الخط : A- A+
تتجه أنظار الجماهير المغربية والعالمية صوب نهائيات كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة الأمريكية، كندا، والمكسيك، وسط سقف طموحات غير مسبوق لـ”أسود الأطلس” الذين بصموا على ملحمة تاريخية في قطر 2022، وفي ظل نظام المونديال الجديد بمشاركة 48 منتخبا، ومع التحديات التقنية واللوجستية والبدنية التي تواجه النخبة الوطنية، تُطرح تساؤلات حول طبيعة التحضيرات، وتدبير الضغط، ومدى مسايرة الإدارة التقنية للمستجدات العلمية في عالم الساحرة المستديرة.
ولأجل فهم هذه التفاصيل وتفكيك الشفرات التكتيكية للمرحلة المقبلة، حاور موقع “برلمان.كوم” الإعلامي والمحلل الرياضي القدير محمد أبو السهل.
هذا نص الحوار
1. برمج المنتخب المغربي مباريات ودية أمام مدارس إفريقية (بوروندي ومدغشقر) وأخرى أوروبية (النرويج) قبيل المونديال، من وجهة نظر تقنية، كيف يمكن لهذه التشكيلة من الخصوم أن تخدم التحضير لمباراة افتتاحية بخصوصية استثنائية أمام المنتخب البرازيلي؟
– في البداية، يجب أن ندرك أن المنتخب المغربي في حد ذاته بات يشكل إشكالا حقيقيا ومقلقا للمنتخب البرازيلي؛ فالكرة المغربية تعيش خطاً تصاعديا ثابتا، ولعل انتصار المغرب على البرازيل في فئة (الأمل) يكرس هذه الحقيقة ويؤكد أننا لم نعد نتهيب القوى الكروية التقليدية، حتى وإن كانت بحجم “السيليساو” في اللقاء الافتتاحي.
وتقنيا، المفتاح الأساسي لمواجهة البرازيل يكمن في “المنظومة الدفاعية”، إذا عدنا لملحمة قطر 2022 وبلوغنا نصف النهائي، سنجد أن الركيزة الصلبة كانت هي الدفاع القوي والمنسجم، المدعوم بحراسة مرمى عالمية لا غبار عليها، وهو نفس النهج الذي يجب التركيز عليه اليوم لبناء خط الدفاع الأول.
أما بخصوص تشابه الظروف والمباريات الودية، فالإحصائيات والتاريخ يعيدان نفسهما كـ “فأل حسن”؛ فالمدرب الحالي محمد وهبي تسلم العارضة التقنية قبل 98 يوما من المونديال خلفا لوليد الركراكي (الذي أهل المنتخب)، وهو سيناريو شبيه جدا بما حدث مع وحيد خليلوجيتش ووليد الركراكي الذي تسلم الفريق قبل 81 يوما من مونديال قطر، وحتى طبيعة الوديات تتشابه؛ فقبل قطر واجهنا مدغشقر وانتصرنا، ثم واجهنا تشيلي والباراغواي، وختمنا بجورجيا قبل السفر للمونديال، واليوم، هذه التوليفة بين المدارس الإفريقية (بوروندي ومدغشقر) والأوروبية (النرويج) تمنح الطاقم التقني فرصة اختبار المرونة التكتيكية والجاهزية الدفاعية قبل الاصطدام بالعملاق البرازيلي.
2. طيب، ندخل مونديال 2026 بسقف طموحات عالٍ جدا بعد إنجاز قطر، وبنظام جديد يضم 48 منتخبا، ما هي المقاربة التي يجب أن ينهجها الطاقم التقني لتفادي الإنهاك الذهني للاعبين، خاصة وأن معظم الركائز خاضوا موسما شاقا في الدوريات الأوروبية؟
– أولا، من الواجب علينا كمتابعين وإعلام ألا نضع ضغطا رهيبا وثقيلا على كاهل المدرب الجديد. نحن مقبلون على مناخ مونديالي جديد بـ 48 منتخبا، مما يتطلب تكوينا مستمرا واستعدادا ذهنيا خاصا، لكون المنتخب المغربي أضحى “رقما صعبا” في المعادلة الدولية والكل بات يحسب له ألف حساب.
