
عبد اللطيف مجدوب
يطل علينا عيد الأضحى المبارك كل عام بنفحاته الإيمانية وأجوائه الروحانية، حاملاً معه بهجة اللقاء وقيم التكافل. لكن خلف هذا المشهد الروحي، تتحرك عجلة اقتصادية ضخمة ومتنوعة، تشمل قطاعات مهيكلة وغير مهيكلة؛ إذ تغزو الأسواق العشوائية المحلات والطرقات، وتفيض الأرصفة والأزقة بتجار الماشية ومستلزمات العيد. هذا الرواج التجاري الاستثنائي، رُغم أهميته الاقتصادية، يفرض تحديات بيئية وصحية جسيمة تتطلب وقفة تأمل لمواجهتها.
من السكن إلى النحر: جغرافيا التلوث المحلي
تبدأ المعضلة البيئية مع قضية اقتناء الأضاحي وإنزالها بالدور والمساكن داخل الأحياء الحضرية. هنا، تتحول التجمعات السكنية الهادئة إلى حظائر مؤقتة، وينجم عن ذلك تلوث بيئي وصوتي مقلق:
التلوث السمعي: “البعبعة” المستمرة ليلاً ونهاراً التي تقض مضاجع الساكنة.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
التلوث البيئي: تراكم روث البهائم ومخلفاتها في مداخل العمارات وعلى الأسطح، مما ينشر الروائح الكريهة ويستقطب الحشرات.
وتتفاقم هذه الأزمة يوم العيد مع اللجوء إلى النحر التقليدي عشوائياً أمام المنازل وفي الأزقة. وينتج عن ذلك مشاكل حادة في صرف المياه العادمة الملوثة بالدماء، وتكدس الشوارع بالفضلات والرواسب (كجلود الأضاحي والأجزاء غير الصالحة للاستهلاك). وسواء كانت هذه النفايات مرزمة في أكياس أو متروكة عارية، فإنها تظل معرضة للتحلل السريع تحت أشعة الشمس، مهددة الصحة العامة.
البديل الحضاري: النحر النموذجي وميثاق البيئة
في المقابل، برزت الحاجة الملحّة إلى اعتماد “النحر النموذجي”، وهو الخيار الذي يتماشى تماماً مع صفاء السنة النبوية الشريفة ومقاصدها الطاهرة، والتي تحث على النظافة وعدم الإساءة إلى الوسط البيئي أو إيذاء الجيران قبيل العيد وبعيده.
يتطلب تحقيق هذا التحول الحضاري تدخلاً حاسماً من السلطات المحلية عبر:
تعيين مسالخ جماعية مجهزة ومراقبة صحياً.
التنسيق الوثيق مع الجماعات الترابية، والجمعيات، والوداديات السكنية لتنظيم العملية وتوعية المواطنين.
النموذج التركي: تجربة ملهمة في التنظيم
وتقدم دولة تركيا في هذا السياق نموذجاً ملهماً يحتذى به في إدارة هذه المناسبة؛ ففي صباح العيد، يتوجه المواطنون مباشرة إلى مقرات مخصصة لعرض الأضاحي، وهي مواقع مجهزة بمسالخ نموذجية حديثة. تتيح هذه المنظومة للمواطن:
حسن اختيار الأضحية وفحصها طبيّاً.
الدفع بها مباشرة للنحر والتقطيع في ظروف صحية وبيئية سليمة.
تخصيص جزء منها للصدقة عينياً في عين المكان إن رغب في ذلك.
نقل اللحوم جاهزة ونظيفة إلى الدور والمنازل، بعد التوقيع والتصديق الفعلي على ميثاق “حسن الجوار وصيانة البيئة”.
اختتمت: إن الانتقال من عشوائية النحر التقليدي إلى رحابة المسالخ النموذجية ليس مجرد ترف تنظيمي، بل هو ضرورة دينية وحضارية لحماية بيئتنا وصحة أجيالنا، وتأكيد على أن شعائرنا الدينية تنبذ التلوث وتدعو جهاراً إلى النقاء والجمال.