0
بقلم: حميد أوعلا/باحث في العلاقات الدولية
ليس الجدل حول الحدود بين المغرب والجزائر وليد اللحظة، بل هو امتداد مباشر لمرحلة استعمارية أعادت رسم خريطة المنطقة وفق منطق إداري فرنسي، بعيداً عن الحقائق التاريخية والامتدادات الجغرافية للمغرب. فقبل فرض الحماية وتقسيم النفوذ، كانت مناطق واسعة من غرب الجزائر الحالي ترتبط سياسياً وبيعةً بالمغرب، في إطار نظام تقليدي لم يكن يعترف بالحدود الصارمة كما هي اليوم.
خلال الحقبة الاستعمارية قامت فرنسا بضم هذه المجالات إلى ما كان يسمى بـ“الجزائر الفرنسية”، في خطوة اعتبرها مؤرخون إعادة تشكيل قسري للجغرافيا السياسية للمنطقة. ومع استقلال الجزائر سنة 1962، تم الإبقاء على هذه الحدود الموروثة عن الاستعمار، تكريساً لمبدأ “قدسية الحدود” الذي تبنته الدول الإفريقية حديثة الاستقلال، رغم ما يحمله من تناقضات تاريخية واضحة.
هذا الواقع ظل أحد جذور التوتر بين الرباط والجزائر، وظهر بشكل جلي خلال حرب الرمال سنة 1963، حين تفجّر الخلاف حول مناطق حدودية يعتبرها المغرب امتداداً طبيعياً لأراضيه التاريخية، ورغم انتهاء المواجهة عسكرياً، فإن الملف بقي مفتوحاً سياسياً، وتحوّل إلى أحد أعقد القضايا في العلاقات الثنائية.
ومع كل تصريح أو نقاش يعيد التذكير بهذه الخلفية التاريخية، يتجدد الجدل ويكشف هشاشة التوازن بين التاريخ والسياسة. فطرح مسألة “الأراضي التي اقتُطعت خلال الاستعمار” لا يُنظر إليه دائماً كبحث تاريخي مشروع، بل كتهديد للوضع القائم، وهو ما يفسر حساسية هذا الملف في الخطاب الرسمي والإعلامي.
غير أن تجاهل هذه الوقائع لا يلغيها. فالتاريخ لا يمكن طمسه بقرارات سياسية، كما أن الاعتراف بتعقيداته لا يعني بالضرورة الدعوة إلى تغيير الحدود، بل إلى فهمها في سياقها الحقيقي.