
محمد المذكوري
هذا السؤال، المطروح مباشرة بصيغته الحادة في العنوان، كما طرح على، يحتاج إلى كثير من التمحيص وإعمال الفكر؛ فالسؤال عن كون إسبانيا عنصرية أم لا ليس سؤالاً يمكن أن يكون جوابه أبيضا أو أسودا.
فإسبانيا، خلافاً لبعض الصور النمطية، ليست دولة بُنيت على الفصل العنصري أو على التمييز المؤسسي بوصفه قانوناً. لكنها، مثل كثير من المجتمعات الأوروبية، بل وحتى غير الأوروبية، تعيش تناقضاً واضحاً بين خطاب ديمقراطي وحقوقي من جهة، وممارسات تمييزية يومية يتعرض لها بعض الأجانب من جهة أخرى.
والإنصاف يقتضي القول إن إسبانيا ليست دولة عنصرية في جوهرها، لكن ذلك لا ينفي وجود مواطنين إسبان يمارسون العنصرية في تعاملهم مع الأجانب، أو قوى سياسية تتخذ من الخطاب العنصري أداة لتحقيق أهداف انتخابية أو اجتماعية. والمشكلة ليست فقط في وجود هؤلاء، بل في طريقة تعامل المجتمع معهم، وفي تحوّل العنصرية من مواقف فردية معزولة إلى خطاب سياسي يجد من يغذّيه ويطبع وجوده في المجال العام. كما ينبغي عدم الخلط بين العنصرية وبين الخوف التاريخي العميق من المغرب والمغاربة.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} بين الواقع والإحصاء: ماذا يقول الإسبان عن أنفسهم؟
تشير دراسة لمنظمة «أوكسفام إنترمون» إلى أن 79% من الإسبان يعترفون بأن المهاجرين يندمجون ويساهمون في الاقتصاد، بينما يمنح الإسبان أنفسهم معدل 2.5 من أصل 10 فقط من حيث العنصرية، في حين يقيّمون مجتمعهم بـ5.9 من 10. وهذا يعني أنهم يعترفون بوجود المشكلة دون اعتبارها سمة عامة للمجتمع. كما عبّر 73% منهم عن قلقهم من تنامي العنصرية، وهو مؤشر على وعي داخلي متزايد.
هذا التناقض يعكس الحالة الإسبانية بدقة: مجتمع لا يريد أن يكون عنصرياً، لكنه يسمح أحياناً لخطاب الكراهية بأن ينمو تحت عينيه.
شهدت السنوات الأخيرة أحداثاً مؤلمة، من بينها اعتداءات في مرسية بتحريض من حسابات يمينية متطرفة، وإهانات عنصرية في الملاعب ضد فينيسيوس جونيور، وتدنيس مسجد في طليطلة برسومات نازية، إضافة إلى أحداث بلدة توري باتشيكو صيف 2025، التي تحولت إلى مواجهة بين جماعات متطرفة ومهاجرين.
هذه الوقائع توحي بوجود تمييز حقيقي ضد الأجانب، وتؤكد أيضاً أن الأمر لم يعد مجرد “حالات فردية” حين تجد تلك الممارسات من ينظمها ويحرّض عليها. لكن، في المقابل، هناك ملايين الإسبان الذين وقفوا ضد هذه الممارسات، وجمعيات مدنية يصعب حصرها، ومؤسسات قضائية أصدرت أحكاماً ضد المعتدين، كما حدث في قضية اللاعب عمر الهلالي.
إسبانيا ليست عنصرية، لكن عنصرييها، على قلتهم، أصبحوا أكثر تنظيماً وجرأة.
خصوصية العنصرية في إسبانيا: الماضي الأندلسي وصورة “المورو”
للعنصرية في إسبانيا خصوصية تاريخية وثقافية. فالعلاقة المعقدة مع الماضي الأندلسي، وصورة “المورو” المتجذرة في الذاكرة الجماعية، ما تزال تؤثر، بوعي أو بغير وعي، في تمثلات جزء من المجتمع تجاه العرب والمسلمين.
لهذا فإن بعض أشكال الرفض لا ترتبط فقط بالهجرة، بل أيضاً بتاريخ طويل من الصور المتبادلة والخوف المتراكم.
وهذا الإرث يفسر لماذا يكون المغاربة، وهم أكبر جالية أجنبية في إسبانيا، في قلب الاستهداف الشعبوي كلما حدثت أزمة اقتصادية أو أمنية. فوفقاً لأحدث معطيات المعهد الوطني للإحصاء في إسبانيا، يقيم حالياً نحو 970 ألف شخص يحملون الجنسية المغربية، مما يجعل الجالية المغربية الأكبر في البلاد. وإذا أضيف إليهم الإسبان من أصل مغربي الذين حصلوا على الجنسية الإسبانية، فإن العدد يتجاوز 1.1 مليون شخص من المولودين في المغرب أو المنحدرين من أصل مغربي المقيمين في إسبانيا، أي أكثر من عدد سكان بعض الدول العربية.
