خبراء دوليون بالرباط: التكنولوجيا والشفافية الفكرية هما “حجر الزاوية” لحماية مصداقية مراكز الفكر (صور)

Écrit par

dans

الخط : A- A+

احتضن مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بالعاصمة الرباط، اليوم الثلاثاء 19 ماي 2026، جلسة رفيعة المستوى ناقشت الأدوار المتجددة لمراكز الفكر والأبحاث، في ظل سياق عالمي معقد يواجه تدفقا مفرطا للمعلومات وتحولات متسارعة في المنظومات الإعلامية، وطفرة غير مسبوقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وشهدت الجلسة المتمحورة حول “معادلة الثقة” تباعدا وتقاطعا في وجهات نظر القادة الخبراء المشاركين من المغرب والمملكة المتحدة وإندونيسيا وجامايكا، إذ ركزت النقاشات على كيفية فك الارتباط بين السعي وراء البروز الإعلامي والالتزام بالرصانة الأكاديمية، معتبرين أن التحدي الأكبر الذي يواجه هذه المؤسسات اليوم يتجلى في الحفاظ على ثقة المجتمعات وصناع القرار وسط محيط رقمي مشحون بالاستقطاب والشائعات.

وفي هذا السياق، أكد كريم العيناوي الرئيس التنفيذي لمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، أن الغاية الأسمى لمراكز الأبحاث لا تكمن في البروز الإعلامي لمجرد الظهور، بل إن الأهمية الحقيقية للحضور العلني ترتبط بمدى خدمته للمصداقية العلمية وللأثر الفعلي على السياسات والمجتمعات، موضحا أن المؤسسات الأكثر قوة هي التي تنجح في خلق توليفة متناغمة تجمع بين طاقة الباحثين الشباب وخبرة صناع السياسات السابقين والانضباط الأكاديمي الصارم والحكمة العملية.

ودافع العيناوي عن ضرورة التعامل مع مراكز الفكر في دول الجنوب وإفريقيا على وجه الخصوص كسلع عامة ومؤسسات منفتحة وشفافة، تسهم في خلق فضاءات جادة للنقاش العمومي وإدراج القضايا المهملة في الأجندات الرسمية، محذرا من الانجرار وراء الموجات الإعلامية قصيرة المدى لأن محاولة مجاراة النزعات اللحظية تعني الموت المحقق لهذه المراكز، ومستشهدا بمعالجة معضلة تدني مشاركة النساء في سوق الشغل بالمغرب عبر مقاربات علمية تدمج الاقتصاد والاجتماع والأنثروبولوجيا.

ومن جانبه قدم جون شوارتز المدير التنفيذي لمؤسسة سوب بوكس البريطانية، تصورا مغايرا يتحدى فكرة عزل مراكز الأبحاث عن المعترك السياسي، حيث اعتبر أن التناقض المفترض بين التحليل العلمي والدفاع عن القضايا هو طرح مضلل، مؤكدا أن طبيعة عمل هذه المراكز تفرض عليها الموازنة المستمرة بين النضال التوجيهي والرصانة التحليلية، وأن تبني قيم ومبادئ واضحة لا يضعف المصداقية بل يمنح المؤسسة قدرة على التأثير الاستراتيجي خصوصا في المحطات السياسية والانتخابية الحاسمة.

ودخلت مسألة الشفافية الإيديولوجية كعنصر محوري في النقاش لإيجاد صيغة مثلى لبناء الثقة مع الرأي العام، حيث أفادت أنتيا هاريوكو مديرة العمليات في مركز الدراسات السياسية الإندونيسي، أن مؤسستها اختارت الإعلان صراحة عن توجهها الداعم لآليات السوق الحرة، معتبرة أن الوضوح بشأن الخلفيات الفكرية والمبادئ التي تصاغ بناء عليها التوصيات يسهم في تبديد الشكوك حول دوافع المنظمات، عكس المراكز التي تتبنى توجهات ضمنية غير معلنة.

وأكد المتدخلون أن التحديات الهيكلية الجديدة تفرض على مراكز الفكر عدم الاكتفاء بإنتاج المعرفة الأكاديمية الصرفة داخل الغرف المغلقة، بل يجب عليها تطوير أدوات تواصلية حديثة تسمح بتحويل الأبحاث المعقدة إلى مقترحات عملية ومفهومة وقابلة للتطبيق من طرف متخذي القرار، مما يضمن تحويل المعرفة العلمية إلى قوة اقتراحية تسهم في التنمية المستدامة وتدبير الأزمات المجتمعية الحارقة.

وخلصت النقاشات إلى تأطير شامل لمفهوم الثقة باعتباره تجسيدا حيا للنزاهة الأكاديمية والوفاء بالالتزامات، والقدرة على خلق قنوات تعاون وثيقة ونقاشات داخلية مرنة تزيد من الصمود المؤسساتي أمام التحولات المتسارعة، كما شدد الخبراء على أن نجاعة المعرفة اليوم باتت ترتبط ارتباطا وثيقا بمدى الاستجابة الفعالة لاحتياجات الجمهور والمتلقين، مع ضرورة استثمار الأدوات التكنولوجية الحديثة وعلى رأسها آليات الذكاء الاصطناعي لتطوير سبل إيصال وتوصيل هذه المعرفة بدقة وكفاءة، بما يضمن تحويل الأبحاث من مجرد تقارير رفوف إلى رافعة حقيقية لخدمة المجتمع وتوجيه القرار السياسي.

إقرأ الخبر من مصدره