الثقافة ومنزلتها

Écrit par

dans


عزيز بعزي

بين ثنايا تركيبة الأنساق الثقافية والهويات، لا توجد تماماً أية مسافة؛ إذ ما من هوية إلا وفي داخلها تختزل ثقافةً، فلا هوية بدون منظور ثقافي؛ والثقافة في جوهرها هويةٌ صرفة، حتى لا نجانب الصواب. وفي الهوية الواحدة يمكن للثقافات أن تتعدد، كما تتنوع الهويات في الثقافة الواحدة، وذلك ما يعبَّر عنه بالتنوع في إطار الوحدة؛ فهوية شعب من الشعوب قد تنتمي إلى ثقافات متعددة، تمتزج عناصرها ثم تتلاقح مكوناتها؛ فتتبلور في هويةٍ بصبغة واحدة. ولنضرب مثلاً يوضح هذا الأمر: فالهوية العربية-الإسلامية تتشكل من ثقافات الشعوب والأمم التي دخلها الإسلام، سواء اعتنقته أو بقيت على عقائدها التي كانت تؤمن بها؛ وقد امتزجت هذه الثقافات بالثقافة الإسلامية، ثم أسهمت تاريخياً في صياغة وتشكيل ثقافة إسلامية تملك هويةً حضاريةً متفردة. وكذلك هو الأمر بالنسبة للهوية العربية-الإسلامية التي تشكل جماعَ هويات الأمم والشعوب التي انضوت تحت لواء الحضارة العربية-الإسلامية، مما يدل على بُعدها الإنساني المنفتح.

حالياً، ارتبط سؤال الهوية بعملية العولمة؛ وبالفعل، فحيثياته الصريحة والمضمرة تعبِّر عن التحدي الحضاري الذي يشهده العالم الإسلامي مع نهاية الألفية الثالثة. ويكاد يكون سؤال الهوية الهاجسَ الوحيد في أي معالجة لسيرورة العولمة، الرامية من خلال إستراتيجياتها إلى اجتياح بقية العالم، وتهديد الثقافات المحلية والقومية. فتطوُّرات العولمة أدخلت العالم في تفاعلات ومواجهات لم يعرفها من قبل، ويُعزى ذلك إلى إسقاطها المستمرِّ لحدود الزمان والمكان؛ حيث تهدد الجغرافيا وحدودَ الدولة السياسية، وكل هذه المظاهر بما تحمله من أبعاد مستقبلية كانت تعني سابقاً السيادةَ الوطنية والأمنَ بمعناه العام السياسي والعسكري والنفسي…

ما الهوية؟

أصرَرْتُ على طرح هذا السؤال للتأكيد على الحاجة الملحة لتحديد مفهوم الهوية حتى تتضح الأمور أكثر فأكثر. وإذا كان هذا المفهوم يظهر في كثير من الكتابات كأنه لا يحتاج إلى تعريف، أو أنه يُفصح عن نفسه، إلا أنه في حقيقة الأمر شديد الغموض. ورغم أن كثرة التداول قد توحي ببساطة معناه، فهو يُستخدم بين كل فئات المجتمع على أساس أنه يدل على رُوح الشعب، وهو شعور لا يحتاج إلى شرح كثير بسبب المضمون المباشر للهوية. وهذا التبسيط في حد ذاته نتج عنه بشكل مباشر موقفٌ غامضٌ ومتذبذبٌ ورافضٌ أحياناً لسيرورة العولمة.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

لم يكن المسلمون في كل الأحوال بحاجة للتأكيد على هويتهم؛ فعلى أرض الواقع تحقَّقت حينما تسيَّدوا العالم بالفتوحات والحضارة التي أعلت من شأنهم. ويَغدو سؤال الهوية مُلِحّاً ومُقلقاً في آن واحد حينما تتهدَّد هذه الهوية بتخلُّف وتراجُع أصحابها؛ والحاصل أن مفهوم الهوية في أصله مفهوم غربي لم تعرفه اللغة العربية إلا حديثاً، وهذا لا يُقلِّل كما هو معلوم من شأن الثقافة العربية الإسلامية على وجه التحديد.

مسألة الهوية في الفكر العربي والإسلامي المعاصر

قد أُثير سؤال الهوية مرتين في الفكر العربي والإسلامي -الحديث والمعاصِر معاً-: مرةً أثناء ما يُعرف بعصر النهضة، وهو يرتكز على علاقة العالم العربي-الإسلامي بالغرب عموماً: ماذا يأخذ عنه وماذا يرفض؟ وما طبيعة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يريد قيامها؟ ومرةً ثانية في الفترة المعاصرة، أي خلال العقد الأخير من القرن العشرين. ومن الأسئلة التي فرضت نفسها وقتذاك: هل ضاع قرنٌ ثمينٌ عبثاً من حياة شعوبنا ومجتمعاتنا؟ ولذا فالبحث المتأني في المعاجم العربية يشير إلى أن لغتنا لم تعرف مفهوم الهوية إلا حديثاً، كما خلصنا سابقاً؛ فهي تخلو من هذا المصطلح الحديث، إذ لا يعدو الشرحُ عن أن تكون الهوية مُستقاةً من فعل “هوى” أي سقط من الأعلى، وأن يكون معناها البئرَ البعيدةَ القَعْر.

وإذا احتجَّ بعض المفكرين بأن تعريفَ الهوية ليس غريباً عن موروثنا، مستدلاً على ذلك بالقول بأن معاجمنا القديمة قد ضمَّته، فإن أغلب المفكرين رأى أن ما ورد في هذه المعاجم لا علاقة له بمفهوم الهوية الذي نعرفه اليوم إلا إذا قمنا بعمليات تأويلٍ تلوي عنق المعاني لتنسجم مع ما نريده نحن منها الآن. ورغم استخدام هذا المصطلح آلافَ المرات داخل سياق المشاريع الفكرية الكبرى، فمن النادر أن نجد تعريفاً له، كأنه ليس بحاجة إلى تعريف.

