الحوار الداخلي والواقع الخارجي

Écrit par

dans


عزيز بعزي

ثمة من يفضل قراءة “اليوميات” و”المذكرات” و”السير الذاتية” للشخصيات المجتمعية الشهيرة من الأدباء والمفكرين، وغايته من وراء ذلك التعرف على حياتهم وشخصياتهم. ومن غير الجائز الاعتقاد بأن السيرة الذاتية فن وأدب نابع من الخيال الصرف، وهي ليست كذلك، مادامت تستمد جمالها من روح كاتبها بشكل متصل بالواقع؛ فمجمل الأحداث المتعلقة بشخصيات السيرة الذاتية في صميمها واقعية. ولذا ينبغي ألا ننسى هنا أن تلك الشخصيات ذاتها أخذت كل ما يرتبط بالخيال والقدرة على عرض الصراع والأحداث من القصة؛ وفي الغالب تأتي تلك الأحداث، من حيث صياغتها في قالب فني أدبي. وقد أمدت السيرة الذاتية بعض كتاب القصص الواقعية – على وجه التحديد – بموضوعات قصصهم، مما يفسح المجال للكاتب القصصي بشكل عام لوضع أوراق السيرة الذاتية وحيثياتها نصب عينيه أثناء مراحل تأليف عمله الإبداعي القصصي. وبذلك تغدو العلاقة بين السيرة الذاتية والقصة علاقة أخذ وعطاء معًا.

عند النظر في حقيقة السيرة الذاتية، يستشف أنها قصة حياة فرد من الناس يكتبها صاحبها بنفسه. ويذهب هذا الفهم إلى أن أي قصة يكتبها الشخص بنفسه عن حياته قد تكون من قبيل السيرة الذاتية. والحق أن هذه الأخيرة، كجنس أدبي، تنفرد عن بعض الأشكال المتقاربة، وبخاصة “المقال الشخصي” و”اليوميات” و”المذكرات اليومية” التي تستخدم في السفر، و”رواية السيرة الذاتية” التي يبدو من اسمها أن موضوعها شخصي، ولكن كاتبها ليس كاتب سيرة ذاتية محترفًا. وليست السيرة الذاتية مجرد تسجيل حوادث وأخبار، بل هي عمل فني يترك أثره المنشود لدى المتلقي. وبداخل النص السيري تتشكل هوية الأنا السردية، بمعنى وجودها الذي يرسم كيانها الورقي. ويتحول النص السيري حينئذٍ إلى سرد لقصة حياة، هي أساسًا محطة تصل بين لحظتين مهمتين: إحداهما تحيل على لحظة الكتابة، وثانيتهما تحيل على ماضي الكاتب نفسه. وهذه اللحظة على كل حال تغدو وصلًا بين زمنين: زمن مضى قد انقضى، وزمن حاضر يمثل لحظة الكتابة، ومنطلق البداية في رحلة سرد تاريخ الأنا وتحولاته.

تصل السيرة الذاتية إلى مرتبة عليا من البوح حينما تتسم بشجاعة المواجهة، وإحجام كثير من الكتّاب عن الخوض – مثلًا – في ثالوث الدين والجنس والسياسة بنوع من الاعتراف المتحرر يكون مرفوقًا عادة بوازع التردد والخوف من ردود فعل الأهل والمقربين والوسط الذي تنتمي إليه الذات (اجتماعي، ثقافي، سياسي…). والإقدام على فعل الكتابة يستدعي ممارسة الأخذ بعين الاعتبار: انتقاء اللفظ المهذب، والبعد عن عبارات التجريح والمبتذل من كلام العامة، الذي قد يلحق الإساءة بالأشخاص المنتمين إلى محيط الكاتب نفسه. وإذا كان “فعل الكتابة لا يتم دون أن يصمت الكاتب”، كما يقول رولان بارت، فإن هذا الفعل أقرب ما يكون انطباقًا على كتابة السيرة الذاتية. ويشعر كاتبها شعور الشاعر الذي ينشد الوحدة مغازلاً نفسه وذكرياته. ومهما كان من أمر انشغال الإنسان بالعالم والآخرين، فإنه لا بد أن تأتي عليه لحظة يجد فيها نفسه في حوار مع نفسه. وتتم كتابة السيرة الذاتية عمومًا حينما يكون في مقدور كاتبها قطع صلته – إلى حين – بالبيئة الخارجية، وبالشكل المطلوب حتى يجمع شتات نفسه.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

