
محمد شهبي
حين يقف المواطن طابوراً أمام نافذة إدارية، ينتظر دوراً قد يطول، أو يراجع ملفاً يتيه في دهاليز البيروقراطية، فإنه لا ينتظر خدمةً فحسب، بل ينتظر “هيبة الدولة”. المرفق العمومي، في جوهره، ليس مجرد مباني وموظفين وأختام، إنه العقد الاجتماعي المقدس بين الحاكم والمحكوم، وهو الترجمة العملية لوجود الدولة في حياة الناس اليومية. لكن، ما الذي يحول هذا المرفق من أداة خدمة إلى متاهة تعقيد؟ الجواب يكمن في غياب “قوة الردع”.
كثيراً ما نسمع عن قوانين زجرية، ومدونات سلوك، ولجان رقابية. المشكلة ليس في غياب النصوص، فالأرفف تمتلئ باللوائح، لكن الرفوف لا تُصلح فاسداً ولا تردع ظالماً. قوة الردع هي الروح التي تُنفخ في جسد القانون، هي اليقين الراسخ في ذهن كل موظف، مهما علا منصبه أو خفي مكانه، بأن الخطأ له ثمن، وأن الانحراف عن المسار سيُلاقى بعقاب حاسم وسريع. بدون هذا اليقين، تتحول القواعد إلى نصائح اختيارية، وتصبح الرقابة مجرد طقوس شكلية لا ترقى إلى مستوى “المحاسبة الفعلية”.
جيوب المقاومة
وهنا نصل إلى نقطة حساسة ومؤلمة في آن واحد، تلك “الجيوب المقاومة” التي تتشكل داخل الدهاليز الإدارية. لا ينبغي أن نخدع أنفسنا، فداخل كل مؤسسة عمومية، هناك من يجد في التعقيد مصلحة، وفي الغموض منفعة. هؤلاء ليسوا بالضرورة “فُسّاداً” بالمعنى الجنائي فقط، بل قد يكونون فساداً إدارياً، مقاومة للتغيير، تمسك بامتيازات غير مستحقة، أو حماية لمصالح ضيقة تتعارض مع المصلحة العامة. هذه الجيوب تعمل كالصدأ، يأكل هيكل المؤسسة من الداخل ببطء وصمت. ضرب هذه الجيوب لا يعني حرباً على الموظفين، بل هو عملية جراحية ضرورية لاستئصال الورم الذي يمنع المؤسسة من التنفس والنمو. لا إصلاح حقيقياً ما لم نجرؤ على كشف المستور داخل الإدارات، وتفكيك شبكات المحسوبية التي تحول دون وصول الحق إلى صاحبه.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} العقاب والردع
لكن، هل يكفي العقاب والردع وحدهما؟ الجواب قطعاً لا. القانون وحده قاسٍ وقد يولد النفور إذا لم يرافقه بُعد قيمي وأخلاقي. هنا تبرز الأهمية القصوى لـ “تخليق الحياة العامة”. التخليق ليس شعاراً يُرفع في الندوات، بل هو سلوك يومي، هو أن يشعر الموظف بأن وظيفته “رسالة” قبل أن تكون “مهنة”، وأن يدرك أن المال العام أمانة في عنقه، وأن المواطن شريك في الوطن وليس مجرد مراجع. عندما نزرع القيم الأخلاقية في قلب الإدارة، نقلل الحاجة إلى السوط، لأن الضمير الحي يكون هو الرقيب الأول قبل أن يكون المفتش الخارجي.
غير أن الأخلاق وحدها، بدون سن محاسبة صارمة، قد تتحول إلى مثالية ساذجة. لذلك، يجب أن تكون المحاسبة والعقاب “فعليين” و”مرئيين”. المواطن لا يطمئن حين يرى فاسداً يُنقل من منصب إلى آخر تحت مسمى “المصلحة العامة”، ولا يثق في وعود الإصلاح حين تبقى العقوبات حبراً على ورق خوفاً من “الضجة”. العقاب الفعلي يعني أن يطال الجميع دون استثناء، وأن تكون العقوبة رادعة بحق، تمنع صاحبها من العودة للخطأ، وترسل رسالة واضحة للآخرين بأن زمن الإفلات من العقاب قد ولى.
في الختام، إن بناء مرفق عمومي نزيه وفعال هو مشروع وطني بامتياز. لا يمكن أن يتحقق هذا المشروع إلا بثلاثية متلازمة: رقابة ذكية لا تنام، وردع قوي لا يهادن، وتخليق راسخ للقيم في الضمائر. حينها فقط، ستتحول الإدارات من أسوار عالية تحجب المواطن، إلى جسور مفتوحة تخدمه. وحينها فقط، سيعود للمواطن يقينه بأن الدولة حاضرة، وأن الحق لا يضيع وراء دهاليز البيروقراطية، بل يحميه سيف عدل لا يصدأ.
-باحث في العلوم السياسية
إقرأ الخبر من مصدره