
سمير عزو
منذ ثلاثة عقود على الأقل، شهد العالم بأسره عودة الشعوب للتدين، بعدما كان قد غلب النزوع نحو المادية والإلحاد. مجتمعاتنا العربية الإسلامية، بدورها، عاشت فترة هبوب رياح الوهابية الكاسحة، وما يُسمّى بـ”الصحوة الإسلامية”، في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. حينها، لم يكن الغالب من الناس يعلم أنها صحوة لِنُسخة معينة من الإسلام، خرجت من رحِم “حرب الوكالة” في أفغانستان.
كذلك الأمر، لم يُحسب حساب لذلك السقوط الممدوّي لمُعسكر الاتحاد السوفياتي، الذي هوى بدوره على رؤوس المستضعفين، الذين كانوا يعتقدون بأفضليّة أمريكا على الشيوعيين في البقاء، ما دامت أمريكا أهل كتاب.. لكي يستفيقوا للتو على “أحادية قطبيّة” مريرة، دُشّنت بحرب الخليج الثانية وحصار العراق، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، إلى “الفوضى الخلاقة”، ثم ما سُمّي بـ”الربيع العربي”.
كان الجميع يهلّل بالعودة الميمونة، لشيء لم يروه في أمّهات الكتب ولم يفهمونه! كانوا فقط إذا ما سمعوا “قال الله وقال الرسول”، لا يُنكرون الأمر ولا يناقشونه! تماماً مثلما كانت “ميمونة تعرف ربَّها، وربُّها يعرف ميمونة”.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
فانفتحت السماوات بالنِت، بعدما كان العباد أَسْرَى للتلقين المُزركش حسب قوالب النَّسق العام ووحدة المذهب. صارت الناس تشاهد التفجير المصحوب بتكبير، ورعونة السبي والتكفير على كل المنصات. صارت أمّهات الكتب، وحتى “آباؤها”، مفتوحةً على مَصْراعيها، فأقيمت المناقشات والمناظرات.. وصارت ميمونة نفسُها تسأل: كيف ولماذا؟
حينها أدركت الناس أن هناك خللاً ما في منظومة التراث الديني، الذي يدعو للسلام وأغلبنا ليس في سلام، يدعو للإخاء لكن لا نرى في العموم إلا الجفاء. لماذا يُسفّر الشباب إلى بُؤر التوتّر من أجل إنهاء تعبهم في هذه الحياة؟ وكيف يرضى الإله كل هذا الدمار؟
كانت الإجابة جاهزة ومعلّبة كعادتها لدى فقهاء الوصاية، الذين يعيبون على “ولاية الفقيه” تشدّده ودكتاتوريته، قال: “تلك الجماعات المتطرّفة هي صناعة أمريكية غربية، تريد تشويه الإسلام”..!
لكن إذا كان الأمر كذلك، فالصناعة لا تكون عادة إلا بقِطَع غيار، ألا يكون موروثنا الدموي مُورِّد ذلك؟ فلماذا نخاف من السؤال!
ثم ذهب نور الدين إلى قلب أمريكا، وفتح عينيه على كل شيء: على الصناعة والكياسة والمادة وأشياء أخرى كانت تدور في ذهنه، قبل أن يقطعها كلام الفقيه “من مسّ الحصى فلا جمعة له”. هناك، ربما لم يكن ثابتاً قويّاً بما يلزم، ولم يلتزم الوسَط كعدد من أولئك المثقفين الذين خرجوا من جُبّة التخندق الطائفي المَقيت، بعدما خرجوا من محيط النَّسق العام، فصاروا كما يقولون: “مسلمين فقط”، ينتظرون في قاعة انتظار، لا شيعةٌ هم ولا هم سنّة..! أي نعم، ذهب إلى “أهل الكتاب” في أمريكا، فأمسى لا يؤمن بأي كتاب، وانطفأ نور الدين في قلبه، لكي تشتعل ذات ليلة شقّته، ويغادر إلى مثواه الأخير، تتهشّم جثّته الهامدَةَ أقاويلُ وتَعليقاتٌ عابرة للقارّات.
ما أسهل الوعظ وتسيقط الناس دون البحث فيما عاشوه، وأسباب انطفاء نور الإله في قلوبهم الرهيبة، لأن “أعقل الناس أعذرهم للناس” كما يقال. ومَن يدري، لربما يكون خيراً وأرحمَ على نور الدين أن يلقى الرحمن الرحيم وهو لا يعتقد في طوله (الستين ذراعاً)، كما تطول بذلك ألسنة “الإخوان”.. ولربما يكون أرحم له ألا يعتقد بتجسيم خالق وتشبيهه بـ”شاب أمرد”.