والحقُّ أن مفهوم الهوية انتقل إلى الفكر العربي والإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، في غِمَار الترجمات التي بدأت تتراكم. ويُعَدُّ مصطلح “الجامعة الوطنية” أقربَ هذه المصطلحات معنىً إلى مصطلح الهوية. وأول من استخدم مصطلح الهوية هو المفكر المصري سلامة موسى (ت 1958م). وبنظري، فالهوية: مجموعةُ القيم والعناصر والسمات التي تجمَّعت عبر العيش في مكان وزمان واحد، ورسخت إلى حد ما بعد أن تفاعلت فيما بينها بشرف هذا الانتماء.

دوائر الهوية الثقافية وقوانين الاجتماعات الثقافية

على ثلاث دوائر تتحرك الهوية الثقافية، وهي متداخلة إلى درجة أنها ذات مركز واحد:

“الفرد داخل الجماعة الواحدة”: قبيلةً كانت أم طائفةً أم جماعةً مدنيةً (حزباً أو نقابةً… إلخ). فهو -أي الفرد- عبارة عن هوية مستقلة، حيث يمثل “أنا” لها “آخر” داخل الجماعة نفسها.

و”الجماعات داخل الأمة” هي كالأفراد داخل الجماعة: لكل منها ما يميزها داخل الهوية الثقافية المشتركة، ولكل منها “أنا” خاصة بها، و”آخر” من خلاله تتعرف على نفسها بوصفها ليست إياه.

والشيء نفسه يقال بالنسبة إلى “الأمة الواحدة” إزاء الأمم الأخرى.

هناك إذن ثلاثة مستويات في الهوية الثقافية لشعب من الشعوب: الهوية الفردية، والهوية الجمعوية، والهوية الوطنية أو القومية.

ليست العلاقة بين هذه المستويات قارَّةً، لكونها تشهد اتساعاً وضيقاً حسب الظروف، وأنواع الصراع واللاصراع، والتضامن واللاتضامن. وبصيغة أخرى: فالعلاقة بين هذه المستويات الثلاثة تتحدد أساساً بنوع “الآخر” وموقعه وطموحاته. فإذا كان داخلياً ويقع في دائرة الجماعة، فالهوية الفردية هي التي تفرض نفسها كـ”أنا”. وإن كان يقع في دائرة الأمة، فالهوية الجمعوية (القبلية، الطائفية، الحزبية… إلخ) هي التي تحل محلَّ “الأنا” الفردي.

في حين إذا كان خارجياً -أي يقع خارج الأمة (الدولة والوطن)- فإن الهوية الوطنية أو القومية هي التي تملأ مجال الأنا.

بالطبع، فأهمية مفهوم الهوية الثقافية تنبع من واقع أنه لا يمكن الحديث عن جماعة مستقلة، أي ذات إرادة ووعي مستقلين ينجم عنهما ممارسة تاريخية مستقلة، أو مشروع جماعي، من دون موارد ثقافية متميزة. وفي حالة إذا فقدت الجماعة تميزها الثقافي -أي مواردها الثقافية الخاصة- فقد فقدت هويتها كجماعة مستقلة، واندمجت في غيرها، سواء من خلال تمثُّل ثقافة أخرى أو بالخضوع لها مع الاحتفاظ بملامح ثقافية لا تتفاعل مع الواقع، ولكنها تعكس انتماءات تاريخية. وهذا هو ما يمكن أن نسميه القانون الأول في الاجتماعات الثقافية، وهو الذي يفسر استمرار الثقافات الخاصة والتمسُّك بالخصوصيات، والصراع من أجل الحفاظ عليها لدى الجماعات المختلفة، سواء أكانت خصوصيات لغوية أو ثقافية.

ويقوم القانون الثاني على فكرة مفادها أنه لا توجد ثقافة مستقلة عن الثقافات الأخرى، لكونها تتفاعل ولا تخلو من سُبُل الهيمنة والخضوع فيما بينها على درجات متباينة. وقد تكون تلك الهيمنة كاملة أو سطحية، كما يمكن أن تحتل ميادين عدة: أدبية، ودينية، وأخلاقية، وفنية، ولغوية.

يتجلَّى القانون الثالث في كون الثقافة المسيطرة لا تحتل موقعها المتفوق بسبب تفوق منظومات قيمها الأخلاقية أو الدينية أو الفنية، ولكن بحكم كونها ثقافة المجتمعات المسيطرة، وهي نتيجة للسيطرة على المادية التي أثبتت استمراريتها النسبية سواء أكانت عسكرية أم اقتصادية أم سياسية.

في حين يتجلَّى القانون الرابع في كون السيطرة الثقافية لا تعني سلْبَ الثقافات الأخرى اتساقَها الداخلي وقدراتِها الإبداعية؛ فعن طريق بلورة إستراتيجيات فعَّالة، بإمكان الثقافات الحدِّ من هذه السيطرة أو التعامل معها؛ حيث تسمح لها بالاستمرار في البقاء والصراع والمشاركة في الإبداعات الحضارية، كما هو الحال اليوم بالنسبة للثقافات الأوربية في مواجهة الثقافة الأمريكية. وبشكل عام، فالثقافات منظومة قديمة التركيب، قائمة في تشييد معالمها العظمى على القدرة التامة على الحركة والتكيف والتأقلم والتجدُّد باستمرار، لامتلاكها آليات ووسائل القدرة على تطوير ميادين ووظائف تفتقر إليها بالاعتماد على الثقافة المسيطرة.

إقرأ الخبر من مصدره