رسالة إلى فاطمة الزهراء المنصوري: لماذا كل هذه التعبئة والتحامل على الحقيقة وحرية التعبير؟

Écrit par

dans

الخط : A- A+

السيدة وزيرة التعمير.. وعمدة مدينة مراكش،

علمنا من خلال حملتكم التي وظفتم فيها القريب والبعيد، أنكم ضقتم ذرعا بالمقالات الاستطلاعية التي نشرها موقع “برلمان.كوم” عبر صفحاته وبرامجه، ونتوجه إليك وإلى أنصارك من نوابك في المجلس الجماعي بهذه الرسائل التوضيحية، رفعا لكل لبس قد يحيط بالقضية، وتنويرا للرأي العام الوطني.

فلعلكم تابعتم حجم التضامن والتعليقات والتدوينات التي تلقيناها طواعية وعفوية من كل حدب وصوب لتناصر الحقيقة ولتدافع عن الحرية، بعد ما لاحظ الجميع أنكم رفضتم إصدار أية توضيحات حول ما نشر بالموقع، وفضلتم التوجه إلى القضاء، وأنتم تعرفون أنه حين تضيق السياسة بالنقد، فإنها تبحث عن نوافذ قضائية، وهو أسلوب ليس الهدف منه الاحتماء بالقانون، بل الغاية منه هي إسكات الأصوات.

وبعض السياسيين هنا ينسون أو يتناسون أن العالم كله يراقب هذه الخطوات، والممارسات الهادفة إلى التكالب والتحامل على حرية التعبير والرأي والاختلاف، دون اعتبار للقوانين المهنية، الخاصة المعمول بها في بلدنا، والتي ناضل من أجلها كرماء وشرفاء هذا الوطن.

فهل يمكنكم أن تنفون أن الصحافة تعاني اليوم كثيرا في عهد حكومة السيد أخنوش التي تشكلون جزءا منها، وأن أحلام تأهيل المهنة صلبت تشريعيا وتنظيميا أمام أبواب الصحافة الجادة؟ وهل يمكنكم أن تنفون أن التعمير يشكل اليوم موضوعا لتسريب آلاف الوثائق المزعجة والتي لم يعرف تاريخ المغرب مثيلا لها منذ الاستقلال، سواء في مراكش أو في الدار البيضاء أو وفي المناطق الجنوبية؟

نعم، نطلب منكم أن تلقوا نظرة ولو خفيفة على حجم التضامن معنا وطنيا ومراكشيا، وحجم التضامن مع برنامج “ديرها غا زوينة” من خلال تعاليق وتدوينات المواطنين؟ لأننا لم نقم سوى بواجبنا المهني، ولم نرد على حملاتكم التعبوية الممنهجة بإحراج زملائنا في المهنة كي ينخرطوا في نصرة الحقيقة وحماية المهنة، وفضلنا حتى هذه اللحظات التروي رغم إلحاح الصحافيين المغاربة والدوليين الراغبين في معرفة الحقيقة المتعلقة بهذه الملفات، لأننا لا نريد إثقال كاهل الوطن بهموم جديدة، أي أنه رغم الضغوط الكثيرة فنحن لم نمارس حقنا في الانفتاح على فضاءات أخرى، علما أن “برلمان.كوم” لم يقم حتى الساعة بنشر تلك الوثائق والاختلالات على مواقعه الأخرى بالإنجليزية والإسبانية والفرنسية احتراما منه للغة الأم لا غير.

طبعا سيدتي، فحين تخاف الأحزاب من الكلمة فإن الحرية هي التي تنهار، وحين ترفع السيوف في وجه الحقيقة فإن حمامة الحق قد تطير وتحلق بعيدا، وقد لا تعود إلى عشها في بلد عانى من مضايقات المنظمات الحقوقية الدولية بسبب قضايا حقوق الإنسان، علما أن جلالة الملك محمد السادس هو من قرر أن يتصالح المغرب مع تاريخه، ولا يجب أن يخرج آخرون اليوم ليوسخوا جدار مبادرته بالألوان السوداء.

الصحافة يا سيدتي ليست خصماً لأحد، بل هي شريك في التنوير والإخبار وفي بناء الوعي العام الوطني، والتاريخ لا يخاف من الذين لا يعرفون قراءة فصوله بإحكام.

إن اللجوء إلى القضاء هو حق يكفله القانون للجميع، لكن تحويله إلى أداة ضغط على الصحافيين أو وسيلة لإخفاء الحقيقة، أو إسكات الأصوات الصادحة، أو تهديد الديمقراطية، لن يؤدي إلا إلى المنعرجات الخطيرة في طريق بناء المغرب الجديد، إذ أن القوانين وُضعت أساسا لحماية الحقوق، لا لاستغلالها وتطويقها عبر النفوذ والعلاقات والمعارف، وعبر وضع معامل جاهزة لصناعة الترويج والتهديد والترهيب.

إن للمغرب دستور وهو أسمى القوانين، ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، القفز على روحه مادام قد جعل من حرية الرأي والاختلاف والتعبير، مكاسب أساسية لا يمكن سرقتها في ليلة ظلماء.

إننا نود إخبارك بوضوح بأنه لن نسكت ولن يخرصنا أحد عن قول الحقيقة، والقيام برسالتنا على أحسن وجه، وبكل مهنية واحترام للأخلاق والقيم ما دمنا لا نستهدف أشخاصا عاديين بل نواجه شخصيات عمومية تتحمل المسؤولية أمام المواطنين، وبالتالي فغايتنا هي توضيح الأمور والبحث عن أجوبة للأسئلة المطروحة في الشارع العام، والأقوياء يا سيدتي لا يخافون من النقد إن كانوا واثقين من أنفسهم، بل يواجهونه بقوة ويحرجون فاعليه بقول الحقيقة، ولذلك فهم لا يربحون معارك النقاش في قاعات المحاكم، بل يربحونها بالرد عن أسئلتها، وإضاءة الجوانب المظلمة فيها، وتوضيح مكامن الغموض، وإشهار الوثائق لا إشهار السيوف.

