استراتيجية تتجاوز منطق الاستحواذ التقليدي، إذ يفتح الباب أمام بروز فاعل بنكي قوي مرشح لمنافسة البنوك الثلاثة الكبرى التي ظلت تمسك بمفاصل السوق لسنوات، في سياق يعرف تصاعد الرهان على التموقع، وتوسيع الحصص السوقية، وتعزيز الحضور في قطاعات التمويل ذات القيمة المضافة العالية.
كما تعكس هذه العملية توجها متناميا داخل السوق المالية المغربية نحو إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين الكبار، على إيقاع تحولات دولية تضغط على المجموعات البنكية لإعادة ترتيب محافظها الجغرافية وتركيز استثماراتها وفق أولويات جديدة.
وعلى هذا الأساس، تبدو صفقة BMCI أقرب إلى محطة مفصلية في مسار إعادة تشكيل القطاع البنكي الوطني، بما قد يفضي إلى ميلاد توازنات جديدة داخل واحدة من أكثر الساحات المالية حيوية وتنافسية في المملكة.