
عبدالاله الرضواني
وليس كل طبيب عالماً
في مجتمعاتنا، كلمة “دكتور” تحمل هالة خاصة. تُقال بإجلال، وتُربط فوراً بالمستشفى، بالمعطف الأبيض، وبإنقاذ الأرواح. لكن هذه الكلمة نفسها تخفي واحدة من أكبر حالات الخلط المفاهيمي: الاعتقاد بأن كل دكتور هو طبيب، وأن كل طبيب هو عالم. والحقيقة أن هناك مسارين مختلفين تماماً، يلتقيان أحياناً… لكنهما في الجوهر عالمان منفصلان: المسار الطبي، والمسار الأكاديمي.
الطبيب يعيش في عالم السرعة والقرارات الفورية. مريض أمامه، أعراض واضحة أو غامضة، وقرار يجب أن يُتخذ الآن. الخطأ هنا قد يكون له ثمن مباشر. الزمن عنصر حاسم، والخبرة السريرية تتراكم من الاحتكاك اليومي بالحالات. الطبيب لا يملك ترف الشك الطويل ولا رفاهية الانتظار. إنه يتعامل مع الإنسان كما هو، في لحظته الهشة، ويحاول أن يُعيد التوازن في أسرع وقت ممكن. نجاحه يُقاس بعدد المرضى الذين تحسنوا، بالألم الذي خف، وبالحياة التي استمرت.
لكن هناك فرقاً جوهرياً آخر غالباً ما يُساء فهمه: عمق التعامل مع آليات المرض. فليس مطلوباً من الطبيب، في تكوينه اليومي، أن يغوص إلى أدق التفاصيل الجزيئية أو أن يفكك كل مسار بيولوجي على مستوى البروتينات والجينات. هذا ليس تقصيراً، بل هو ببساطة طبيعة دوره. الطبيب يحتاج إلى فهم كافٍ يمكنه من التشخيص واتخاذ القرار العلاجي بسرعة وفعالية، لا إلى إعادة بناء المعرفة من جذورها في كل مرة. في المقابل، هذا بالضبط هو عمل الباحث الأكاديمي: أن ينزل إلى أعمق المستويات، أن يطرح أسئلة عن “لماذا” و”كيف” على مستوى الخلية والجزيء، وأن يكشف الآليات التي قد لا يكون لها أي تطبيق سريري فوري، لكنها تشكل الأساس الذي سيُبنى عليه طب الغد. هنا يتضح الفرق: الطبيب يتعامل مع المرض كما يظهر أمامه، أما الباحث فيسعى إلى فهمه كما يحدث في أعماقه.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
في المقابل، الأكاديمي يعيش في عالم مختلف تماماً: عالم الأسئلة أكثر من الأجوبة. لا يوجد مريض أمامه، بل فرضية. لا يوجد قرار فوري، بل مسار طويل من الشك، التجربة، والخطأ. الباحث قد يقضي سنوات ليجيب عن سؤال واحد، وقد ينتهي به الأمر إلى نتيجة “سلبية” لكنها علمياً ثمينة. الخطأ هنا ليس فشلاً، بل خطوة في طريق الفهم. الزمن ليس عدواً، بل أداة. والنجاح لا يُقاس بعدد الأرواح التي أُنقذت اليوم، بل بالمعرفة التي قد تُنقذ آلاف الأرواح بعد سنوات.
الطبيب يعتمد على العلم… لكن لا يصنعه بالضرورة. هو مستخدم للمعرفة، يطبق ما توصّلت إليه الأبحاث على أرض الواقع. بينما الأكاديمي هو صانع لهذه المعرفة، يعمل في الخلفية، بعيداً عن الأضواء، ليُنتج الأدلة التي سيعتمد عليها الطبيب لاحقاً. ومن هنا تأتي حقيقة أخرى قد تبدو صادمة للبعض: أغلب الأطباء لا يمارسون البحث العلمي بشكل فعلي. ليس لأنهم غير قادرين، بل لأن طبيعة عملهم لا تسمح بذلك. البحث العلمي يتطلب وقتاً طويلاً، بنية تحتية، تمويلاً، وتكويناً منهجياً دقيقاً في تصميم الدراسات وتحليل البيانات، وهي عناصر لا تتوفر بالضرورة في المسار الطبي التقليدي، حيث يطغى العبء السريري وضغط المرضى على أي نشاط بحثي منتظم. لذلك، فإن غياب البحث عن الممارسة اليومية لغالبية الأطباء ليس خللاً فردياً، بل انعكاساً لبنية كاملة تفصل، في الواقع، بين من يُنتج المعرفة ومن يطبقها.
