تفاصيل مثيرة حول من يحكم نفوذ المغرب في فرنسا بعد سقوط الوجوه القديمة!

Écrit par

dans

0

كشفت صحيفة “لو موند” الفرنسية، في تقرير حديث، عن تحولات وازنة تعيد رسم ملامح شبكات النفوذ المغربية داخل فرنسا، بعد مرحلة طويلة ارتبطت فيها قنوات التأثير بأسماء بارزة اضطلعت بأدوار الوساطة بين الرباط وباريس في الملفات السياسية والثقافية والدبلوماسية.

وأوضح التقرير أن هذه الشبكات تعيش مرحلة إعادة ترتيب دقيقة، تتسم بتراجع حضور الوجوه التقليدية التي طبعت لسنوات طبيعة العلاقة غير الرسمية بين البلدين، مقابل صعود تدريجي لفاعلين جدد ينتمون إلى دوائر تكنوقراطية واقتصادية أكثر ارتباطا بالمؤسسات وأقل اعتمادا على العلاقات الشخصية الكلاسيكية.

وحمل التقرير عنوان “من الديناصورات إلى التكنوقراط”، في توصيف مباشر لمرحلة انتقالية تعبرها قنوات التواصل بين المغرب وفرنسا، مع أفول جيل ظل لعقود يشكل واجهة النفوذ المغربي في باريس، وبروز نخب جديدة تحاول التموضع داخل مشهد متغير تحكمه اعتبارات سياسية ومؤسساتية جديدة.

وسلطت الصحيفة الضوء على عدد من الأسماء التي لعبت أدوارا محورية في هندسة العلاقات غير الرسمية بين البلدين، من بينها رشيدة داتي، والطاهر بن جلون، ومهدي قطبي، وجاك لانغ، وهي شخصيات راكمت حضورا قويا داخل دوائر القرار الفرنسي، وظلت تضطلع بأدوار مؤثرة في تمرير الرسائل وتليين المواقف وربط جسور التواصل في القضايا الحساسة.

وبحسب التقرير، فإن التقدم في السن، إلى جانب ما أثارته بعض الملفات المرتبطة بعدد من هذه الشخصيات من جدل، أعاد إلى الواجهة سؤال الخلافة داخل شبكات النفوذ التقليدية. واعتبرت الصحيفة أن الأزمة الدبلوماسية التي مرت بها العلاقات المغربية الفرنسية خلال سنتي 2022 و2023 عرت هشاشة هذا النموذج، وكشفت حدود فعاليته في مواجهة التحولات الجديدة.

ورغم ذلك، أكدت “لو موند” أن بعض هذه الأسماء واصل لعب أدوار مؤثرة خلال ذروة التوتر بين الرباط وباريس، وساهم في نقل الرسائل بين العاصمتين، بما في ذلك ما يرتبط بموقف فرنسا من قضية الصحراء المغربية، مع تواصل مباشر مع دوائر القرار في قصر الإليزيه.

وفي هذا السياق، توقفت الصحيفة عند حالة جاك لانغ، الذي فقد، وفق التقرير، جزءا كبيرا من تأثيره بعد استقالته من رئاسة معهد العالم العربي على خلفية فضائح أثرت على صورته داخل فرنسا وخارجها. وأشارت إلى أن تعويضه بالدبلوماسية آن-كلير ليجندر يعكس بداية مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من الشخصيات ذات النفوذ الرمزي إلى وجوه مؤسساتية أكثر التصاقا بمنطق الدولة.

كما أبرز التقرير استمرار مهدي قطبي في أداء أدوار ثقافية وازنة تعزز الحضور المغربي داخل الفضاء الثقافي الفرنسي، إلى جانب الطاهر بن جلون الذي ظل معبرا عن مواقف المملكة في منابر إعلامية متعددة، خاصة خلال فترات التوتر السياسي والدبلوماسي بين البلدين.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول مغربي رفيع المستوى قوله إن البعد العاطفي الذي طبع العلاقات الثنائية تراجع بشكل واضح، في إشارة إلى أن المرحلة الجديدة تفرض الاعتماد على كفاءات تقنية وفاعلين أكثر التصاقا بالنجاعة المؤسساتية وأقل انجذابا إلى الامتيازات والعلاقات الشخصية التقليدية.

كما رصد التقرير امتدادات الحضور المغربي داخل المشهد السياسي المحلي بفرنسا، عبر متابعة الانتخابات البلدية ومواكبة صعود مسؤولين فرنسيين من أصول مغربية أو مزدوجة الانتماء، مع الإشارة إلى أن بعض المنتخبين من اليمين واليمين المتطرف يواصلون التعبير عن مواقف داعمة للمغرب في عدد من القضايا.

وفي مقابل تراجع الرهان على الرموز الكلاسيكية، أشار التقرير إلى أسماء جديدة بدأت تظهر في الواجهة، من بينها لميا العراجي، التي برزت ضمن محيط الحزب الاشتراكي بباريس، إلى جانب شخصيات أخرى شاركت في التعبير عن الترحيب بتحول الموقف الفرنسي من ملف الصحراء المغربية.

ولم يغفل التقرير دور الفاعلين الاقتصاديين، حيث أورد أن بعض المسؤولين التنفيذيين في شركات فرنسية كبرى يحتفظون بروابط مهمة مع المغرب، مع اعتماد مسافة واضحة بين مواقعهم المهنية وعلاقاتهم الشخصية، في انسجام مع تحولات المشهد الفرنسي وتراجع منطق الوساطات التقليدية.

وفي البعد الأكاديمي والفكري، كشف التقرير أن المغرب عمل، منذ منتصف العقد الأول من الألفية الحالية، على توسيع حضوره داخل الأوساط البحثية والجامعية الفرنسية، عبر دعم مؤسسات أكاديمية ومراكز تفكير، ما أفرز إنتاجا فكريا ومقالات تناولت قضايا استراتيجية مرتبطة بالمملكة، من بينها ملف الصحراء وأدوار الفاعلين الاقتصاديين الكبار.

كما أشار إلى أن الوجوه الجديدة في المجال الثقافي والفكري، من قبيل ليلى سليماني ورشيد بنزين، تتحرك في فضاء أكثر حذرا، وتفضل الاشتغال في دوائر التأثير الهادئ دون الانخراط المباشر في السجالات المرتبطة بالقضايا المغربية الحساسة.

ويخلص تقرير “لو موند” إلى أن المغرب يوجد اليوم أمام مرحلة دقيقة في تدبير شبكاته داخل فرنسا، عنوانها الانتقال من نفوذ الأشخاص إلى نفوذ المؤسسات، ومن العلاقات الخاصة إلى الفعالية التكنوقراطية، في سياق يفرض إعادة بناء أدوات التأثير بما ينسجم مع التحولات العميقة التي تعرفها باريس والرباط معا.

إقرأ الخبر من مصدره