
عمر أوشن ـ كود//
كان شعوري أن نبيل لحلو قد تعب.. قال لي في باب المسرح في ذاك المساء قبل العرض .. المسرحية طويلة وتعبت أمس ..
العرض الثاني. كان كما البرنامج ذاك المساء الشتوي البارد.. يلعب شخصيته وحده.. مونودراما ليروي حكايات حياة مليئة بالفن والفرح والمغامرة والغضب والحزن ..
كان يريد أن يحكي من يوم مولده في فاس في ذاك المغرب الغابر ثم حكايات متاهات الوجود..
سرد مسرحي دراماتولوجي ..
من يوم.. كما قال ..
ماما حلمت بيا.. حتى حملت بيا..
وأول عمل مسرحي ضد النمطية قدمه للجمهور وهو تلميذ فأثار ضحك المتفرجين وأثار الخوف والرفض عند الكهنة وحراس المعبد والقائمين على شؤون الناشئة..
هذا الطفل خارج الطريق.. هذا الفتى الصغير يحمل جينات الجنون والفن في عقله ..
من أيام فاس العجيبة إلى رحلته مع عباس إبراهيم في عروض مسرحية.. أوفيليا لم تمت.. الجزائر وتونس وليبيا.. وكان غالبية الجمهور من بوليس الاستقلال ومثقفي الإدارة.. ثم مصر. ولم يجد مكانا في برنامج مسرح تحية كاريوكا.. وأكمل الرحلة إلى الشرق الأوسط .. بيروت ودمشق وبغداد.. وبعدها أوروبا.. ثم إلى الشيخوخة الملعونة والكرسي المتحرك والعكاز والتعب من عالم قاس غير عادل.. ضاج بالمدعين واللصوص ..
كانت بحق سيرته الذاتية وحكاية مساره الطويل مع المسرح.. كانت مسرحية الوداع من أولها إلى آخرها..
قال لنا فيها باي باي مع السلامة..
تعبت.. تعبت ولاشيء يتغير في هذا العالم..
رحمك الله صديقي.. الفنان الكبير..
أحسست وأنا أغادر نهاية العرض في مسرح محمد الخامس أن نبيل لحلو.. يواجه مصيره وقدره بكثير من الفن ولينيرجي وهرمونات الشباب والعنفوان بلا هشاشة وهو قد بلغ من السن ما بلغ..
الشيخوخة الظالمة.. لم تنل منه.. هااا أنا هنا أصرخ.. صرخة لوحة ..
في حفل الوداع المسرحي هذا.. انفجر نبيل لحلو كما العادة.. وصفى المياه الآسنة.. صفي تلقى ما تشرب..
صفى الحساب مع من مروا في حياته بالخير وبالشر..
من يعمل مثقال ذرة خيرا ذكره في عمله بالاسم والصورة والقصة ومن عمل كراهية وشرا ذكره بالاسم والصورة والواقعة.. شرح ملح ..
وطزززز في العالم وفي موالين هذا من فضل ربي وفي هركاوة وفي المخبرين.. ماذا تبقى لنا ونحن في هذا العمر وهذه التجربة المتشعبة الغنية العاصفية..
المثابرة والتحدي الذي طرحته دائما سؤالا في ذهني هو.. كيف كان يتحمل ويقدم أحيانا مسرحياته أمام حفنة جمهور يعد على رؤوس الأصابع..؟
من أين له تلك القدرة..؟ هل يقبل المرء الحرث في الماء..
الطيب الصديقي لأسباب أخرى في أواخره وقع له نفس الامتحان القاسي.. أن تلعب بدون جمهور تقريبا.. غالب الظن أن الصديقي لم يتحمل هجرة الجمهور عنه..
ظل نبيل لحلو في شبابه ويقظته وشعلته رغم العمر الذي طوى..
نبيل لم يمت..
مات واقفا..
كان متوقعا أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على خشبة مسرح..
كان صديقي حفيظ بدري المسرحي والتشكيلي يقولها لي كل مرة ونحن نشاهد عروضه..
نبيل سيموت وهو على المسرح..
حفيظ يحب نبيل مثل علاقة الشيخ والمريد..
لم يمت نبيل مكسورا محطما مريضا باهتا..
لم يختف.. كما تختفي الطيور لتموت..
ظل حاضرا… إلى آخر خطبة وداع.. اللهم قد بلغت..
أطلق فيها النيران على جماعة الخوف والغنيمة ورفع وأثنى واعترف بفضل وحب طبقة أخرى.. نبيلة مشرفة مناضلة مثقفة عاشقة حالمة بمغرب جديد..
كان من عادتي الحديث مع سي نبيل مرة مرة على واتساب.. كنت أضحك وأستمع وأستمتع.. كان صديقا ..
يرسل لي مقالاته وبلاغاته القوية… شرح ملح.. أحيانا أترجمها لكي تجد طريقها للنشر..
في نهاية رمضان كتب لي.. في دردشة ..
الأشياء في المغرب لا تتغير.. تستمر الروتينية كأن الوقت جامد..
يومك جميل.. في انتظار نهاية الشهر الرمضاني…
كنت أعيش كآبة العشر الأواخر.. لكن طاقة الشيخ كانت حافزا لي..
في مسرحية.. مشا ميشميشة..كان نبيل لحلو كأنه يكمل الجزء الثاني من السيرة مع رفيقة حياته صوفيا هادي الفنانة المشرقة ..
شاهدت العرض مرتين ..
مرة عند دار الثقافة في سلا..
ومرة ثانية في مسرح محمد الخامس..
والثالثة لم يكتب لها العرض بعد أن حدد التاريخ والإعلان ووجهت الدعوة ..
نبيل لعب شخصية المخرج فريد fred وهو يبحث في كاستينغ امرأة للتشخيص.. أراد نبيل تقديم عرض آمن به كثيرا.. لكن… الصحة يا.. الصحاااا يا وعدوة مولاها..
هذه المرة خانته وخذلته.. فأجلت المسرحية ..
ماشا ميشميشة مسرح راق يخاطب الحواس والعقل ..
مع ممثلة كبيرة من قيمة صوفيا هادي..
بعث لي نبيل لحلو بلاغ تأجيل عرض ماشا ميشميشة.. فأرسلته بدوري لمن أخبرتهم باللقاء..
خلال المهرجان الوطني شعر الممثل والمؤلف المخرج أنه بيرسونا نون كراطا.. غير مرغوب فيه عند فريق مهندسي الثقافة ..
لم توجه له دعوة مشاركة… ماشا ميشميشة.. تبحث عن دور في محاكمة سقراط…
الأسباب يعلمها الله والراسخون في علم الإدارة.
كان نبيل متمردا وظل كذلك وهو في آخر العمر..
فارق الحياة على طريقة الكبار..
بلا رعدة الشيخوخة ولا هشاشتها ..
بعين الشباب الذي كان في مغرب يبحث عن كرامة وعدالة وإنصاف وقطع مع المافيات والعصابات والبؤساء وتجار الدين وحداثة مفترى عليها..
ظل نبيل فنانا كبيرا في العين كما الكبار..
بني وعل.. وإمش وخلي..
لكن المسرحي لم يبن عمارات..
ترك إرثا.. خلف كتابا مفتوحا..
خلف معالم في الطريق..
طريق الفنون والحرية..