حين يفرغ الكاتب لسيرته الذاتية، يحاول حسب قدرته أن يختلي بنفسه في لحظة صدق مع النفس أولاً، ولذلك يتمرد على سجن العالم الخارجي. وفي نهاية المطاف نجد أن السيرة الذاتية تجمع سحر الداخل ممتزجًا بالخوف من الخارج. وقد لجأ عميد الأدب العربي طه حسين إلى كتابة سيرته الذاتية “الأيام” – النص التأسيسي للسيرة الذاتية في الأدب العربي – مدفوعًا بالدافع نفسه بحثًا عن دفء الموقد الباطني، بسبب المحنة التي تعرض لها بعد نشر كتابه “في الشعر الجاهلي”؛ الحامل لموقفه الجريء تجاه مسألة انتحال الشعر الجاهلي، وكأنها استجابة فكرية لأثر “الخارج” على “الداخل”! أي موقف المجتمع من طه حسين نفسه، بعد أن دعا إلى آرائه التجديدية بشكل علني. وهنا تكمن أهمية مراعاة الهدف من الاعتراف، وهو في واقع الأمر جزء من مخطط شامل، يرنو إلى بناء سيرة ذاتية قد تبدو في ظاهرها مضمونًا للاعترافات القابلة للتصديق أو التكذيب، والحال أنها انعكاس لتلك الأزمات الفكرية والنفسية من جهة، ومن جهة أخرى تجسد رحلة بحث عن مقومات شخصية في حاضر الكتابة الآن.

لعلّه قد آن الأوان لنلاحظ أن كتابة السيرة الذاتية هي كتابة غير عادية بالنسبة إلى الذي يكتبها والذي يقرؤها. وعلى هذا النحو فهي تخضع لشروط تتصل بفعل الكتابة لا بالكتابة ذاتها، وهذا المجال ليس هينًا؛ حيث يتم استعراض من خلال هذه السير مجمل المواقف الإيجابية والسلبية ليتمكن القارئ من معرفتها. وهناك من يرى أن “أصدق حياة يمكن أن يكتبها الإنسان هي ترجمته لحياته الخاصة لأنه أعرف الناس بها”. ولم يجد عز الدين إسماعيل – ناقد وأديب مصري – حرجًا في نفي ذلك مبينًا “أن هذا غير صحيح في كثير من الأحوال، ففهم الإنسان لنفسه أمر مشكوك فيه، فربما كانت قدرته على فهم الآخرين أكبر من قدرته على فهم نفسه”. غير أن هذه المسألة نسبية؛ لكونها تتوقف على شخصية المؤلف، سواء أكان يكتب عن نفسه أم عن غيره، بحكم أن كتابة السيرة تتطلب صدقًا وضميرًا متيقظًا، ولاسيما في ما يكتبه الإنسان عن نفسه، كما تقتضي أيضًا الموضوعية والتحري الدقيق، وجمع المعلومات الكافية من مصادر موثوقة فيما يخص السيرة الغيرية. وبالمناسبة، فالفرق بين السيرة الذاتية والغيرية لخّصه إحسان عباس – الملقب بشيخ المحققين والنقاد العرب – بدقة وإيجاز في قوله: “إن الأولى (أي السيرة الذاتية) ذاتية مع شيء من الموضوعية، وأن الثانية (أي السيرة الغيرية) موضوعية مع ذرات صغيرة من الذاتية”.

