
عبدالله الساورة
ثمة مدن لا تسقط بالحروب، ولكنها تنهار ببطء تحت ثقل التثاؤب، وتتعفن أرواحها داخل المكاتب الوثيرة، حين يتحول الكسل إلى عقيدة حكم، وتصير الوسائد أكثر نفوذًا من القوانين، والعطور أكثر حضورًا من العدالة. وهناك وهنا، لا يركض الزمن، ولكنه يزحف متعبًا فوق سجادات حمراء، في فندق الوزراء الحزين، فيما الناس ينتظرون خلاصهم أمام أبواب مغلقة، كأنهم يقفون في طابور طويل للدخول إلى مقبرة جماعية اسمها الوطن.
وفي تلك البلاد، وهذه البلاد، كان الوزراء ينامون كثيرًا حتى فقدت المدن قدرتها على الاستيقاظ، وكانت النساء المحيطات بالسلطة يسرحن شعورهن الطويلة أمام مرايا لامعة، بينما الخراب يتكاثر خارج الزجاج مثل طفل جائع لا يجيد البكاء. وبدا كل شيء ناعمًا حدّ الوحشية؛ الكلمات، الستائر، المقاعد، ربطات العنق، وحتى الأكاذيب كانت مصقولة بعناية مؤلمة.
وهذه القصص ليست عن رجال يحكمون فقط، وإنما عن أوطان اختنقت داخل فقاعات شفافة، وعن شعوب صارت تؤجل غضبها كما تؤجل وجباتها، وعن سلطة تخاف الوقوف طويلًا كي لا تشعر بارتجاف الأرض تحتها. إنها حكايات النعاس الكبير، حين تصبح الدولة امرأة جميلة أفرطت في التزين، حتى نسيت أن أبناءها يموتون خارج المرآة.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} ما بعد الظهيرة
كان المواطنون والجنود والمظلومون، يتركون الشكاوى فوق الطاولة الخشبية الثقيلة، ثم ينسحبون بهدوء، كأنهم يضعون موتاهم أمام باب مقبرة، لأن الدولة في تلك المدينة المنسية لم تكن تستيقظ قبل الوزير.
قال الحارس ذات ظهيرة: “هل مات الوزير؟”
فأجابه الطاهي وهو يضحك: “لا… لكنه نائم منذ أمس كعادته، والنوم عنده وظيفة سامية.”
كانت الشمس تحرق الجدران البيضاء، والناس ينتظرون حكمًا في خصومة دم، بينما الوزير يتقلب فوق وسائد الحرير كقطٍّ شبع من العالم.
وفي الفيلا الفخمة المجاورة له، كانت حبيبته تستيقظ ببطء مخملي، تمشط شعرها طويلًا، وتتأمل وجهها في المرآة، كأن الحياة خُلقت فقط لتمنحها وقتًا إضافيًا للتزين.
وحين سألها الخادم هامسًا: “ألن تعدين الطعام اليوم؟”
فابتسمت بكسل وقالت: “الجوع نفسه يحتاج إلى قيلولة.”
وكان الخمول في تلك المدينة، وهذه المدينة، حيوانًا سمينًا يتمدد فوق الأزقة، يبتلع الساعات والقرارات والخبز والوعود، والأحلام، حتى صار الناس يؤجلون أحزانهم إلى ما بعد الظهيرة أيضًا.
وعند العصر فقط، نهض الوزير مترنحًا، فتح النافذة، فرأى الجنود نائمين قرب الشكاوى، والخيول منكسة الرؤوس، والباعة يغطون فاكهتهم بالغبار.
قال بخفوت: “ما الذي حدث للدولة؟”
فأجابه شيخ كان ينتظر منذ الصباح: “لا شيء… إنها فقط أخذت طباعك.”
في تلك اللحظة، خرجت الحبيبة من البيت المقابل بثوب معطر، تتثاءب برقة، بينما بدت المدينة كلها كأنها امرأة جميلة أفرطت في النوم حتى نسيت أسماء أبنائها.