لكن حتى في غياب البحث، هناك مسؤولية أخرى لا تقل أهمية: التكوين المستمر. فالطب ليس معرفة ثابتة تُكتسب مرة واحدة، بل علم يتغير بسرعة، تُراجع فيه التوصيات، وتُسحب فيه أدوية، وتظهر فيه بروتوكولات جديدة باستمرار. ولذلك، فإن الطبيب، حتى وإن لم يكن باحثاً، ملزم أخلاقياً ومهنياً بأن يظل على اتصال دائم بآخر ما وصل إليه العلم. غير أن الواقع في العديد من بلداننا يطرح إشكالاً حقيقياً: فمع بداية الممارسة، خاصة في العيادات الخاصة، ينقطع هذا التكوين لدى عدد كبير من الأطباء أو يصبح شكلياً ومحدوداً. ومع مرور السنوات، قد يتحول الطب من ممارسة مبنية على الأدلة إلى ممارسة قائمة على العادة والتجربة الشخصية، وهو انزلاق صامت لكنه خطير.
المفارقة أن المسارين يتطلبان مهارات مختلفة جذرياً. الطبيب يحتاج إلى سرعة البديهة، مهارات التواصل، القدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، والتعامل مع عدم اليقين في الزمن الحقيقي. أما الأكاديمي فيحتاج إلى صبر طويل، تفكير نقدي عميق، قدرة على الشك في المسلمات، وإتقان أدوات تحليل معقدة. أحدهما يتعامل مع مريض واحد الآن، والآخر مع مشكلة علمية قد تمس ملايين لاحقاً.
ورغم هذا الاختلاف، يظل الخلط قائماً، بل أحياناً خطيراً. عندما يُطلب من الطبيب أن يكون باحثاً دون تكوين حقيقي في البحث، أو من الباحث أن يُفتي في العلاج دون تجربة سريرية، تظهر الكارثة: معلومات مضللة، قرارات ضعيفة، وثقة مهدورة. الأسوأ أن بعض المنصات اليوم تُعطي نفس الصوت لكلا الطرفين، بل أحياناً لغير المختصين، فيذوب الفرق بين من يعالج، ومن يبحث، ومن يتكلم فقط.
هناك بالطبع منطقة ثالثة نادرة وثمينة: الطبيب-الباحث. هذا النموذج يجمع بين الفهم السريري والعمق العلمي، ويشكل جسراً بين المختبر والمستشفى. لكنه مسار صعب، يتطلب سنوات إضافية من التكوين والانضباط، وليس القاعدة، بل الاستثناء. وغالباً ما يتشكل هذا النموذج داخل بيئات محددة، مثل المستشفيات الجامعية، حيث تتقاطع الممارسة السريرية مع البحث العلمي وتتوفر البنية اللازمة لذلك. أما في العيادات الخاصة، حيث يطغى الإيقاع السريري ومتطلبات الممارسة اليومية، فإن الانخراط في البحث العلمي المنتظم يصبح أكثر صعوبة، إن لم يكن نادراً.
المشكلة في مجتمعاتنا ليست فقط في عدم فهم الفرق، بل في عدم تقدير كل مسار على حدة. نحتفي بالطبيب لأنه ينقذ الأرواح، لكننا ننسى أن الأدوية، البروتوكولات، والتقنيات التي يستخدمها هي ثمرة عقود من البحث الأكاديمي. وفي المقابل، قد يُنظر إلى الأكاديمي كمن يعيش في برج عاجي بعيد عن الواقع، بينما هو في الحقيقة من يُعيد تعريف هذا الواقع علمياً.
الحقيقة البسيطة التي يجب أن نواجهها: لا يمكن أن يكون لدينا طب قوي بدون بحث علمي قوي. ولا يمكن أن يكون للبحث معنى حقيقي إذا لم يجد طريقه إلى الممارسة الطبية. إنهما مساران مختلفان، لكنهما في النهاية جزءان من نفس المنظومة.
ولهذا، ربما حان الوقت لنسأل سؤالاً أكثر دقة: ليس من الأفضل؟ الطبيب أم الأكاديمي؟، بل كيف نبني نظاماً يجعل كل واحد منهما يؤدي دوره بأفضل شكل، دون أن نخلط بينهما؟