وبخصوص الإرهاق والإنهاك، صحيح أننا في نهاية موسم كروي شاق وبداية موسم جديد مع نهاية المونديال مباشرة، ولن تكون هناك فترة راحة للاعبين، لكننا نتحدث هنا عن لاعبين محترفين من طراز رفيع، يمتلكون الثقافة والتجربة الكافية لإدارة جهدهم البدني والذهني داخل رقعة الميدان، والتحدي الحقيقي لا يكمن في الإرهاق بقدر ما يكمن في “الانسجام”، نظرا لاندماج لاعبين جدد في التشكيلة؛ وهنا يتساءل البعض؛ هل تكفي 3 مباريات ودية لخلق هذا التناغم؟ نعم، بوجود مدرب كبير ومن العيار الثقيل، يمكن تدارك هذا الأمر.
من جهة أخرى، الهدف الأسمى ليس فقط تسجيل حضور محترم ومشرّف للمغرب في هذا المونديال، بل إننا نراهن أيضا على تحضير وتأهيل جيل من الشباب الواعد ليكون في قمة نضجه بحلول مونديال 2030 الذي سيقام على أرضنا، وعلى أرض البرتغال وإسبانيا، كذلك، ما وصل إليه المغرب اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج إرادة ملكية سامية، واستثمار سخي في الإمكانيات المادية واللوجستية، مما يجعلنا قادرين على مقارعة دول تمتلك ثقافة مونديالية عريقة كالبرازيل التي لم تغب عن أي دورة.
3. تبدو أهمية المعطيات العلمية في تطوير الأداء ضرورية، إلى أي حد يمكن لتوظيف “الذكاء الاصطناعي” وتحليل البيانات أن يمنح تفوقا تكتيكيا للمغرب في مجموعة تضم مدارس متباينة؟
– كرة القدم الحديثة أصبحت علما قائما بذاته، ونحن في المغرب نتهيأ للمونديال مستندين إلى معطيات علمية دقيقة، اليوم، كبريات المنتخبات العالمية تستعين بأحدث الأساليب التكنولوجية بما فيها “الذكاء الاصطناعي”، والمنتخب المغربي ليس بمنأى عن هذا التطور؛ بل وصل إلى مستويات احترافية عالية لا يمكن مقارنتها بما هو سائد في البطولة المحلية.
المنظومة الكروية الوطنية تعيش ما يشبه “الولادة الجديدة” والطفرة النوعية التي انطلقت مع تولي فوزي لقجع رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وشملت الطفرة جميع الفئات السنية، ونحن الآن أمام تجربة رائدة تقودها إدارة تقنية ببرامج مكثفة، حيث تم توفير كافة الإمكانيات الحديثة، بدءا من الجوانب الطبية والصحية المتطورة، وصولا إلى تقنيات تحليل البيانات والفيديو، وقراءة مباريات الخصوم بدقة متناهية.
والمغرب يمتلك حاليا طاقما يُعد من بين الأحسن والأكفأ في العالم، يضم متخصصين محترفين يواكبون العصر. في الجانب التقني، لم يعد العمل عشوائيا، بل أصبح هناك متخصصون لكل مركز على حدة؛ فهناك من يشتغل حصريا مع المهاجمين، وآخرون مع المدافعين، وكذا حراس المرمى، وهذا التدقيق اللوجستيكي والعلمي يؤكد أن المغرب يساير العصر بقوة، ويباشر عمله باحترافية تضمن له التفوق والجاهزية التكتيكية الكاملة لمواجهة أي مدرسة كروية عالمية.