وحين أذن المغرب، لم يسمع أحد صوت المؤذن بوضوح، لأن النعاس كان أعلى من الصلاة، وأثقل من العدالة، وأطول عمرًا من الحكمة نفسها.
صالون تجميل
يخرج الوزير مبتسما إلى الصحافة بربطة عنق تشبه علَمًا صغيرًا للنجاة، ويتحدث بلغة منتفخة حتى إن الكلمات نفسها كانت تختنق داخل فمه من فرط الزينة ومن شدة التلعثم.
فقد قال في مؤتمر طويل كلاما مسعولا ومنمقا. وصفق الجميع، بينما لم يكن الماء يصل حتى إلى الطابق الأول في المدينة. وداخل مكتبه، كانت الوسائد أعلى من ملفات المواطنين، والعطر الفرنسي أثقل من رائحة القوانين القديمة.
أما حبيبته، الموظفة الشبح، فلم يكن أحد يراها إلا مرة أو مرتين في الشهر، تهبط من سيارة سوداء بكعب حاد، ومكياج لامع، وخطوات محسوبة كأنها تعبر فوق أعصاب الفقراء لا فوق بلاط الإدارة.
همس موظف عجوز: “هل تعمل هنا فعلًا؟”
فأجابه الحارس مبتسمًا: “لا أحد يعرف… حتى الراتب يخجل حين يذهب إليها.”
وكان سائق الوزير يتبعها كظل مدرب، يحمل حقيبتها، يفتح لها الأبواب، وينظر إلى الناس بعينين باردتين كأن الشارع خُلق فقط كي تمر فوقه عجلات السلطة.
وفي الطابق السفلي، كان المواطنون يتكدسون مثل رسائل مهملة في بريد دولة نائمة.
صرخت امرأة فقدت ابنها في المستشفى: “أين الوزير؟”
فقال السكرتير دون أن يرفع رأسه: “معاليه يناقش مستقبل الوطن.”
وسألته بغضب: “ومتى سيزور حاضره؟”
في تلك اللحظة، مرت الحبيبة أمام الزجاج الواسع، عدلت أحمر شفتيها بهدوء، بينما كان رجل مسن يسقط مغشيًا عليه قرب الباب دون أن يلتفت إليه أحد.
وعندما أطفئت الأنوار مساءً، بدت الوزارة كلها كصالون تجميل ضخم، تُسرّح فيه السلطة شعرها طويلًا، بينما الوطن ينتظر، حافيًا، خارج المرآة.
وزير الوسائد
لم يكن المواطنون يسمونه وزيرًا، وإنما “وزير الوسائد”، لأن البلاد كلها كانت تعرف أن ظهره لم يلامس يومًا خشب الكراسي الصلبة التي يجلس فوقها الفقراء في الإدارات، لقد عاش عمره غارقًا في حرير ناعم، حتى بدا كأن الدولة نفسها تنام تحت جسده الثقيل.
وكان يتحدث بلغة مزخرفة كنافورة رخامية؛ كلمات طويلة، متعبة، تلمع كثيرًا ولا تروي عطش أحد.
ويقول في الاجتماعات نفس الكلام المكرر: “نحن نعيد هندسة الأفق المؤسساتي وفق رؤية تشاركية متجددة.”
ثم يصمت، كأن العبارة وحدها إنجاز وطني كامل.
وخلفه، كانت الوسائد مصطفة فوق الأريكة مثل جنود قدامى يعرفون أن المعركة الحقيقية ليست في الشوارع، وإنما في منع الوزير من الوقوف.
وحتى سكرتيره صار يهمس: “كلما ازدادت الوسائد تحت ظهره، ازداد الوطن انحناء.”
وفي الخارج، كان الناس ينتظرون ساعات طويلة تحت شمس حارقة، بينما الوزير يناقش لون الستائر الجديدة في قاعة الاستقبال، ويطلب قهوة أخف مرارة “لأن البلاد متعبة بما يكفي.”
ضحك الحاضرون جميعًا، ذلك الضحك البارد الذي يشبه صوت المقابر حين تبتلع أسماء موتاها.