ثم إن المراكشيين يا سيدتي حين بادروا إلى منحكم ثقتهم في انتخابات 2021، لم يفعلوا ذلك من أجل رؤية الصحافيين يُجرّون إلى المحاكم، ولا من أجل متابعة الأصوات التي تطرح الأسئلة، ولا من أجل تحويل القضاء إلى ساحة لتصفية الخلاف مع الصحافة، بل لأنكم خاطبتم المواطنين بلغة الأمل، ووعدتم الشباب والمراهقين والأسر البسيطة بأنكم تحملون مشروعاً يخدم المدينة ويحمي مصالح الناس ويعيد لمراكش بريقها التنموي والاقتصادي والاجتماعي.

لذلك فمن حقنا كصحافة أن نسألك أين اختفى ذلك البرنامج؟

وأين ذهبت تلك الوعود التي قُدمت للمواطنين؟

إنها أسئلة مشروعة لا يجب الاستهانة بها أو بالرأي العام الوطني.

وفي ذات السياق نسألكم عن سر تجاوزكم قانون مهنة الصحافة واحتمائكم بالقانون الجنائي؟ هل الهدف من هذا هو إشعار الصحافيين بأن قوانينهم لم تعد صالحة وبأن مصائرهم هي القوانين الجنائية؟ ما هذا الاعوجاج الغريب في بلد يعيش اليوم على ضوء انتصارات كبرى تهم سيادته ووحدته الترابية التي يربط العالم بينها وبين ما أنجز في مجالات الحرية وحقوق الإنسان؟ لماذا تجاوزتم الأعراف القانونية واخترتم أن تدار جلسات المحاكمة في مراكش ضدا عن كل القوانين، وضدا عن مبدإ جغرافية المحاكمة حيث عناوين المشتكى بهم وعنوان الصحيفة؟

أما الأسئلة الأخرى فهي بالأساس: لماذا كل هذه الضجة ما دمتم تحملتم المسؤولية وأصبحتم شخصيات عمومية؟ فهل قام “برلمان.كوم” بنشر وثيقة مزورة أو خاطئة من كل ما نشر؟ وهل هناك معلومة واحدة فيها شك أو ريبة أو تشكك؟ وهل تجاوز حده المهني بالتشهير أو القذف؟

إن الرأي العام المراكشي لم يعد اليوم منشغلاً بمقاضاة الصحافة، بقدر ما أصبح منشغلاً بسؤال واحد واضح:

هل الوثائق التي نُشرت صحيحة أم لا؟

ذلك هو السؤال الفعلي الذي ينتظر المواطنون جواباً عنه، والصحافة لم تقم سوى بواجبها المهني والأخلاقي في إطار تنوير الرأي العام، وممارسة دورها الطبيعي كسلطة رابعة تراقب وتساءل وتكشف الاختلالات حين توجد.

إنكم تقولون بأنكم تناصرون دولة المؤسسات، لكنكم اليوم، وبمثل هذه الأفعال، تدمرون كل ما بناه مغرب المؤسسات، ومنها مؤسسة الإعلام، ومنها أيضا إحراج القضاء، ومنها طبعا إهمال مضامين ما جاء بخصوص الملفات التي فتحها “برلمان.كوم” في تقارير المجلس الاعلى للحسابات، والمفتشية العامة للداخلية، ورسالة والي مراكش. إذن، فلماذا لم ترفعوا دعاوى ضد هذه المؤسسات الدستورية التي واجهتكم بحقيقة نفس الملفات؟ ولماذا اخترتم اللجوء إلى القضاء مسلحين بحيل قانونية غير مبررة، وهي أفعال قد تسيء إلى القضاء وتزيد في إحراج مؤسساتنا، وإحراج معارفكم وأنصاركم، والإساءة إلى صورة المغرب، في هذه المرحلة بالضبط.

لقد سبق للجريدة أن فتحت الباب أمامكم لتقديم توضيحاتكم وبيان حقيقتكم للرأي العام، بل أكدت استعدادها لنشر أي رد مدعوم بالوثائق والمعطيات التي تنير الحقيقة للرأي العام الوطني والمحلي.

لكن، بدل اختيار التواصل مع المواطنين، وشرح ما يجري، وتبديد الشكوك، تم اختيار طريق آخر: اللجوء إلى القضاء لمحاصرة الكلمة وإسكات الأصوات.

وأخيرا، فإن الزعامة السياسية يا سيدتي لا يمكن قياسها بعدد القضايا المرفوعة ضد الصحافيين، بل تقاس بقدرتكم كقياديين وكمسؤولين على تحمل النقد، أما وضع الشكايات واللجوء إلى المحاكمات فقد تستطيعون بواسطتها إزعاج الصحافيين، لكنها لن تمنع المواطنين من طرح الأسئلة الضرورية، ولن تمحو القلق الذي أصبح يسكن الشارع المراكشي؟

وأخيرا، فإننا نجدد ونؤكد أن لا مشاكل بيننا وبين حزب الأصالة والمعاصرة، بحيث أننا ننتقد تدبير أشخاص للشأن العام أيّا كان انتماؤهم، للجرار أو لغير الجرار. ولكنك أنت وحدك من أقحم الحزب في هذه القضية.

والسلام

إقرأ الخبر من مصدره