الحاصل أن السيرة الذاتية واليوميات والمذكرات… من الأدب الشخصي، وهي بالذات إحدى وسائل الاتصال بين الناس؛ حيث ينقل كاتبها أفكاره إلى الآخرين كما ينقل عواطفه. والأدب لا يخرج عن كونه أداة تواصل بين الأفراد، على حد تعبير الأديب الروسي تولستوي. ولا مراء أن الاتصال هو حقيقة أساسية للوجود الإنساني. وحينما يقوم رجال السياسة بكتابة التاريخ يكتبونه وفق رؤيتهم الرسمية وربما السياسية. وعندما يكتب المفكرون التاريخ، ويرصدون حركة الفكر وحياة الناس، ينطلقون من توجهاتهم وشرطهم المفهومي والعقلي. بينما الأدباء، عندما يكتبون تاريخ أمتهم، ينسجون ذلك وفق منظورهم استنادًا إلى مقومات الأدب الأساسية مثل: الحقيقة والعاطفة والخيال والصورة أو الأسلوب. ولكن يبقى التاريخ الحقيقي هو تاريخ كل الناس، كتاريخ العلاقات الاتصالية فيما بينهم. وليس خافيًا أن لتطور وسائل الاتصال وثورة المعلومات منزلة كبيرة في كشف الحقائق، والحيلولة دون الزيف والتزوير. وليس من السهل حجب وجهة نظر أو التعتيم على الحقائق، فبمقدور أي فرد أن يكتب ما رأى، فالحقائق لم تعد حكرًا على أحد. وفي حالة إذا عدنا إلى معالم الحضارة العربية الإسلامية وخصوصيتها، نجد أن فن السيرة الذاتية غرض أدبي عريق. ولئن لم يتبلور متصوّره الذهني بما يتيح له الانفراد بمصطلح نقدي، فإنه قد صيغ على نماذج تكاد تصل به إلى منزلة الاكتمال في المضمون والغرض والأسلوب. وقد استوعب النقد العربي الحديث المصطلح الغربي المركب تركيبًا مزجيًا فحاكاه لفظًا وقال “بيوغرافيا”، ثم حاكاه صياغة فصهر منه مصطلح “الترجمة الذاتية”.

وهذا الضرب من الوضع والتصنيف قد جاء في كثير من المواضع، مبثوثًا بين مظان أغراض أخرى مختلفة في بطون مصنفات المؤرخين والجغرافيين والأدباء…، ولكنه انفرد بالتأليف فاستقامت بنيته في نموذجين: أولاهما جاءنا به “أبو حامد الغزالي” في مؤلفه “المنقذ من الضلال” (رحلة فلسفية). والثاني “ابن خلدون”؛ حيث قصد إلى التعريف بنفسه وبرحلته عبر الزمن المحكي. وفي هذين النموذجين نرى فن الترجمة الذاتية غرضًا مقصودًا لذاته، قد وعاه المؤلفان الوعي الكامل، ووضعاه على قواعده الكاملة والمحكمة. وإذا عدنا إلى حقيقة السيرة الذاتية، فإن نشأتها وغايتها الأولى ترتكز على ما هو تاريخي، ولكنها فيما بعد ابتعدت عن هذا الأصل التاريخي، وأضحت لها غايات أخرى كالتعليمية والأخلاقية… كما غدت فنًا قائمًا بذاته لها أصولها وقواعدها – كما بيّنا سابقًا – ولم تعد مجرد جمع للمعارف والأقوال وحشد للأخبار؛ حيث تعتمد على التحليل والطرائق العلمية، وعلى المناهج النفسية الحديثة.

على كاتب السيرة الذاتية إذن استحضار ما قلناه أثناء شروعه في مرحلة الكتابة المبنية على تأمل مراحل مسيرة حياته، أو الرد غير المباشر على آراء جدالية تعرض لها في حياته، أو موقف تجاه قضايا تخص الوجود أو المجتمع أو السياسة… وإذا كان الكاتب – صاحب السيرة الذاتية – يشعر بوقع الزمن الذي يهدده، ويعرض مشروعه للتلاشي في مرحلة ما من مراحل الحياة، فإنه قد يجد في تأليف سيرته الذاتية الفضاء الأوسع لقطع مواقفه تجاه حياته، والمناخ الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي يعيش فيه، غير بعيد – بالأساس – عن محورية الذات الفردية، المؤسسة لهذا اللون من التعبير “السيرة الذاتية”.

إقرأ الخبر من مصدره