المرأة القوية المستقلة

Écrit par

dans


سارة رشاد

صباح الخير أيها العالم المليء بكل شيء لا يحتمل الانتظار، والخالي في أحيان كثيرة من الحياة، وخصوصًا مع كل هذه الحروب العالمية التي تهددنا بالزوال والمحو، ما دامت الأرض أضحت شيئًا يدور بسرعة وكأنها على موعد مع الفناء غير الصوفي… إذا أسعفتني العبارة فيما أريد قوله.

أريد أن أحتسي معك فنجان قهوة، وأشاركك قليلًا من تطورات الحرب الوجودية التي لا يأبه بها أحد غيري، أو قلة قليلة تستشعر وجودها وتعي خطورتها ومآزقنا معها. لنقل إنها حرب بين كائنين يتناسلان ويملآن الأرض ضجيجًا وحياة، ويتواطآن في خلق عداوتهما: حرب الرجل والمرأة.

دعونا نستعيد تاريخ هذه النار التي يبدو أنها ستظل عصية على الفهم في مختبر الانطفاء غير القريب.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

ويمكننا أن نرجع إلى منتصف القرن الماضي، حين كانت النكبات فضاءً لاغتراب اللغة والأحاسيس الطرية، وتاريخ ولادة الثورات من عيون بندقية ريتا، والذي بينهما يغني لما لا يُقال عادة. فاللغة يُقال بها ما يُقال بكيمياء القلب، حين كان الزمن ينجح في وأد كل معالم الفكر النسوي بهدوء الكلمات ونعومة النقد الذي يوسع مداركنا. إلى أن جاءت مفكرات ومثقفات، أو نساء بكل بساطة يشبهننا في كل شيء، ما عدا أيديولوجيات يتبنين الثورة الناعمة للنهوض بنون النسوة.

وهنا تحضرني السيدة نازك الملائكة، التي سقطت عنها تاء التأنيث، ولا أظن أن ذلك كان سهوًا. تساءلت في قصيدة «الليل يسأل من أنا» عن ماهيتها، وردّت في القصيدة نفسها بأنها سر هذا الليل، «سره القلق العميق الأسود».

كم كان جوابها العميق جوهريًا، وكم كانت رائعة ثورتها التي حبلت من جموح الذكورة على الرغم من العازل الفكري!

أشعر اليوم بنوع من الخجل من شاعرتنا حين أروم إخبار السيدة نازك النائمة بعيدًا، بأن كل ما ناضلت من أجله صار حقًا مكتسبًا لدى صديقي، الرجل.

كيف؟ سأخبرك؛ لأن صديقتي الأنثى صارت تسمي نفسها: المرأة القوية المستقلة، فزايدت على رجولة الرجل، ثم جرّدته من كل معالم الرجولة. فصار المجتمع الحالي يشبه حلبة مصارعة، ودخلت علاقاتنا في معادلة الند للند، ونشبت حروب نفسية وعاهات اجتماعية لا حدود لها.

أضحى كل واحد منا يحمل سيفه بيده، ويقطع أول إحساس يشعر به تمامًا، كما لو كان الأمر يتعلق برأس يراها أينعت. ذلك أن كليهما تمكن منه هوس السلطة أولًا، ثم العناية والرعاية المشددة ثانيًا.

ومن ثم أصبح صديقي الرجل الحديث المعاصر، أو الذي أصابته طفرة في ذكورته، يسرق من المرأة طاقتها الأنثوية؛ فهو يغضب إن لم تبادر نحوه، ويزعل إن لم تستثمر معه، ويعاقبها بالصمت والاختفاء إذا لم تستطع أن ترعاه، ثم يخاف كثيرًا إن رآها متأهبة للرحيل، فيتربص بها كأخطبوط يرتشف الأرجيلة ويمسك فريسته بإحدى أرجله.

لكن ماذا عساني أقول؟ ألم تُسلِم هذه المرأة نفسها للمتلازمة التي فرضت Strong independent women علينا، وجعلت صديقي الرجل يفقد أهليته، كما لو أن جسده مصاب بداء فقدان المناعة؟

صديقاي، دعونا نرحل بحكمة عن هذه الحرب البكماء التي تخرس صوت النور بداخلنا؛ فالعالم أصبح مستشفى للمجانين، والكل مشغول بمتلازمة: أنا ومن بعدي الطوفان.

أيها الرجل، دعها تتأمل الأشياء الجميلة من حولها حتى تعود التفاصيل إلى طبيعتها وجاذبيتها، فتصير هي مؤنستك غير العليلة، وتُحسن مواساتك في لحظات الفقد وجغرافيا الألم؛ تضمد، ترمم، وتزرع. دعها تُعرّي روحها أمامك من دون أن تخاف من سكاكين الغدر والطعنات التي تقتلنا جميعًا. دعها ترتجف بين يديك كعصفورة مبللة بالمطر الخفيف.

أخبرها أن تتأبط ذراعك من دون أن تخاف الخذلان؛ فلسنا في سوق نخاسة كي تواصل، يا رجل، الانتقاء.

أما أنتِ يا تاء التأنيث، يا نون النسوة، يا امرأة قوية مستقلة، فدعيه يسندك ويخبئك من خوفك، ويزرعك في أقصى الصدر على اليسار حتى تنامي مطمئنة. فلا بأس إن تركته يُظهر قوته، فتَيْنَع رجولته وتزهر وتثمر من جديد.

إن أصدق عبارة قد تصادف العمر أن يطلب منك أحدهم الإذن ليحمل عنك، وعن كاهلك، ما أثقلك دهرًا.

لا شيء يستحق أن نجعل مجتمعنا يعيش كل هذا الدمار، والأنكى من ذلك أطفال يولدون كما لو أنهم يحملون أشلاءهم المبتورة من طبيعة مشوهة من الداخل.

يكفينا دمارًا… باراكا.

إقرأ الخبر من مصدره