الغيرة تقلب الأدوار

Écrit par

dans


أحمد لعيوني

بين جدران شقة ضيقة في قلب المدينة القديمة، كان الصمت يئن تحت وطأة المختار. عاد من عمله والشرر يتطاير من عينيه، غيرة من شبحٍ لا يراه أحد سواه. كانت صرخة واحدة كفيلة بأن تحول البيت إلى حلبة من طرف واحد.

بصق المختار الكلمات في وجه عائشة وهو يشدها من خصلات شعرها:

– مع من كنت تتحدثين في الحمام؟ عيناك تفضحانك! تريدين التحرر؟ سأريك الحرية! لم تكن تملك إلا دموعها درعا. انهال عليها بضربات مبرحة، تجسد فيها كل جنون التملك لديه. تركها حطاما وغادر إلى عمله، كأن شيئا لم يكن.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

حين عاد في المساء، وجد البيت موحشا. دخل غرفة النوم، ففزعت الطفلة هبة وشقيقها الأصغر سعد.

صرخ المختار وهو يقلب المراتب:

– فين ماما؟

ردت هبة بصوت يرتجف:

– ماما.. ماما أخذت حقيبة صغيرة وقبلتنا.. وقالت إنها ستبكي بعيدا.

جن جنونه.

-كيف تجرؤ؟

أطعم الصغيرين بخبز وجبن، ودس لهما في الحليب قطرات من دواء منوم كان قد اشتراه لنفسه في ليالي أرقه.

– ناموا.. سأعيدها من شعرها قبل الفجر.

استقل آخر حافلة متجهة إلى الكارة. كان الطريق إلى الدوار خارج المركز، مظلم يعكس سواد قلبه. وصل إلى بيت أصهاره في منتصف الليل، ليرتطم بوقار الحاج ادريس وأبنائه.

– أعطوني زوجتي! هربت كالجبانة وتركت الأطفال.

– الجبان هو من يمد يده على امرأة استأمنه الله عليها، يرد الصهر بقوة. عائشة ليست هنا، ولو كانت، لما رأيت ظلها.

– إنها مقصرة، متهورة، تخرج دون إذن وتصاحب الغرباء، يؤكد المختار.

الحاج ادريس بصوت رخيم ومهدد:

– بل أنت من قصرت في رجولتك. حبستها حتى اختنقت، وضربتها حتى كفرت بالعشرة. اسمع يا مختار، ابنتنا أمانة، وإن لم تجدها وترجعها معززة، فسيكون حديثنا القادم أمام القاضي. ارحل الآن، رائحة الظلم تفوح منك.

عاد في الصباح الباكر، منهكا، محطما، وعيناه زائغتان. نزل في المحطة الطرقية بالبيضاء، والزحام يخنق الأنفاس. أراد اختصار الطريق، لم يبال بإشارات المرور ولا بممر الراجلين. كان يرى وجه عائشة في كل زاوية.

– انتبه!

جاءه الصوت ممزقا من آخر الشارع، كأنه عبر طبقات من الهواء المثقل، لكن أذنيه لم تلتقطاه في الوقت المناسب. في لحظة خاطفة، انشطر الزمن. دوي حاد، معدن يصرخ وهو يرتطم بلحم وعظم. لم يفهم المختار ما حدث، فقط شعر بجسده ينتزع من الأرض، كأنه ورقة خفيفة عصفت بها ريح مفاجئة. ارتفع… ثانية، أو أقل… لكنها بدت له زمنا بلا حدود. في ذلك الفراغ المعلق، رأى السماء قريبة بشكل غريب، باهتة، بلا معنى.

ثم السقوط.

اصطدم جسده بالإسفلت الساخن، قاسيا كحقيقة لا ترد. انحبس الهواء في صدره، وانفجر الألم دفعة واحدة، كأن آلاف الإبر انغرست في ساقيه.

– ساقي… سساقي!

خرج صوته مبحوحا، متكسرا، يكاد لا يسمع. حاول أن يتحرك، لكن الألم شده إلى الأرض كقيد. نظر إلى ساقه، فلم تعد كما كانت قبل لحظات؛ وضع غريب، زاوية خاطئة، شيء داخله يصرخ بأن هناك ما انكسر.

تجمع الناس بسرعة، وجوه تتكاثر فوقه، عيون تتسع، شفاه تتمتم. كانوا قريبين… قريبين جدا، ومع ذلك بدوا بعيدين كغرباء. بعضهم يمد يده، ثم يتراجع، آخرون يكتفون بالمشاهدة، وكأنهم أمام مشهد تمثيلي لا يمسهم. اختلطت الأصوات:

– جيبوا الإسعاف!

– ما تحركوش!

– يا لطيف….

رائحة الإسفلت، الغبار، وشيء معدني خفيف – ربما دم – ملأ أنفه.

لم تمضِ دقائق حتى اخترق المكان صوت صفارة الإسعاف، حادا، حاسما، كأنه يعيد ترتيب الفوضى. انحنى المسعفون فوقه، حركاتهم سريعة ومدروسة. أحدهم ثبت رأسه، آخر تفحص ساقه بعناية، وثالث كان يهمس له:

– خليك معنا… ما تخافش….

شعر بيدين ترفعانه برفق هذه المرة، مختلفتين عن قسوة السقوط. وضع على الحمالة، وأدخل إلى السيارة حيث ضاق العالم فجأة، وتحول إلى أضواء بيضاء وصوت جهاز ينبض.

