فاتح ماي بلا روح.. حين تتحول النقابات إلى طقوس خاوية من المعنى

Écrit par

dans

0

هاشتاغ
مرّ فاتح ماي هذه السنة في المغرب كحدث بلا نبض، شوارع نصف ممتلئة، منصات باهتة، وشعارات مستهلكة تُعاد كل عام دون أن تُقنع حتى من يرددها.

ما كان يفترض أن يكون يوماً للاحتجاج والضغط الاجتماعي، تحوّل إلى عرض موسمي فاقد للروح، يكشف بوضوح أن النقابات لم تعد قادرة على تحريك الشارع، ولا حتى على إقناع قواعدها بجدوى النزول إليه.

المشهد في الرباط والدار البيضاء وطنجة لم يحتج إلى كثير من التحليل: حضور ضعيف، تعبئة محدودة، ووجوه مألوفة أكثر مما هي جماهير غاضبة.

النقابات اليوم تدفع ثمن سنوات من التكلس التنظيمي واللغة الخشبية، قيادات تتكرر، خطابات لا تتغير، وأساليب نضالية فقدت فعاليتها منذ زمن.

في المقابل، تتصاعد كلفة المعيشة بوتيرة أسرع من قدرة هذه الهيئات على مواكبتها، ما يجعل الفجوة بين القواعد والقيادات تتسع بشكل خطير.

والأسوأ أن النقابات لا تبدو واعية بحجم هذا التآكل، أو أنها تفضل تجاهله.
صحيح أن الحكومة تتحمل جزءاً من المسؤولية، خاصة مع نتائج حوار اجتماعي لم يرقَ إلى تطلعات الشغيلة، لكن تحويلها إلى “الخصم الوحيد” لم يعد يقنع أحداً.

فالنقابات التي يفترض أن تفرض ميزان قوى، تبدو اليوم عاجزة عن ذلك، بل وأحياناً شريكة في إنتاج نفس الأعطاب التي تشتكي منها. مفاوضات بلا نفس، وضغط بلا أثر، وشعارات بلا ترجمة على أرض الواقع.

الأخطر من كل ذلك هو أن فاتح ماي فقد رمزيته. لم يعد محطة للنضال بقدر ما صار موعداً بروتوكولياً تُلقى فيه الكلمات وتُرفع فيه اللافتات، قبل أن ينفض الجمع دون أثر يُذكر. حتى الشعارات التصعيدية التي حاولت بعض المركزيات الترويج لها بدت مفصولة عن واقعها، أقرب إلى محاولة إنعاش صورة متآكلة منها إلى تعبير حقيقي عن غضب اجتماعي.

الاحتقان موجود لكنه صامت. والغضب يتراكم، لكنه بلا قيادة. والنقابات، بدل أن تكون قناة لهذا الغضب، تحولت إلى جزء من الأزمة.

وهذا أخطر ما في المشهد فحين يفقد العمال الثقة في أدواتهم النضالية، يصبح الشارع مفتوحاً على كل الاحتمالات، من اللامبالاة إلى الانفجار غير المؤطر.

ما حدث اليوم ليس مجرد فتور عابر بل إنذار واضح، إما أن تعيد النقابات بناء نفسها على أسس جديدة، تنفتح على قواعدها وتستعيد مصداقيتها، أو تواصل الانحدار نحو الهامش، حيث لا تأثير ولا وزن. لأن الشارع، ببساطة، لم يعد ينتظر أحداً.

إقرأ الخبر من مصدره