
سلمى صدقي
حين نشر علال الفاسي كتاب «النقد الذاتي» سنة 1949، لم يكن يكتب فقط نصاً سياسياً مرتبطاً بسياق الحركة الوطنية أو بمرحلة الاستعمار، بل كان يؤسس، في العمق، لتصور متكامل للدولة المغربية بعد الاستقلال. وما يلفت الانتباه اليوم هو أن هذا النص لا يُقرأ فقط بوصفه وثيقة تاريخية، بل بوصفه أيضاً مرآة تتيح فهم بعض الإشكالات التي ما تزال مطروحة في المغرب المعاصر: من طبيعة الدولة إلى حدود الإدارة، ومن معنى التنمية إلى سؤال الحكامة.
فكلما تعمقت القراءة في هذا الكتاب، يتبين أن الرجل لم يكن مجرد زعيم وطني، بل مفكر دولة يمتلك رؤية دقيقة وشاملة للمجتمع والسياسة والاقتصاد والإدارة والثقافة، وهي مجالات ما تزال إلى اليوم في قلب النقاش العمومي حول نموذج التنمية وإصلاح الإدارة .
أولاً: من سؤال التحرر إلى سؤال بناء الدولة
ما يلفت الانتباه منذ الصفحات الأولى هو أن علال الفاسي لا يتعامل مع الاستقلال بوصفه نهاية مرحلة، بل بوصفه بداية سؤال أكبر: أي مغرب نريد بعد الاستقلال؟ وأي دولة؟ وأي نموذج ثقافي وفكري وديني يمكن أن يؤسس لمغرب حديث دون أن يفقد روحه الحضارية؟
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
في هذا السياق، ياتي «النقد الذاتي» كمحاولة لسد الفراغ النظري الذي كانت تعانيه كتابات الحركة الوطنية، أو ما كان يسميه علال الفاسي بـ«الحركات الاستقلالية». فقد ركزت في أغلبها على النضال والمقاومة، لكنها لم تنتج نظرية واضحة للدولة والمجتمع بعد التحرر.
والمفارقة أن هذا الفراغ النظري لا ينتمي فقط إلى الماضي؛ إذ أن جزءاً من النقاشات الراهنة حول الدولة في المغرب، خصوصاً ما يتعلق بنموذج التنمية، وإصلاح الإدارة، وتحديث المؤسسات، يعكس بشكل أو بآخر استمرار سؤال “ما بعد التحرر”، ولكن بصيغ جديدة تتعلق اليوم بفعالية الدولة وجودة السياسات العمومية أكثر من الشرعية التاريخية.
ومن هنا تتحدد أهمية الكتاب: فهو ينقل النقاش من مستوى الفعل السياسي إلى مستوى بناء التصور النظري للدولة، وهو ما لا يزال يشكل أحد التحديات الأساسية في التفكير في الدولة الحديثة اليوم.
ثانياً: ملامح الدولة الحديثة بين السياسة والإدارة والقانون
في تصور علال الفاسي، لا يمكن للدولة الحديثة أن تقوم على الشرعية السياسية وحدها، بل تحتاج إلى بناء مؤسساتي متكامل، وهو تصور يلتقي بشكل لافت مع النقاشات الحالية حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ففي المجال السياسي، يربط الديمقراطية بوجود رأي عام واعٍ ومشارك، وبضرورة مراقبة المواطنين لأعمال الحكومة. كما يعتبر أن أعلى درجات المواطنة تتجلى في القدرة على متابعة الشأن العام وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهو في هذا السياق يقترب من تصورات حديثة حول الحكامة والرقابة الديمقراطية، وهي مفاهيم أصبحت اليوم مركزية في تقييم أداء الحكومات والسياسات العمومية.
أما في المجال الإداري، فيولي أهمية خاصة لما يمكن اعتباره «علماً للإدارة». فهو يرى أن الديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات، بل تحتاج أيضاً إلى إدارة حديثة وفعالة وعادلة. ومن هذا المنطلق ينتقد تضخم الإدارة العمومية واختلالاتها، ويربط ذلك بالإرث الإداري الذي خلفته الحماية، وما ترتب عنه من استنزاف للمالية العمومية عبر التوظيف المفرط.