أجل، لقد تمرد نور الدين على كل شيء وألحد، فكان يظهر على منصات التواصل. وما أكثر أنوار الدين من أمثاله، الذين لا يظهرون إلا وهم يتساقطون من على الشرفات. كثيرٌ منهم لم تعد تُقنعهم أمّهات الكتب ولا آباؤها، ولا حتى خطب الفقهاء وترديدهم.. ربما ما وصلوا إليه يحكي قصةً أليمة لرحلة الدين الذي تفرّقت “دماؤه” بين القبائل، فأضحى رموزاً وطلاسِم لا يفكّها إلا الراسخون في سحر البيان وفحوى الخطاب.. بحذف ألفاظ أو زيادتها أو إبهامها من أجل التدليس على الناس.
لعل من أمثلة ذلك:
1/ في صحيح البخاري، الحديث 4827: يروي عن يوسف بن ماهاك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً، فقال مروان: “خذوه”. فدخل عبد الرحمن بيت عائشة، فقال مروان: إنّ هذا الذي أنزل الله فيه: “وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ…(الآية)”. فقالت عائشة من وراء حجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن، إلا أنّ الله أنزل فيه عُذري”. رواية البخاري مَقصوص منها ما قاله عبد الرحمن بن أبي بكر لمروان بن الحكم، حيث أنّ الرواية الأصلية توجد في أكثر من مصدر، منها: “سُنن النسائي” برقم 11427 بسنده عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه، قال مروان: سُنّة أبي بكر وعمر. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سُنّة هرقل وقيصر. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: “وَالَّذِي قَالَ لِأَبَوَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا..(الآية)”. فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب والله ما هو به، وإن شئت أن أسمي الذي أُنزلت فيه لسميته، ولكنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن آل مروان، ومروان في صُلبه، فمروان فَضَضٌ من لعنة الله (1).
2/ وكذلك في مسند أحمد بن حنبل، الحديث تحت رقم 19775: حدثنا حجاج، أخبرنا شعبة عن أبي حمزة جارهم قال: سمعت حميد بن هلال يحدّث عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة قال: كان أبغض الناس أو أبغض الأحياء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ثقيف وبنو حنيفة.
البخاري في “التاريخ الكبير” برقم 7005 يروي عن حميد بن هلال عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة أنه قال: أبغض الأحياء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): بنو حنيفة. رغم أنه بنفس السند، إلا أنه حذف “ثقيف”!
وأصل الحديث في “مسند أبي يعلى” تحت رقم 7421 يقول: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدوريقي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا شعبة عن أبي حمزة جارهم، عن حميد بن هلال يحدّث عن عبد الله بن مطرف، عن أبي برزة قال: كان أبغض الأحياء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): بنو أمية وثقيف وبنو حنيفة.
3/ وروى أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنّا جلوساً عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: “يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل يموت حين يموت على غير ملتي”. قال: وكنت تركت أبي يلبس ليخرج. قال: فطلع فلان”. قال الشيخ أبو الفيض الغماري: “فستره أحمد بن حنبل على عادته، لكن البلاذري في “أنساب العرب” صرّح به: فطلع معاوية” (3). كالتالي: حدثنا عبد الرازق بن همام ثقة حافظ، أنبأنا معمر بن راشد ثقة ثبت فاضل، عن ابن طاووس ثقة، عن أبيه “طاوس بن كيسان” ثقة إمام فاضل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: (كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: “يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل يموت على غير ملتي”؛ قال: وكنت تركت أبي قد وُضِعَ له وضوء، فكنت كحابس البول مخافة أن يجيء؛ قال: فطلع معاوية، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “هو هذا” (4). وقد وطّأ عدنان إبراهيم، وهو يذكر هذا التدليس، بحديثه عن مكانة الشيخ أبي الفيض الغماري، كان آخر الحفاظ (5).
الهوامش:
(1) نفس الحديث موجود عند الحاكم في مستدركه تحت رقم 8733، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(2) هذا الحديث قال فيه المحقق حسين سليم أسد: حديث إسناده حسن.
(3) رواه من عدّة طرق كلها رجال البخاري ومسلم.
(4) رواه البلاذري في “أنساب العرب” ج1/ ص: 126/ ر: 1518؛ بإسناد صحيح على شرط مسلم؛ بتحقيق الحافظ الغماري في “الجؤنة” ج2/ ص: 154/ ر: 427.
(5) عدنان إبراهيم، “ثلاثة أحاديث خطيرة عن معاوية علق عليها أبو الفيض الغماري”، 1 مارس 2023 (محاضرة على اليوتيوب).