
طارق سليكي
من ملكية النص إلى اقتصاد استثماره
حين نقترب من مفهوم “حقوق الملكية” في مجال الكتاب، فنحن لا نتحدث فقط عن إطار قانوني جامد، بل عن بنية فكرية واقتصادية تحدد موقع الكاتب داخل سلسلة إنتاج القيمة. فالكتاب، قبل أن يكون مُنتجا ثقافيا متداولا، هو فعل إبداعي أصيل، وهذا الأصل هو ما تؤطره حقوق الملكية الفكرية باعتبارها الامتداد القانوني لفعل الإبداع.
في هذا السياق، تتأسس حقوق المؤلف على مستويين متداخلين، مستوى معنوي يحمي علاقة الكاتب بنصه، ومستوى مادي يفتح النص على إمكانات الاستثمار. الأول يكرّس هوية العمل وانتمائه الرمزي، فلا يمكن فصل النص عن صاحبه دون الإخلال بجوهره. أما الثاني، فهو الذي يُدخل النص في دائرة الاقتصاد، حيث يصبح قابلا للتداول، وإعادة الإنتاج، والتوزيع، والتحويل إلى أشكال أخرى من القيمة.
غير أن هذا الانتقال من “النص كأثر” إلى “النص كقيمة” لا يتم من تلقاء نفسه، بل عبر شبكة من الفاعلين الذين لا يملكون النص، لكنهم يشاركون في تفعيله وتوفيره. هنا تظهر ما يُعرف بالحقوق المجاورة، لا باعتبارها حقوقا ثانوية، بل آليات تعكس تعقيد الفعل الثقافي في زمن الصناعة. فالناشر، والمترجم، والمصمم، وغيرهم، يشتغلون على النص لا بوصفه ملكية، بل بوصفه إمكانية، إنهم لا يخلقون الأصل، لكنهم يوسّعون مجاله التداولي.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
ومن هذا المنظور، تصبح العلاقة بين الكاتب والناشر لحظة مفصلية في تحديد مصير العمل. فهي ليست مجرد تعاقد تقني حول الطبع والتوزيع، بل هي تفاوض ضمني حول معنى الملكية وحدودها. هل يظل الكاتب مالكا لعمله، أم يتحول هذا العمل، عبر العقد، إلى أصل مستثمَر خارج سيطرته؟ هنا يتحدد الفارق بين منطقين، منطق “تفويت الحقوق” ومنطق “ترخيص الاستغلال”.
في المنطق الأول، يُنظر إلى النص كسلعة تُنقَل ملكيتها مقابل عائد مباشر، وهو ما يؤدي غالبا إلى إفقار الكاتب على المدى البعيد، لأنه يتنازل عن إمكانات مستقبلية لم تتبلور بعد. أما في المنطق الثاني، فالنص يظل في ملكية صاحبه، بينما يُمنح الناشر حق استثماره ضمن شروط محددة زمنا، ومجالا، وشكلًا. وهذا هو المنطق الذي ينسجم مع تحولات الاقتصاد الثقافي المعاصر، حيث لم تعد القيمة في الإنتاج وحده، بل في التحكم في حقوق الاستغلال وتعدد قنواته.
إن الإشكال الذي يواجهه قطاع النشر في السياق العربي، لا يكمن فقط في ضعف القراءة أو محدودية السوق، بل في غياب وعي دقيق بطبيعة هذه الحقوق. فالكثير من العلاقات التعاقدية تُبنى على غموض، أو على اختلال في ميزان المعرفة، حيث يوقع الكاتب على ما لا يدرك آثاره، ويستفيد الناشر من هذا الالتباس لتوسيع مجال سيطرته على النص.
من هنا، يصبح التفكير في حقوق الملكية والحقوق المجاورة مدخلًا لإعادة بناء صناعة النشر على أسس أكثر توازنًا. فالأمر لا يتعلق بحماية الكاتب فقط، بل بإعادة تعريف الكتاب ذاته: هل هو منتج يُطبع وينتهي، أم أصل قابل للتطوير المستمر؟ هل النشر هو نهاية المسار، أم بداية دورة حياة اقتصادية للنص؟
في أفق “اقتصاد الاقتناء”، لا يعود السؤال: كم نطبع؟ بل: كيف نُدير الحقوق؟ كيف نحول النص إلى منظومة من الإمكانات المفتوحة؟ كيف نعيد توزيع القيمة بين مختلف الفاعلين دون أن نفقد الأصل؟
بهذا المعنى، فإن الوعي بالحقوق ليس مسألة قانونية فحسب، بل هو شرط من شروط الانتقال من ثقافة النشر إلى اقتصاد المعرفة.
-ناشر
إقرأ الخبر من مصدره