اليمينان في إسبانيا: التقليدي والشعبوي العابر للحدود
لا يمكن فهم تصاعد العنصرية في إسبانيا دون التمييز بين نوعين من اليمين:
الأول هو اليمين التقليدي المحافظ، الذي كانت تمثله تاريخياً بعض أطراف الحزب الشعبي والتيارات الكاثوليكية المحافظة. هذا اليمين يركز على الهوية الإسبانية المسيحية، ويدافع عن التقاليد والقيم الوطنية. وعنصريته، حين تظهر، تكون غالباً دفاعية، مرتبطة بالخوف من الذوبان الثقافي، وأقل صخباً وعنفاً.
أما الثاني فهو اليمين الشعبوي العابر للحدود، الذي يمثله حزب «فوكس» بشكل أساسي. وهذا اليمين الجديد ليس وطنياً بالمعنى الكلاسيكي، بل جزء من تيار أيديولوجي عالمي ينسجم مع نظائره في فرنسا وإيطاليا وألمانيا والمجر. إنه يستبدل مفهوم “الوطن” بفكرة “الحضارة المسيحية الغربية” المهددة من الإسلام والهجرة.
خطابه ليس دفاعياً، بل هجومياً وشعبوياً، إذ:
يربط المهاجرين مباشرة بالجريمة وانعدام الأمن.
يحوّل القاصرين غير المرافقين إلى مادة دعائية.
يستثمر الخوف من الإسلام لصناعة “عدو مشترك” يوحّد قاعدة انتخابية عابرة للحدود.
هذا اليمين هو الذي منح شرعية لخطاب كان يُعتبر من المحرمات، وساهم في تطبيع لغة إقصائية داخل الإعلام والسياسة.
الوجه الآخر: إسبانيا المتضامنة
لكن إنصاف الحقيقة يقتضي أيضاً الاعتراف بأن إسبانيا تمتلك:
منظومة قانونية تُعد من الأكثر صرامة في أوروبا ضد جرائم الكراهية.
هيئة مستقلة للمساواة في المعاملة أُنشئت سنة 2025.
مجتمعاً مدنياً حياً يقاوم يومياً خطاب الكراهية.
تجربة اندماج واقعية نجح فيها أبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين في الوصول إلى الجامعات ومراكز القرار.
إسبانيا ليست دولة “أبارتايد” رغم بعض الحملات المرتبطة بموقف الحكومة الإسبانية من بعض الأحداث العالمية الحالية مثل قضتي فلسطين وإيران، وليست دولة عنصرية في دستورها أو قوانينها أو حتى في ممارساتها الإدارية. لكنها تعيش أزمة هوية على غرار كثير من الدول الأروبية وإن كانت أقلها: هل ستتمكن من حماية نموذجها التعددي، أم ستسمح لخطاب الكراهية بأن يحدد مستقبلها؟
الخلاصة: المشكلة ليست في وجود العنصرية فقط
العنصرية موجودة في إسبانيا، كما هي موجودة في كل مكان إذا استثنيا مملكة أفلاطون. وهي حقيقة يواجهها المهاجر العربي واللاتنيني و الإفريقي يومياً. لكنها ليست قدراً محتوماً، ولا سمة جوهرية للمجتمع الإسباني.
المشكلة الحقيقية تكمن في:
تحويل الحوادث العنصرية إلى “حالات فردية” لتبرير الصمت.
صعود يمين شعبوي عابر للحدود جعل من الكراهية برنامجاً سياسياً.
تمييع المسؤولية بين مؤسسات تريد محاربة العنصرية وسياسات حدودية متناقضة.
إسبانيا ليست عنصرية، لكنها تعاني أحياناً من الصمت، وأحياناً أخرى من تصاعد خطاب الكراهية.
والسؤال الحقيقي ليس: هل إسبانيا عنصرية؟ بل: هل ستنتصر إسبانيا المتضامنة والتعددية على إسبانيا الخائفة التي يحرّضها اليمين الشعبوي؟ العنصرية ليست قدرا، لكنها أيضا لا تختفي لا بتضخيمها ولا بالصمت عنها، بل بطرقها للنقاش العمومي العقلاني وبالمقاربة المتعددة الجوانب والأبعاد بما في ذلك البعد الاجتماعي والتربوي والإعلامي والسياسي والقانوني والقضائي.
-جامعة الأوطونوما
إقرأ الخبر من مصدره