في الطريق، كان الألم يتصاعد وينخفض كمد وجزر، فيما بدأ وعيه يتلاشى عند الأطراف. لم يعد يرى الشارع، ولا الناس… فقط سقفا أبيض يهتز مع حركة السيارة.

في المستشفى، انفتحت الأبواب بسرعة، وتدفق الضوء بقوة. أدخل غرفة الطوارئ، حيث توزعت الأوامر بحدة:

– ضغطو ضعيف شوية!

-جهزوا الأشعة!

-ثبتوا الرجل!

برد المكان تسلل إلى جلده، مختلفا تماما عن حرارة الشارع. قصت ملابسه حول موضع الإصابة، ووضعت جبيرة مؤقتة. كان يسمع، دون أن يفهم تماما، كلمات عن “كسر”، و”ضرورة التثبيت”، و”العملية إن لزم الأمر”. ثم جاءت الإبرة… لحظة وخز خفيفة، بعدها بدأ الألم يتراجع، كوحش أجبر على التقهقر.

في غرفة الأشعة، رأى صورا لعظامه، خطوطا بيضاء دقيقة، إحداها منكسرة بوضوح. تأكد الحدس الذي صرخ داخله منذ السقوط: ساقه لم تعد كما كانت.

مرت الساعات بطيئة، بين فحوصات وتثبيت نهائي للساق. وضعت في جبس أبيض ثقيل، كأنه إعلان رسمي عن العجز المؤقت. استقر أخيرا في غرفة هادئة، تتردد فيها أصوات خافتة لأجهزة وممرات.

في اليوم التالي، بدأت الوجوه المألوفة تحل محل الغرباء.

دخلت أمه أولا، عيناها حمراوان، لكنها حاولت أن تبتسم. لم تقل شيئا في البداية، فقط وضعت يدها على جبينه، كأنها تتأكد أنه ما زال هناك. بعدها جاء أخوه، يحمل قلقا مغلفا ببعض الدعابة:

– آ المختار، بقيتي باغي تطير؟.

ضحك المختار بخفة، لكن الضحكة انكسرت قبل أن تكتمل.

توالت الزيارات: قريب يسأل عن تفاصيل الحادث وكأنه يعيد تركيب المشهد، صديق يحاول أن يخفف الجو بنكات خفيفة، جار يكتفي بالدعاء الصامت. ومع كل زيارة، كان المختار يستعيد شيئا من نفسه، كأن الألم، رغم قسوته، يفسح مجالا لدفء آخر.

بعد أيام، خفت حدة الألم، وبدأ يتحول إلى وجعٍ يمكن احتماله. تعلم كيف يتحرك بحذر، كيف يوازن جسده دون الاعتماد على ساقه المصابة. صار ينظر إلى الجبس كرفيق ثقيل لا بد منه، لا كعدو.

حين جاء يوم الخروج، كان يحمل شعورا غريبا: امتنان لأنه نجا، وقلق مما ينتظره خارج هذه الجدران الآمنة. ساعده الممرض على الجلوس، ثم الوقوف مستندا إلى عكازين. خطوة أولى مترددة… ثم ثانية.

قبل أن يغادر، التفت إلى الغرفة. نفس الجدران البيضاء، نفس الهدوء… لكنها لم تعد كما دخلها أول مرة. هنا، بين الألم والانتظار، تعلم أن لحظة واحدة كفيلة بأن تغير كل شيء.

خرج ببطء، وساقه مثقلة بالجبس، لكن داخله – رغم كل شيء – كان أخف قليلا.

دخلت عائشة البيت بعد أسبوع من الاختفاء عند سيدة طيبة تعرفت عليها في الحمام، سيدة وفرت لها الملاذ الذي حرمها منه زوجها. عادت فقط لأنها علمت بالحادث وأطفالها لا معيل لهم.

وجدت المختار ممددا، ساقه محاطة بالجبس الأبيض، وعكازان خشبيان يسندان عجزه عند رأس السرير.

بالكاد نطق المختار بصوت واهن:

– عائشة.. أنت هنا؟ ظننتك…

ردت عائشة ببرود قارس وهي تضع الصينية:

– لا تظن كثيرا. أنا هنا من أجل هبة وسعد. كل طعامك.

ينطق المختار بصوت خافت على غير عادته:

– سامحيني.. الغيرة أعمتني.. انظري ما حل بي.

عائشة تقف فوق رأسه بشموخ لم يعهده:

– الكسر الذي في ساقك سيجبره الطبيب في شهرين. لكن الكسر الذي في قلبي، وفي طفولة هبة وسعد.. من يجبره؟

مرت الشهور. أصبح المختار السجين في مملكته السابقة. كان يتحرك ببطء مستعينا بعكازيه، وصوت وقع الخشب على الأرض، طقطق.. طقطق، كان يذكره بضعفه. كانت تعامله برسمية قاتلة، تلبي حاجاته المادية، وتجوع روحه للكلمة الطيبة.

في إحدى الليالي، حاول الإمساك بيدها وهي تقدم له الدواء.

– عائشة، لم تعود تنظرين في عيني.

سحبت يدها بهدوء وقالت:

– عيناك كانت تخيفني يا مختار. الآن، أنا لم أعد أراك أصلا. أنت بالنسبة لي مجرد مريض أقوم بواجبي تجاهه.. حتى تقف على قدميك، حينها، لكل حادث حديث.

تركته في ظلام غرفته، يصارع ألم ساقه وألم الحقيقة: أن القوة التي تبنى على العنف، تنتهي دائما بعكازين وصمت طويل.

إقرأ الخبر من مصدره