وهنا يكتسب تحليله بعداً معاصراً واضحاً، إذ إن إشكالات ترهل الإدارة، وضغط كتلة الأجور، وتعثر الإصلاح ، ما تزال إلى اليوم من أبرز التحديات التي تواجه الدولة المغربية في سياق تحديث المرفق العمومي ورفع نجاعة السياسات..
ثالثاً: رؤية شاملة للحداثة بين الاقتصاد والفكر والدين
يتجاوز مشروع علال الفاسي البعد السياسي والمؤسساتي إلى بناء رؤية فكرية شاملة للحداثة، وهي رؤية يمكن قراءتها اليوم في ضوء أسئلة التنمية والهوية والتحديث الثقافي.
في المجال الاقتصادي، لا يتعامل مع الاقتصاد باعتباره أرقاماً أو مؤشرات مالية معزولة، بل باعتباره جزءاً من البناء الحضاري والاجتماعي للأمة. متأثراً بفكر ابن خلدون ومفهوم «العمران البشري»، يرى أن الاقتصاد لا ينفصل عن السياسة والثقافة والأخلاق. كما ينتقد الاختزال المادي للإنسان، ويدافع عن اقتصاد في خدمة الإنسان والمجتمع، لا العكس. وهذا التصور يلتقي اليوم مع مقاربات التنمية البشرية والتنمية المستدامة التي أصبحت إطاراً مرجعياً في السياسات العمومية الحديثة.
و مستوى الفكر، يدافع عن الحرية الفكرية ورفض الجمود. فهو يعتبر أن كل ما يمنع الإنسان من النظر والتفكير والنقد هو شكل من أشكال التخلف. لذلك يرفض التقليد الأعمى، سواء تعلق بالموروث أو بالأفكار الحديثة المستوردة دون تمحيص، معتبراً أن الكسل الفكري يمثل خطراً على الأمة مثلما يمثل الاستبداد السياسي. وهنا يمكن ربط طرحه بسؤال اليوم حول أزمة النقد داخل الفضاء الفكري العربي، وحدود إنتاج المعرفة المستقلة.
أما في علاقته بالدين والعقل، فيقدم رؤية متوازنة تؤكد أن الإسلام لا يعادي العقل بل يدعو إلى إعماله، وأن جوهر الدين يكمن في تنظيم العلاقات الإنسانية والحياة الاجتماعية، لا في الجمود الشكلي. كما يميز بين السياقات التاريخية لفصل الدين عن الدولة في أوروبا، وسياقات مختلفة في العالم الإسلامي، وهو نقاش ما يزال حاضراً اليوم في قضايا الهوية والحداثة والعلاقة بين الديني والسياسي.
وفي تصوره للوطنية، يربط بين الأرض والإنسان والبعد الروحي، معتبراً أن الوطنية الحقيقية هي نتاج تفاعل بين «مادية الأرض» و«روحانية الإنسان». وهذه الرؤية لا تزال قابلة للنقاش اليوم في سياق إعادة تعريف الهوية الوطنية في عالم يتسم بالعولمة وتغير أشكال الانتماء.
في ضوء هذه العناصر، يتبين أن «النقد الذاتي» ليس مجرد نص في الفكر الوطني، بل مشروع متكامل لبناء الدولة المغربية الحديثة، يجمع بين السياسة والإدارة والاقتصاد والثقافة في رؤية واحدة متماسكة.
لكن الأهم من ذلك أن قيمة هذا النص لا تكمن فقط في سياقه التاريخي، بل في قدرته على الاستمرار في مساءلة أسئلة المغرب المعاصر: الحكامة، إصلاح الإدارة، التنمية، المسؤولية السياسية، وبناء الدولة الحديثة في سياق متغير.
وهنا تكمن فرادة هذا النص: أنه لا ينتمي إلى الماضي فقط، بل يظل جزءاً من الحاضر، وكأنه نص مفتوح لم يكتمل بعد، يعيد طرح سؤال الدولة كلما تغيّر الزمن ولم تُحسم إجاباته بشكل نهائي.
-أستاذة الاقتصاد بجامعة جامعة ابن طفيل بالقنيطرة
إقرأ الخبر من مصدره