الخط : A- A+
مع حلول عيد الأضحى، لم يعد السؤال الذي يؤرق شريحة واسعة من المغاربة يتعلق بجودة الأضحية أو حجمها، بل أصبح سؤالاً أكثر إيلاماً وواقعية: أين اختفت الأكباش؟ وكيف تحولت الأسواق إلى فضاءات ملتهبة الأسعار تُربك الأسر وتُعمّق شعورها بالعجز والاختناق الاجتماعي؟
ويأتي هذا الوضع، بحسب ما يتداوله المواطنون في الشارع ومواقع التواصل، بعد تصريحات أحمد البواري وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، التي تحدث فيها من داخل قبة البرلمان عن وجود فائض في العرض، وعن وفرة القطيع ورؤوس الماشية الموجهة للأسواق بمناسبة عيد الأضحى، مع تأكيده على وجود أضاحٍ بأثمنة تناهز ألف درهم. غير أن الواقع الذي تصفه الأسر المغربية داخل الأسواق يبدو مغايراً تماماً لهذه التطمينات، خاصة مع تداول أخبار عن نفاد القطيع ببعض الأسواق قبل يومين فقط من العيد، وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.
ففي عدد من المدن المغربية، من الدار البيضاء إلى مراكش وأكادير، تتزايد شكاوى المواطنين من الارتفاع الصاروخي في أسعار الأغنام، وسط حديث متواتر عن خصاص في العرض وغياب التوازن داخل الأسواق، هذا الواقع الصادم دفع كثيرين إلى التشكيك في المعطيات الرسمية التي ظلت تؤكد خلال الأشهر الماضية أن القطيع الوطني في وضع مطمئن، وأن الأرقام المتوفرة كافية لتغطية حاجيات العيد.
اليوم، وأمام ما يجري ميدانياً، يطرح الشارع المغربي تساؤلات مشروعة حول مدى دقة الإحصائيات التي بُنيت عليها تلك التطمينات، فهل يتعلق الأمر بندرة حقيقية في القطيع؟ أم أن الأسواق تُركت فريسة للمضاربات ولهيب “الشناقة” الذين وجدوا في الظرفية فرصة لتحقيق أرباح مضاعفة على حساب القدرة الشرائية للمواطنين؟
هذه الأسئلة عادت بقوة إلى الواجهة بعد التدوينة التي نشرها وزير العدل سابقا المصطفى الرميد، والتي عبّر فيها عن استغرابه من الوضع الذي وصفه بغير المسبوق، معتبراً أن المغاربة يعيشون حالة غضب واحتقان بسبب الأسعار الملتهبة للأضاحي، رغم توفر مجموعة من المعطيات التي كان يُفترض أن تُساهم في تخفيف الأزمة لا تعميقها.
الرميد توقف عند ما اعتبرها مفارقات صادمة، أبرزها أن الموسم الحالي يأتي بعد سنة تم خلالها التراجع عن ذبح الأضاحي، وهو ما كان من المفترض أن يساهم في الحفاظ على جزء مهم من القطيع الوطني، إضافة إلى الدعم الحكومي الذي استفاد منه مستوردو الأغنام، ثم وفرة التساقطات المطرية التي انعكست إيجاباً على الموسم الفلاحي. غير أن كل هذه العوامل، بحسب ما جاء في تدوينته، لم تمنع انفجار الأسعار ولا حالة التذمر الواسعة داخل المجتمع.
كما وجّه الوزير السابق انتقادات مباشرة للتصريحات التي تحدثت عن إمكانية اقتناء أضاحٍ بأثمنة تتراوح بين ألف وألفي درهم، معتبراً أن هذه الأرقام بعيدة عن الواقع الذي يعيشه المواطن المغربي داخل الأسواق، حيث أصبحت الأسعار تتجاوز في كثير من الأحيان قدرة الأسر البسيطة والمتوسطة على مجاراة تكاليف العيد.
وفي خضم هذا الجدل، يزداد الحديث عن مسؤولية تدبير القطاع الفلاحي، ومدى قدرة السياسات العمومية على استباق الأزمات وضبط السوق وحماية المستهلك من المضاربة والفوضى، فالمغاربة لا ينظرون إلى عيد الأضحى فقط كشعيرة دينية، بل كرمز اجتماعي يرتبط بالكرامة والفرحة الجماعية، وهو ما يجعل أي اختلال يمس هذا الموعد الحساس يتحول سريعاً إلى مصدر توتر واحتقان داخل المجتمع.
ما يجري اليوم في أسواق الأغنام يتجاوز مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، ليعكس أزمة ثقة حقيقية بين المواطن والخطاب الرسمي، خاصة حين تصطدم الأرقام والتطمينات بالواقع القاسي الذي يواجهه المواطن البسيط يومياً، وبين حديث الحكومة عن وفرة العرض، وشكاوى المواطنين من غلاء غير مسبوق، يبقى السؤال معلقاً: من يتحمل مسؤولية هذا الوضع؟ وهل يتعلق الأمر بسوء تقدير وتدبير، أم بفشل في مراقبة الأسواق وكبح جشع المضاربين؟