وزير العدل وواجب احترام القضاء الدستوري

Écrit par

dans

الخط : A- A+

بغض النظر عن الأسلوب الذي سلكه وزير العدل تجاه المحكمة الدستورية وأعضائها، فإن ما فاه به من أقوال لا حاجة لذكرها، يغفل المبادئ الأساسية لدولة الحق والقانون المنصوص عليها في دستور المملكة والدور الأساسي للمحكمة الدستورية في النظام المغربي، وضرورة احترام مبدأ فصل السلط.

ألا تعتبر المحكمة الدستورية من أهم المؤسسات في النظام القضائي المغربي؟ ألم ينص الدستور المغربي، كما هو الأمر في سائر الدول، على أنها الجهة المعنية بمراقبة دستورية القوانين، والنظر في الإحالات المتعلقة بعدم مطابقة القوانين للدستور، وضمان عدم خروج المشرع عن المبادئ الأساسية للدستور؟ أليست هي بمثابة مرآة لا تعكس إلا اعوجاج الوجه المفتقر للوسامة؟

إن قرار المحكمة الدستورية بإلغاء مواد من قانون المسطرة المدنية موضوع غضب معاليه يرتكز، بقول كل الملاحظين، على تحليل قانوني دقيق للنص بالقياس إلى المبادئ الدستورية. وهو يأتي في إطار الحفاظ على التوازن بين السلطات وحماية الحقوق الأساسية؛ وبالتالي، فإن المحكمة لم تمارس إلا وظيفة أساسية تتمثل في الرقابة وضمان احترام دولة الحق والقانون.

ومن المهم التأكيد على أن قرارات المحكمة لا يمكن التشكيك فيها من الناحية السياسية أو الحكومية ولا سيما من طرف وزير العدل، إذ إن الدستور يضمن استقلالية المحكمة عن السلطة التنفيذية؛ وقد يبدو للبعض أن وزير العدل في تعليقاته أظهر تجاهلًا لهذه الحقيقة الجوهرية، مما يضعف من قوة حججه وقد يسيء إلى دوره في الحكومة وتعزيز دولة الحق والقانون، بل قد يبدو جليا للبعض أنه لا يكترث البتة بهذا الواجب المنوط به كمسؤول حكومي.

وقد يذهب البعض إلى القول بأن الوزير في تعليقاته يبدو غير واعي بأنه يقلل من أهمية استقلالية القضاء الدستوري وفصل السلطات. ورغم أنه هو من أعد القانون المعني لكن ذلك لا يمنحه أي سلطة في تفسير النصوص الدستورية، وبدلا من أن يعبر عن غضبه كان عليه التعامل مع قرار المحكمة الدستورية حتى وإن لم يتفق مع تفسيرها والعمل على إصلاح عيوب النص.

وقد يتساءل البعض، هل من حقه أن يسعى إلى الضغط على المحكمة الدستورية، وهو ما يتناقض مع المبادئ الأساسية لاستقلال القضاء؟ ألم يشعر أن هذه التصريحات من شأنها أن تضعف ثقة المواطنين في نزاهة المؤسسات القضائية، وتهدد استقرار النظام الدستوري ببلادنا؟.

وعلاوة على ذلك، فإن الوزير الذي يهاجم المحكمة ويقول إن علاقته بها سيئة، يجب عليه أن يدرك أن الدستور يلزم جميع السلطات، بما فيها سلطته، باحترام قرارات المحكمة الدستورية التي تعد جهة عليا دستورية لا ينتظر منها السعي لإرضاء صاحب أي نص، حيث دورها يكمن في قول ما تراه حقا، ليس إلا، ومن هذا المنطلق، كان يتعين عليه أن يظهر الاحترام الواجب للسلطة القضائية وأن يعترف بدور المحكمة في الحفاظ على استقرار النظام القانوني؛ وإلا، من الآن فما عليه إلا أن يصاحب كل نص يحال إلى المحكمة الدستورية بالقرار الذي يريده هو.

إن تعليق وزير العدل، الذي يُعتبر غير مسؤول وغير لائق بل ومهينًا تجاه أعلى سلطة قضائية في البلاد، يثير عدة تساؤلات بشأن احترام المبادئ الأساسية لدولة الحق والقانون والمؤسسات الدستورية، فكان من الأجدر به أن يتبنى نهجًا أكثر احترامًا وموضوعية، بدلاً من إبداء مشاعر خاصة والكف عن توجيه الانتقادات التي تضر بمصداقية الجهاز القضائي وحتى الحكومي.

إن إلغاء مقتضيات من قانون المسطرة المدنية الذي أثار حفيظة الوزير، يثير أيضًا لدى الملاحظ تساؤلًا مهمًا يتعلق باحترام المعايير الدستورية والحقوق الأساسية للمواطنين. فقد رأت المحكمة، عملا بدورها، أن بعض مقتضيات القانون المحال إليها لا تتوافق مع الضمانات الدستورية، بسبب تعارضها مع مبادئ الديمقراطية أو الحريات العامة أو حقوق الدفاع؛ فبدلاً من التركيز على الاستياء الشخصي، كان من الأفضل البحث في الأسباب العميقة التي أدت إلى إلغاء مواد من القانون، وهو الأمر الذي يعكس التزام المحكمة بحماية المبادئ الديمقراطية والدستورية.

إن إلغاء قانون من قبل المحكمة الدستورية هو فرصة للتصحيح والتفكير، وليس بمثابة إهانة شخصية، على وزير العدل أن يدرك أن الهدف من الإصلاحات القانونية هو خدمة المصلحة العامة وضمان التوافق مع الدستور، ومن خلال الإصرار على رفض القرار، يظهر الوزير موقفًا يعارض هذه المبادئ الأساسية.

إن موقف ووزير العدل من قرار المحكمة الدستورية يعد محاولة للتشكيك في سلطة واستقلال أعلى سلطة قضائية في البلاد. وإن تعليقه غير اللائق، يغفل المبادئ الأساسية لدولة الحق والقانون وفصل السلطات، إضافة أنه لا يؤدي إلا إلى إضعاف الثقة في المؤسسات القضائية.

ويذهب البعض إلى أنه كان على الوزير أن يتعامل مع قرار المحكمة بحكمة إن استطاع، وأن يفهم أن العدالة الدستورية ليست أداة لإرضاء صاحب النص المحال إليها بل هي ضمان أساسي لحماية الدستور.

إقرأ الخبر من مصدره