
محمد شهبي
في خضم حياتنا اليومية، ننادل ونجادل ونغضب. قد يكون الخلاف حول ترقية في العمل، أو حول تقسيم المهام في المنزل، أو حتى حول أولوية المرور في الشارع. في تلك اللحظات، لا نبدو مجرد أفراد مدفوعين بغرائز عمياء أو برمجات اجتماعية خفية، بل نظهر وكأننا محامو الدفاع عن قضية “العدالة”. نحن نبرر، نحتج، ونستحضر مبادئ عليا لنثبت أن موقفنا هو “الصحيح”. هذا المشهد البسيط، الذي يتكرر ملايين المرات يومياً، كان بوابة دخول واحدة من أكثر المقاربات السوسيولوجية إثارة في كتاب “إبستمولوجيا السوسيولوجيا: بارادايمات للقرن الحادي والعشرين”، وتحديداً في الفصل السادس الذي يغوص في “سوسيولوجيا النقد” لدى لوك بولتانسكي ولوران تيفينو.
لطالما اعتدنا، تحت تأثير السوسيولوجيا النقدية الكلاسيكية (كما تجسدت في فكر بورديو الذي يناقشه الفصل الأول من الكتاب)، على نظرة ترى الإنسان فريسة لهياكل خفية. في تلك الرؤية، يعتقد الفرد أنه حر، بينما هو في الواقع مساق بواسطة “الهابيتوس” والعنف الرمزي، ولا يدرك إلا نادراً القوى الحقيقية التي تحركه. هنا، يأتي دور السوسيولوجي كـ “كاشف للحقيقة”، ليخبر الناس بما لا يعرفونه عن أنفسهم. لكن، ماذا لو كان الناس أعلم بأنفسهم مما نظن؟ ماذا لو كانت قدرتهم على التبرير ليست مجرد غطاء زائف للمصالح، بل هي مهارة أخلاقية حقيقية؟
هنا تكمن الثورة الهادئة التي يطرحها فصل “سوسيولوجيا النقد”. فبدلاً من النظر إلى الفاعلين الاجتماعيين على أنهم “بلهاء ثقافيون” كما حذر غارفنكل، أو ضحايا وهمية كما قد يوحي بعض البنيويين، يرى بولتانسكي وتيفينو أن الأفراد يمتلكون “كفاءة للتبرير”. نحن نملك جميعاً، بشكل حدسي، قواعد لعبة أخلاقية معقدة تسمح لنا بتقييم المواقف وحل النزاعات.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
الفكرة الجوهريّة التي يستعيرها الكتاب من هذا التيار هي مفهوم “المدن” (Cités). لا نقصد هنا المدن الجغرافية، بل المدن الأخلاقية أو عوالم التبرير المتعددة التي نتنقل بينها بلا وعي. ففي لحظة ما، قد نحتج بمنطق “السوق” (الكفاءة، الربح، العرض والطلب)، وفي لحظة أخرى ننتقل إلى منطق “المدنية” (المساواة، التمثيل، القانون)، أو ربما منطق “العائلة” (الولاء، الثقة، التقاليد). الإشكالية لا تكمن في وجود هذه المنطقيات المتعددة، بل في قدرتنا على التنقل بينها ومعرفة أيها صالح في أي مقام. عندما يطالب الموظف بزيادة في الراتب بناءً على “إنتاجيته” (منطق صناعي/سوقي)، بينما يرد المدير بأن “الميزانية لا تسمح” (منطق إداري)، فإن الخلاف ليس مجرد صراع مصالح، بل هو صدام بين “عوالم تبرير” مختلفة.
ما يميز هذا الطرح في الكتاب هو أنه يعيد للسوسيولوجيا توازنها المفقود. فبدلاً من أن تكون السوسيولوجيا حكماً يصدر الأحكام نيابة عن المجتمع، تتحول إلى “قواعد” يصف قواعد اللعبة التي يلعبها الناس بأنفسهم. السوسيولوجي هنا لا يكشف عن زيف التبريرات، بل يحلل “قواعد النحو” التي تُبنى بها هذه التبريرات. هو يدرس كيف يتم بناء “الاتفاق” بين الناس، وكيف ينهار هذا الاتفاق ليتحول إلى “خلاف”، وما هي الأدوات التي يستخدمها الأفراد لاستعادة السلام الاجتماعي.
هذا التحول الجذري يطرح سؤالاً وجودياً حول دور المعرفة السوسيولوجية ذاتها. إذا كان الناس العاديون يمتلكون هذه الكفاءة النقدية والأخلاقية، فما الذي يتبقى للسوسيولوجي؟ الإجابة التي يلوح بها الفصل السادس هي أن دور الباحث يصبح وصفياً وتحليلياً لهذه الكفاءات، بدلاً من أن يكون وصائياً. إنه اعتراف بأن “الحس المشترك” ليس مجرد وهم يجب تفنيده، بل هو نظام معقد من الكفاءات العملية التي تسمح للمجتمع بالاستمرار دون انهيار في كل مرة يحدث فيها خلاف.
غير أن هذا لا يخلو من تعقيدات. فكيف نتعامل مع حالات اللامساواة الهيكلية التي قد تخفيها هذه “اللغة المشتركة للتبرير”؟ هل يكفي أن نتفق على قواعد اللعبة لنقول إن اللعبة عادلة؟ هنا يظل التوتر قائماً بين الرؤية “البراغماتية” التي ترى الكفاءة في الفعل، والرؤية “النقدية” التي ترى الهياكل الخفية للهيمنة. الكتاب لا يحسم هذا الجدل لصالح طرف واحد، بل يضعه أمام القارئ كإشكالية مفتوحة للقرن الحادي والعشرين.
في النهاية، يدعونا هذا الفصل إلى إعادة النظر في طريقة فهمنا للصراعات اليومية. فكل خلاف عائلي، أو نقاش في اجتماع عمل، أو جدال على وسائل التواصل الاجتماعي، هو في جوهره اختبار (Épreuve) لكفاءتنا الأخلاقية. نحن لا نبحث فقط عن المصلحة، بل نبحث عن “العدالة” ضمن الأطر المتاحة لنا. وربما تكون السوسيولوجيا الحديثة، كما يرسمها هذا الكتاب، هي تلك الجسر الذي يفكك شفرات هذا البحث الإنساني الدائم عن المعنى والشرعية، دون أن تسلبنا حقنا في أن نكون فاعلين أخلاقيين في قصصنا الخاصة. إن فهم هذه الدينامية لا يثري الأكاديمية فحسب، بل يمنحنا عدسة أوضح لرؤية تعقيدات تعايشنا البشري، حيث لا يوجد مبدأ واحد يحكم الجميع، بل توجد مدن متعددة نحاول جميعاً العثور على طريقنا بينها.