حين يصبح التافه نجمًا

Écrit par

dans


عبد الإله الرضواني

من المريح جدًا أن نُحمّل التافهين مسؤولية هذا الانحدار الذي يغمر شاشاتنا، وأن نتصرف وكأنهم كائنات هبطت علينا من كوكب آخر. لكن هذا التفسير، رغم جاذبيته، ليس سوى نوع من الهروب الجماعي من الحقيقة. التافه لا يظهر من فراغ، ولا يفرض نفسه بالقوة، بل يُصنع بهدوء، ويُرفع تدريجيًا، ويُمنح الشرعية، خطوة بعد خطوة، من جمهور يفضّل أن يتهم غيره بدل أن ينظر إلى المرآة من حين الى حين ويسائل نفسه.

ما نعيشه اليوم ليس «فوضى محتوى» كما يحب البعض أن يسميه، بل نظام دقيق تحكمه قواعد صارمة، عنوانها اقتصاد الانتباه. في هذا النظام، لا مكان للقيمة بمعناها الكلاسيكي. لا تُكافأ الفكرة لأنها عميقة، ولا المعلومة لأنها صحيحة، بل لأنّها قادرة على اقتناص انتباهك في ثوانٍ. ولهذا، لا عجب أن يتحول شخص لا يقدم سوى ردود فعل فارغة، أو آخر يبني مجده على صدمات لفظية وعبارات مبتذلة، أو ثالث يبيع الوهم الصحي بثقة مذهلة، إلى نجوم يُستضافون ويُحتفى بهم. ليس لأنهم استثنائيون، بل لأنهم متكيّفون بشكل مثالي مع منطق السوق.

الأمر لا يتعلق فقط بالخوارزميات، فهذه الأخيرة ليست عقلًا يفكر، بل مرآة تُضخّم ما نختاره نحن. حين يقضي آلاف، بل ملايين، الساعات في متابعة محتوى سطحي، فإنهم لا يستهلكونه فقط، بل يمنحونه سلطة الاستمرار. وحين يتحول هذا الاستهلاك إلى عادة يومية، يصبح من السذاجة أن نتساءل لماذا يتكرر نفس النموذج. لأننا، ببساطة، نطلبه.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

المفارقة الأكثر إزعاجًا أن كثيرًا ممن يهاجمون هذا الواقع هم أنفسهم جزء منه. يتذمرون من انحدار الذوق صباحًا، ثم يعودون مساءً لمتابعة نفس المحتوى الذي ينتقدونه، تحت ذريعة الترفيه أو قتل الوقت. وكأن الوقت شيء بلا قيمة، وكأن العقل لا يتشكل بما يستهلكه. هذا التناقض ليس تفصيلاً، بل هو قلب المشكلة: نحن نريد نتائج مختلفة، لكننا نكرر نفس السلوك.

من منظور علمي، لا شيء مفاجئ هنا. الدماغ البشري مبرمج على البحث عن المتعة السريعة وتقليل الجهد المعرفي. المنصات الرقمية استغلت هذا الميل، وضاعفته، وحولته إلى نموذج اقتصادي. النتيجة هي محتوى سريع، متقطع، قائم على الإثارة اللحظية. وفي مثل هذه البيئة، لا يصمد إلا ما هو خفيف، سهل، وقابل للهضم الفوري. أما المحتوى الذي يتطلب تركيزًا وصبرًا، فيُقصى تدريجيًا، ليس لأنه ضعيف، بل لأنه مكلف في زمن السرعة.

وهنا نصل إلى النقطة التي لا يحب كثيرون سماعها: المشكلة ليست في وجود التفاهة، بل في تحوّلها إلى معيار. حين يصبح عدد المتابعين بديلاً عن القيمة، وعدد المشاهدات معيارًا للحقيقة، نكون قد أعدنا تعريف النجاح نفسه. لم يعد النجاح مرتبطًا بما تقدمه، بل بمدى قدرتك على لفت الانتباه، بأي ثمن.

في النهاية، لا يمكن أن نطالب بمحتوى راقٍ في بيئة نغذي فيها يوميًا نقيضه. لا يمكن أن ننتج وعيًا ونحن نستثمر وقتنا في ما يُفرغه من معناه. التافه ليس مشكلة يجب استئصالها، بل مؤشر يجب قراءته بصدق. مؤشر على ذوق عام يتشكل، وعلى معايير تتغير، وعلى جمهور يختار، بوعي أو بدونه، ما يستحق أن يبقى في الواجهة.

ولهذا، فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا اشتهر هؤلاء؟ بل: ماذا فعلنا نحن لنمنحهم هذه الشهرة؟ لأن التفاهة، في نهاية المطاف، لا تفرض نفسها…هي فقط تجد من يفتح لها الباب، ويفرش لها الطريق، ثم يقف على الجانبين ليصفق.

في الختام، لا تظلموا التافهين، لأنهم لم يسرقوا الشهرة، بل نحن من وضعها بين أيديهم، بابتسامة، وإعجاب، ومشاركة.

إقرأ الخبر من مصدره