أما حبيبته، الموظفة الشبح، فكانت تدخل الوزارة كما تدخل ممثلة متأخرة إلى مسرح فارغ؛ عطرها يصل قبلها، وكعبها يقطع الصمت ببطء متعمد، فيما الموظفون يخفضون رؤوسهم لا احترامًا، ولكن خوفًا من رؤية الحقيقة كاملة.
ولم تكن تعرف من الإدارة سوى المرآة الموجودة قرب المصعد، حيث تتوقف أمامها طويلًا، تعدل شعرها، ثم توقع ورقة حضور وحيدة، كأن الوطن كله مجرد دفتر أنيق للغياب.
وكان سائق الوزير يتبعها كظل أسود، يفتح لها الباب بانحناءة عسكرية، بينما الأطفال خارج المبنى يبيعون المناديل عند الإشارة الضوئية نفسها التي تتوقف عندها سيارة السلطة المكيّفة.
وذات مساء، سقطت وسادة من خلف ظهر الوزير أثناء خطاب رسمي.
توقفت القاعة كلها.
نظر إليها الناس بخوف غامض، كأن قطعة القماش تلك ليست وسادة، ولكنها الجزء الأخير الذي كان يسند الدولة كي لا تنهار دفعة واحدة.
حينها فقط فهم الحاضرون أن بعض الأوطان لا يحكمها الرجال، بقدر ما يضعونه تحت ظهورهم كي يشعروا بالدفء فقط.
فقاعة صابون
كان الوزراء يعيشون داخل فقاعات شفافة، يتنفسون هواءً لا يصل إلى الشوارع، حتى إن المدينة حين تجوع، لا يسمعون سوى صوت الملاعق الفضية وهي تصطدم بأطباق العشاء الرسمي.
وفي الطابق الأربعين، كان أحدهم يحدق في شاشة كبيرة مليئة بالأرقام والخطوط المتراقصة، ثم يقول بثقة باردة: “الوطن بخير… المؤشرات تبتسم.”
ضحك مستشاره بخفة، بينما كانت سيارة إسعاف عالقة أسفل المبنى وسط الزحام.
ونفسهن، زوجات الوزراء، كنّ يسافرن أكثر مما يقرأن، يحفظن أسماء أطباء التجميل كما يحفظ الفقراء أسماء المقابر الرخيصة.
وقالت إحداهن لصديقتها في المطار: “أنفي الجديد صنعه طبيب في ميلانو… إنه يفهم الحزن المغربي.”
أجابتها الأخرى وهي تعدل نظارتها الداكنة: “أما شفتي، فقد صنعتهما عيادة في برشلونة… الوطن لا يمنح هذا النوع من الامتلاء.”
وفي الأسفل، كان رجل مسن يبيع السجائر بالتقسيط قرب الوزارة، ينظر إلى السيارات السوداء الطويلة كما لو أنها حيتان تمر فوق قاع بحر فقير.
وهمس لابنه: “هؤلاء لا يعيشون معنا… إنهم يزورون البلاد فقط.”
وكان الوزراء يتحركون داخل مكاتبهم كقطع دقيقة في آلة عملاقة لا أحد يعرف من يشغلها فعلًا؛ وجوه تلمع، أبواب تفتح وحدها، ابتسامات مدروسة، وأصابع تضغط أزرارًا لا تغيّر سوى لون الخراب.
وسأل صحافي شاب أحد الوزراء: “متى ستنخفض الأسعار؟”
فأجابه وهو يرتب ربطة عنقه: “نحن نراقب الوضع بعناية.”
وقال الصحافي: “ومن يراقبكم أنتم؟”
ساد صمت قصير، ذلك الصمت الذي يشبه ارتطام حجر صغير بجدار قصر مهجور.
وفي تلك اللحظة، انفجرت فقاعة صابون كان طفل يلهو بها قرب الرصيف، فالتفت الوزير نحو النافذة مذعورًا، كأنه سمع للمرة الأولى صوت العالم الحقيقي وهو ينكسر.