
الخط : A- A+
كشف عبد الصمد عاصم، الكاتب العام للنقابة الوطنية لمفتشي وموظفي وزارة التشغيل المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، عن مخاوف جدية تجاه التوجه الحكومي القاضي بدمج مرسوم التعويض عن الجولات ضمن النظام الأساسي الخاص بهيئة تفتيش الشغل، معتبرا أن هذا الإجراء قد يحمل في طياته التفافا على حقوق تاريخية مكتسبة، حيث أوضح أن هذا التعويض ليس ريعا أو عبئا على ميزانية الدولة بل هو استرداد جزئي لمصاريف يتكبدها المفتش من ماله الخاص لاستعمال سيارته الشخصية في أداء مهام رقابية ميدانية، في ظل غياب سيارات مصلحة توفرها الإدارة للقيام بزيارات التفتيش داخل المؤسسات الخاضعة لقانون الشغل، وهو ما يجعل من هذا التعويض ضرورة مهنية محضة لضمان استمرارية المرفق العام.
واعتبر المتحدث في تصريح لموقع “برلمان.كوم” أن المشهد الراهن يتسم بـ”مناورة سياسية” يقودها الوزير السكوري، الذي يبدو أنه اختار الهروب إلى الأمام عبر تبني خيار “الدمج القسري” للمراسيم، في خطوة لا تعدو كونها محاولة لربح الوقت ورهن الحقوق التاريخية لمفتشي الشغل بتعقيدات المساطر الإدارية، معتبرا أن تبرير الوزير داخل قبة البرلمان بكون الدمج يهدف إلى “تجاوز الحلقة المفرغة” لا يصمد أمام المنطق القانوني والواقعي، بل يكشف عن رغبة دفينة في التنصل من الالتزامات المالية الفورية وتحويل “التعويض عن الجولات” من حق أصيل ومستقل إلى ورقة ضغط داخل نظام أساسي محاصر بشروط تعديل مدونة الشغل والقانون التنظيمي للإضراب، مما يضع مصداقية الوزارة على المحك ويحول “الحوار الاجتماعي” من آلية للإنصاف إلى أداة للمقايضة السياسية التي تفتقر للجرأة اللازمة لحسم ملفات عمرت لأزيد من عقدين.
وأضاف ذات المتحدث أن إصرار الوزير السكوري على ربط الزيادة في تعويضات التنقل، التي هي في الأصل مجرد “استرداد لمصاريف”، بملفات كبرى تتجاوز صلاحيات القطاع، يعكس استراتيجية “الإلهاء المؤسساتي” التي تتبعها الوزارة لتعطيل الاستجابة للمطالب العادلة، فبدل أن يبادر الوزير إلى إصدار مرسوم مستقل ينهي “مهزلة” تجميد التعويضات منذ سنة 2008 ويقر مبدأ التوحيد والتعميم، فضّل الزج بالهيئة في نفق “الدمج” المظلم، وهو ما يثير ظنونا مشروعة حول السعي لرهن استقلالية مؤسسة تفتيش الشغل وإضعاف حصانتها التي تضمنها الاتفاقيات الدولية، ليظل الخطاب الحكومي حول “الدولة الاجتماعية” مجرد شعار أجوف يصطدم بواقع “التسويف الممنهج” الذي يمارسه الوزير، ضاربا عرض الحائط بانتظارات فئة مهنية تشكل صمام أمان للسلم الاجتماعي وتنتظر من الحكومة فعلا لا قولا، خاصة مع اقتراب مئوية جهاز أثبت عبر التاريخ أنه أكبر من محاولات التحجيم الإداري والسياسي.
واستعرض النقابي المسار التاريخي لهذا التعويض الذي يعود لعام 1949 وتطور عبر مراسيم ما بعد الاستقلال وصولا إلى آخر مراجعة مادية شهدها في سنة 2008، مؤكدا أن الحكومات المتعاقبة كانت تعتمد دورية واضحة لتعديل مبالغه كل عشر سنوات بشكل تلقائي دون الحاجة لنضالات نقابية، غير أن الوضع تغير جذريا بعد إقرار النظام الأساسي الحالي الذي وصفه بالصفري لخلوه من أي حوافز مادية حقيقية، إذ تسبب هذا النظام في تجميد المراجعة الدورية للتعويض لمدة تجاوزت تسعة عشر عاما، مما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمفتشين أمام الارتفاع الصاروخي في أسعار المحروقات وتكاليف المعيشة وتضخم الأعباء المهنية الملقاة على عاتقهم.
وشدد عاصم في تصريحه لـ “برلمان.كوم” على أن دمج هذين المرسومين يطرح إشكالات قانونية وتقنية معقدة قد تعيق أي مراجعة مستقبلية للتعويض عن الجولات، لأن الأنظمة الأساسية تتسم بجمود مساطر تعديلها مقارنة بالمراسيم المستقلة، معربا عن قلقه من اختزال مشروع إصلاح الهيئة في مجرد زيادة طفيفة في تعويضات التنقل، وهو ما يراه تهميشا للمطالب الجوهرية الرامية إلى إقرار نظام أساسي محصن ومحفز يليق بجهاز مؤطر باتفاقيات دولية ملزمة للمغرب، تفرض تمتيع المفتشين بوضع قانوني خاص يضمن استقلاليتهم وحمايتهم من ضغوط المحيط المهني وسلطة المال التي قد تحاول عرقلة تطبيق التشريعات الاجتماعية داخل المقاولات.
وتترقب الشغيلة بقطاع التشغيل نتائج الجولات الحاسمة من الحوار القطاعي بكثير من الحذر، آملة في رد الاعتبار لهيئة تشكل صمام أمان للسلم الاجتماعي وركيزة أساسية في بناء الدولة الاجتماعية التي تنشدها البلاد، حيث يرى عاصم أن اللحظة الراهنة تقتضي إرادة سياسية حقيقية تخرج المفتشين من دائرة المماثلة مع أطر المتصرفين، عبر إقرار تعويضات عن الأخطار ومكافآت عن المردودية تليق بمهنة تواجه تحديات ميدانية جسيمة، لاسيما وأن المغرب مقبل على تخليد مئوية تأسيس جهاز تفتيش الشغل، وهي مناسبة يفترض أن تتوج بإصلاحات ملموسة تنهي سنوات من التهميش وتضمن كرامة الممارسين في هذا القطاع الحيوي.