تضع الأشهر الستة الأولى لتصنيف طنجة ضمن شبكة المدن المبدعة التابعة لليونسكو في صنف الأدب، اللقب الدولي أمام اختبار الحصيلة المحلية، وسط تباين في تقييم أثره بين قراءة مؤسساتية تدعو إلى مزيد من الوقت والتمويل، وملاحظات ثقافية تعتبر أن المنجز ما يزال دون مستوى رصيد المدينة الأدبي.
وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة قد أعلنت، في 30 أكتوبر 2025، انضمام طنجة إلى شبكة المدن المبدعة، ضمن دفعة ضمت 58 مدينة جديدة، ليرتفع عدد المدن الأعضاء في الشبكة إلى 408 مدن في أكثر من 100 بلد.
وتقدم اليونسكو طنجة باعتبارها مدينة ذات رصيد أدبي وثقافي خاص، ارتبط بتاريخها المتعدد، وبأسماء مغربية وأجنبية أقامت بها أو كتبت عنها، إضافة إلى موقعها كميناء وفضاء للتبادل الثقافي واللغوي.
ويرتبط هذا التصنيف، بحسب المعطيات المنشورة حول المدينة، بدعم القراءة، وتشجيع النشر، وتقوية التعاون الثقافي الدولي، وتطوير الإقامات الأدبية، وإشراك الشباب في البرامج المرتبطة بالأدب.
غير أن الأشهر الأولى بعد التصنيف لم تعرف، وفق المعطيات المتاحة، إعلان حصيلة محلية مفصلة للتدابير المرتبطة باللقب، أو برنامجا واضحا يحدد ما تحقق في القراءة والنشر والترجمة والإقامات الأدبية.
وتقول الشاعرة إكرام عبدي، مديرة المركز الثقافي أحمد بوكماخ، إن ستة أشهر تظل مدة قصيرة للحكم النهائي على أثر تصنيف طنجة ضمن شبكة المدن المبدعة لليونسكو في صنف الأدب.
وتعتبر عبدي في تصريح لجريدة طنجة 24 الالكترونية، أن هذا النوع من الاعتراف الدولي يحتاج إلى تنزيل مؤسساتي، وتعبئة مالية، وبناء شراكات، حتى يتحول إلى أثر ملموس داخل المدينة.
وأوضحت أن المركز الثقافي أحمد بوكماخ، باعتباره مرفقا ثقافيا تابعا لجماعة طنجة، حاول خلال الأشهر الماضية منح اللقب بعدا عمليا، من خلال احتضان ندوات فكرية، ولقاءات أدبية، ومحترفات للقراءة والمسرح والتشكيل، ومنتديات ثقافية مفتوحة.
وأضافت أن المركز يشتغل كفضاء عمومي مفتوح أمام الفاعلين الثقافيين والجمعويين والباحثين والشباب، بما ينسجم مع روح “المدينة المبدعة”، القائمة على إدماج الثقافة في الحياة اليومية للمواطنين، وعدم حصرها في أنشطة نخبوية أو موسمية.
وقالت عبدي إن المركز ساهم في إبقاء الاهتمام الثقافي قائما حول صورة طنجة وهويتها الفكرية، سواء عبر أنشطة مرتبطة بالذاكرة التاريخية للمدينة، أو من خلال تظاهرات معرفية وثقافية وتوجيهية.
واعتبرت أن مفهوم “مدينة الأدب”، في فلسفة اليونسكو، لا يقتصر على الرواية والشعر، بل يشمل بناء بيئة ثقافية تشجع الحوار والإبداع والتعدد والانفتاح.
في المقابل، يقدم الكاتب الروائي عبد الواحد استيتو تقييما أكثر حدة. ويقول إن المخاوف التي رافقت ترشيح طنجة لهذا التصنيف “كانت مشروعة”، معتبرا أن جزءا من المبادرات التي أطلقت بعد الإعلان عن اللقب ظل أقرب إلى البعد الرمزي والشكلي.
ويرى استيتو في تصريح مماثل، أن “المظهر والبهرجة” غلبا على مسار الترشيح أكثر من غلبة مشروع فعلي للنهوض بالأدب في المدينة.
وقال إن الأنشطة المنجزة لم تترك، في تقديره، أثرا واضحا على أرض الواقع، مضيفا أن ملء حافلة بالكتب، أو توفر مكتبات لا يرتادها القراء أو لا تفتح أبوابها بانتظام، لا يكفي لبناء مدينة أدبية بالمعنى العملي.
واعتبر الكاتب أن ما حققه الأفراد لطنجة أدبيا ما يزال أكبر بكثير مما حققته المؤسسات، واصفا اللقاءات مع الفاعلين بأنها “نقطة ضوء يتيمة”، لكنها لم تتجاوز، في نظره، طابع جلسات الاستماع الشكلية.
ويحضر ملف البنيات الثقافية ضمن هذا النقاش، خصوصا المكتبة الوسائطية الكبرى “إقرأ”، التي قدمتها جماعة طنجة كمرفق ثقافي يمتد على مساحة تناهز 7500 متر مربع، ويضم فضاءات للقراءة للكبار والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى قاعة للعروض وأخرى للقاءات والندوات.
وترد هذه المكتبة ضمن الصورة الثقافية التي تقدمها اليونسكو عن طنجة. غير أن المعطيات المنشورة لا تتضمن، إلى الآن، تاريخا محددا لفتحها المنتظم أمام العموم، أو نظاما معلنا للانخراط، أو مؤشرات حول عدد المستفيدين من خدماتها.
وعلى المستوى الوطني، تزامنت الأشهر الأولى بعد التصنيف مع إعلان وزارة الشباب والثقافة والتواصل، في 13 ماي 2026، نتائج دعم قطاع الكتاب، بعد دراسة 862 مشروعا وقبول دعم 485 مشروعا، بغلاف إجمالي يفوق 12,5 مليون درهم.
وشمل الدعم نشر الكتاب، والمجلات الثقافية، والمجلات الإلكترونية، ومكتبات البيع، وإقامات المؤلفين، وهي مجالات تدخل ضمن المؤشرات التي تقاس بها دينامية المدن المصنفة في صنف الأدب.
لكن المعطيات المتاحة لا تعرض حصيلة محلية مفصلة لحضور طنجة في هذه الخريطة، سواء من خلال دور نشر، أو مشاريع ترجمة، أو إقامات أدبية، أو برامج قراءة مرتبطة مباشرة بلقب “مدينة الأدب”.
وتملك طنجة رصيدا أدبيا عالميا ارتبط بذاكرة المدينة الدولية، وتعدد لغاتها وفضاءاتها الثقافية، وبأسماء مثل ابن بطوطة ومحمد شكري وبول بولز وجان جينيه والطاهر بنجلون.
غير أن الأشهر الأولى بعد تصنيف اليونسكو نقلت هذا الرصيد إلى مرحلة قياس جديدة، لا تعتمد على الذاكرة وحدها، بل على فتح المكتبات، وتنشيط القراءة، ودعم الكتاب، وربط المدارس والجامعة والمراكز الثقافية ببرامج محلية واضحة تستجيب لالتزامات “مدينة الأدب”.
ظهرت المقالة بعد ستة أشهر على تصنيف اليونسكو.. ماذا فعلت طنجة بلقب مدينة الأدب؟ أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.